آلية صياغة الدستور

   في الآونة الأخيرة حدث ويحدث إعادة صياغة لعدد من الدول العربية، ولذلك اصبحت آلية صياغة الدستور مطروحة بقوّة. في العادة حين يراد إجراء تعديل بسيط في الدستور فإن ذلك يتم وفق آليات ينصّ عليها الدستور نفسه، لكن عندما يراد إعادة صياغة الدستور من جديد فإن ذلك يتم وفق العرف، وشرعية الصياغة الجديدة تأتي من استفتاء عام يشارك فيه كل المواطنين الذين يتمتعون بحق الانتخاب، وبالتالي يكسب الدستور شرعيته من الشعب. أمّا آلية صياغة نصّ الدستور فلا توجد طريقة محددة لها سوى بالعرف وسأناقش هنا الآلية بطريقة منطقية لتحاشي وقوع أخطاء قد نندم عليها فيما بعد.

1- من يشارك بصياغة نص الدستور؟

   هناك رأيان سائدان حول ذلك، الأوّل أن تكون الصياغة من قبل هيئة منتخبة مباشرة من الشعب، والثاني أن تكون من قبل لجنة من الأكاديميين المختصين والذين يتم تعيينهم مباشرةً.

   في الواقع كلتا الطريقتين لهما مساوئهما وحسناتهما، ففي حالة الهيئة المنتخبة قد يتم انتخاب أشخاص غير مختصّين، وبالتالي لن تكون صياغة الدستور على المستوى المأمول، وفي الثانية إذا تمّ التعيين من قبل شخص واحد فهنا لا يمكن ضمان حيادية اللجنة، وحتّى لو كان هذا الشخص منتخباً انتخاباً مباشراً من الشّعب، مثلاً أن يكون رئيس السلطة التنفيذية في نظام رئاسي أو حكومي، ذلك أنّ وضع دستور ليحكم البلاد لفترة طويلة من الزمن من قبل لجنة معيّنة من قبل شخص واحد فيه فردية وإقصاء مباشر لقوى وتيارات كثيرة قد تكون مخالفة في توجّهاتها لهذا الرئيس.

   لذلك الطريقة الأفضل التي تؤمن انتخاب شعبي واسع وفي نفس الوقت السوية المناسبة للمشاركين في صياغة النص هي برأيي إمّا أن تكون اللجنة معيّنة من قبل مجلس منتخب انتخاباً مباشراً من الشعب، مثلاً البرلمان إن كان يحقق التمثيل الشعبي الصحيح ولكن بعد تحديد مؤهلات محددة للأشخاص الذين يتم تعيينهم، أو عن طريق انتخاب لهيئة تأسيسية بانتخاب مباشر من الشّعب وتقوم هذه الهيئة بدورها بتعيين لجنة من أشخاص مؤهلين حسب مؤهلات محددة تم الاتفاق عليها مسبقاً.

2- ما هي المصادر التي يُرجَع إليها في صياغة الدستور؟

   هنا أمر مهم لا يجوز تناسيه، وهو أنّ إعادة صياغة الدستور في إحدى الدول لا يشكل منعطفاً في تاريخ تلك الدولة فقط، بل خطوة جديدة في الحضارة البشرية ككل، إذ من النادر أن يحدث إعادة صياغة للدستور في دولة من دول العالم خلال فترة طويلة من الزمن، ولذلك لا ينبغي الاستناد إلى الدساتير السابقة للدولة نفسها المراد إعادة صياغة دستورها أو الدول الأخرى فحسب، بل ينبغي أيضاً الاستناد إلى آخر نتائج الفكر البشري في فلسفة القانون والسلطة والدولة، ليصبح الدستور المصاغ بدوره خطوة جديدة إلى الأمام تستند إليها دول أخرى في العالم قد ترغب يوماً ما بإعادة صياغة دستورها.

   ولذلك أعتقد أن ينبغي للجنة المشكلّة لإعادة صياغة الدستور أن تستدعي المفكرين المتميزين من كل العالم ليطرحوا عليها أفكارهم من خلال محاضرات متبوعة بنقاشات مكثّفة، على أن يبقى طرح هؤلاء من حيث الاستشارة فحسب، وهذا بالإضافة إلى الاطّلاع على الدساتير السابقة ودساتير الدول الأخرى ودراستها بدقة أيضاً وهو أمر لا بدّ منه بجميع الأحوال.

3- وفق أيّة آلية تقوم اللجنة بعملها؟

   أستغرب أن طريقة عمل اللجان لصياغة الدستور كانت وتكون عن طريق التصويت، فحتّى لو كانت تركيبة اللجنة تعبّر عن تمثيل شعبي صحيح، فهذا الحجم التمثيلي هو لمرحلة آنية وقد يتغيّر في أي وقت، بينما الدستور الجديد يُكتَب ليبقى لفترة طويلة من الزمن قد تشمل ورود أجيال جديدة كثيرة، هذا ناهيك عن أنّ اللجنة يجب أن تكون مشكَّلة وفق مؤهلات أعضائها وليس تمثيلهم السياسي للتيارات الموجودة في المجتمع.

   لذلك يبدو أن الطريقة الوحيدة الملائمة لآلية عمل اللجنة أن تكون عن طريق الإجماع المبني على التوافق، بمعنى يجب على كل عضو أن يكون موافقاً على نص كل المواد الواردة في الدستور وطريقة ورودها، وهذا من شأنه أن يستبعد مواداً تعبّر عن توجّه سياسي لتيّار موجود حالياً قد لا يستمر في الوجود في السلطة والمجتمع مستقبلاً، فمثلاً ( على سبيل التوضيح فقط ) إذا كان هناك دعاة نظام اشتراكي وآخرين دعاة نظام رأسمالي فإن التوافق سيعني عدم ورود تحديد لنظام اقتصادي في الدستور، ولكن تبقى الأمور التي يجدر باللجنة الاتّفاق عليها وهي ضمان حقوق العمّال الاجتماعية وعدم شرعية منع المستثمرين من الربح ومسؤولية السلطة في تأمين فرص العمل ومجالات الاستثمار والمنافسة الشريفة ..الخ، وفي حال لم تتمكن اللجنة من الاتفاق على صياغة ضمن فترة محدّدة يصار إلى حلّها لتشكيل لجنة جديدة تملك فرص أكبر في التوافق.

   هذه افكار أحببت أن أشارككم فيها وما يهمني أن تأخذ آلية إعادة صياغة الدستور حقّها من الاهتمام والنّقاش بسبب أهميّتها الشديدة ومصيريّتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.