خلق آدم بين النص الكتابي والعلم (الجزء الأول)

منذ أن وضع داروين نظريته حول التطور صار جدل كبير حول خلافها مع الدين والعقائد الدينية السائدة في مختلف الأديان الحية ومازال هذا الجدل مستعراً حتى اليوم، ولم تكن محاور الجدل هي نفسها دائماً في جميع الأديان والطوائف والمذاهب. أحياناً كان الجدل حول حرفية النص الديني الذي يتحدث عن جبل الله للإنسان من التراب مما يخالف نظرية التطور برأي البعض، وأحياناً أخرى عن أن التطور يساوي بين الإنسان والحيوان مما يخالف بعض العقائد الدينية.

أما نتيجة الجدل فتختلف ما بين مذهب وآخر وبين رأي وآخر، فهناك من يرفض الكتب الدينية ويحتقرها لأنها برأيه تخالف العلم، أو من يرفض النتائج العلمية حول التطور جملة وتفصيلاً بحجة مخالفتها لحرفية النص الديني، أو رأي آخر لا يستطيع إنكار أهمية العلم فيركز على نقطة ليست واضحة بعد في النظريات العلمية محاولاً التشكيك بها أو غيره يحاول أن يجد برهاناً علمياً بطرق بعيدة عن الروح العلمية على صحة قصص الكتب المقدسة الحرفية، ومنهم من وجد أنه لا خلاف بين النتائج العلمية والعقائد الدينية لأن كلاً منها يبحث في مجال مختلف تماماً عن الآخر.

أما الرأي الأرثوذكسي السائد فكان عدم رفض أياً من الاثنين، أي عدم رفض نتائج العلم من حيث أن العلم عطية من عطايا الله الصالحة للإنسان ( إذا ما استخدمها لخيره وخير الآخرين ) وعدم رفض التعاليم الدينية لأنها لا تخالف العلم إذ أن كلاً من العلم والدين حسب هذا الرأي يبحث في مجال مختلف، إلا أنه عند التمعن في النص الديني فإنه تظهر أمامنا تساؤلات كثيرة لا بد لنا من أن نقوم بمحاولة إيجاد أجوبة شافية لها على ضوء الفكر الأرثوذكسي.

النظرة الأرثوذكسية للكتاب المقدس

نحن نؤمن بأن أسفار الكتاب المقدس كلها كتبت وجمعت من قبل الإنسان لكن بوحيٍ إلهي “لأنه لم تأت نبوءة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” ( 2 يو 1 : 21 )

هذا لا يعني أن الكلمات نزلت على الإنسان كما هي فما كان على الكاتب سوى تدوينها، ولا يعني هذا أيضاً بالمقابل أن هناك شخص كتب ما كتب فجاءت كتابته بالصدفة موافقة لإرادة الله. بل إن من كتب أي قصة أو مقطع في الكتاب المقدس ( وقد يكونوا عدة كتاب غير مجتمعين معاً في مكان أو زمان ) قد كتبها بلغته الخاصة حيث أن الوحي الإلهي يحترم الإنسان وشخصيته وفرادته، إنما لم يكتب هذا الكاتب على هواه بل هو شخص قديس كما يقول الرسول استلهم الوحي الإلهي في إرشاده لما يوافق القصد الإلهي من النص، يمكننا أن نقول إذن أنها موافقة الله للإنسان في لغته، وموافقة الإنسان للوحي الإلهي في المعنى المراد.

طبعاً لا أقصد باللغة هنا من حيث كونها عربية أو آرامية أو يونانية الخ فقط بل أكثر من ذلك؛ فاللغة تعني أيضاً الصيغة الأدبية التي كتب بها الكاتب ( شعر، قصة، أمثال، غزل … ) وأسلوبه الأدبي وحصيلته الثقافية في استخدام الأمثلة والرموز وما شابه.

و في هذا السياق نجد أن كون نص ما في الكتاب اقتبس عن نصوص سابقة تعود لشعوب غير شعب الله لا يخالف كونه موحى به من الله، وذلك أولاً لأنه لا مانع من الاعتماد على نصٍ أياً كان من ناحية اللغة، أي في استعمال نفس القالب الأدبي والرموز والأمثلة، طبعاً بشرط عدم أخذ من النص ما لا يوافق العقيدة القويمة وذلك باسترشاد الوحي الإلهي، وثانياً الوحي الإلهي حسب الكتاب المقدس نفسه وحسب إيمان اليهود لم يقتصر على الشعب اليهودي، مثلاً كان هنالك أنبياء غير يهود مثل أيوب، وقد يكون للوحي الإلهي دور في نشوء قصص وميثولوجيا خارج إطار الشعب اليهودي ونص العهد القديم.

هذا أيضاً يجعلنا لا نهتم بحقائق علمية يوردها الكتاب المقدس، فمن ناحية، الكاتب يكتب على حسب معرفته العلمية فحسب، ومن الناحية الأخرى لا يبغي وحي الروح القدس أن يعلن حقائق علمية جديدة! بل يبغي خلاص الناس من الشر والخطيئة.

النظرة الأرثوذكسية للعلم

النظرة الأرثوذكسية تقول أن العلم بحد ذاته ليس شيئاً سيئاً أو ضاراً بل عطية من الله مفيدة بشرط حسن استخدامها كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس “إذا قلنا أن الفلسفة الطبيعية عطية من الله نقول الحق ولا أحد يعارضنا، ولكننا بهذا لا نرفع الاتهام عن الذين استعملوها بشكل رديء وأحدروها إلى استهداف غاية تضاد الطبيعة ” وهذا التعليم ينطلق من أن الله أعطى للإنسان السلطة على الطبيعة كما نجد في قصة الخلق، والله قد أعطى الإنسان العقل الذي بواسطته ينتج العلم، ولعل العلم هو أقوى وسيلة يستطيع أن يحكم فيها الإنسان الطبيعة.

وفي السياق نفسه نجد أن جسد الإنسان هو أيضاً جزء من هذه الطبيعة، وتشكل الدراسة العلمية لتاريخ تطور الطبيعة المحيطة بنا ولتاريخ تطور جسد الإنسان نفسه فروع علمية هامة تزود الإنسان بقدرات علمية هائلة يستطيع استخدامها فيما هو خير له وللآخرين.

أما العقائد المسيحية بمجملها لا تبحث في تفاصيل وصف الطبيعة وقوانينها أو في تفاصيل بنية جسد الإنسان، بل في أمور أخرى أكثر سموّاً والغاية من معرفتها خلاص الإنسان، لا نستطيع أن ندركها بالعلم الطبيعي الذي هو أحد المواهب الطبيعية التي منحها الله للإنسان، بل بالمواهب الفائقة للطبيعة التي يعطيها الله لبعض الأشخاص منحة خاصة، والتي منها النبوءة والوحي الإلهي.

لا بد من التنويه إلى أنه يأتي في سياق حديث بعض آباء الكنيسة ذكر لتفاصيل قصة الخلق كأنها شيء حقيقي، إلا أنهم كانوا بذلك إما يستخدمون نفس تعابير الكتاب أو أنهم كانوا يتحدثون حسب حجم معارفهم العلمية لكن لم يكن تفسير الآباء لهذه النصوص تفسير أو نقاش علمي، ولم أسمع جدالاً واحداً لأحد آباء الكنيسة الأرثوذكسية يدافع فيه عن حرفية قصص الكتاب المقدس أو دقتها من الناحية التاريخية أو العلمية، وليس هناك قرار واحد من قرارات المجامع الكثيرة التي تعترف بها الكنيسة الأرثوذكسية أكد على حرفية قصة تاريخية في الكتاب المقدس أو صحتها العلمية ( كما أنه ليس هناك قرارات تؤكد عكس ذلك فالمواضيع العلمية ليست من شأن الكنيسة وإنما الكنيسة تهتم بأمور على صعيد أسمى ).

إذن لكل من العلم والدين فائدته في مجاله، فمن يرفض نظرية التطور بحجة عدم انسجامها مع حرفية النص المقدس يخسر كثيراً من الفوائد العلمية التي تقدمها، فتطوير الكثير من العلاجات الطبية والمبيدات الحشرية على سبيل المثال يبنى على أساس معرفتنا بتطور الميكروبات والحشرات عبر التكاثر والانتقاء الطبيعي وتكيفها بالتالي مع العلاجات السابقة، كما أنه برفض نظرية التطور البيولوجي للإنسان والحيوان من سلالات واحدة تصبح التجارب على الحيوانات القريبة في تكوينها البيولوجي من الإنسان بهدف تطوير علاجات للأمراض البشرية؛ تصبح بدون أي أساس علمي، والأهم من هذا وذاك إن دراسة تاريخ تطور الإنسان يمكننا من فهم أشياء كثيرة عن الطبيعة البشرية تفيدنا في الطب وفي العلوم الإنسانية المختلفة.

بالمقابل من يرفض القصص الدينية حول خلق الله للطبيعة والإنسان يخسر الكثير من التعاليم اللاهوتية السامية والضرورية لخلاص كل إنسان.

يمكن القول أنه حتى إن صدف ووجد تقارب بين فكرة أو تعليم ما في الكتاب ونظرية علمية ما، فالأفضل أن نعتبر ذلك صدفة! لأننا بتشديدنا في هذه الحال على الصحة العلمية للنص الديني فإننا قبل كل شيء نضيِّع المعنى الروحي الحقيقي للفكرة الواردة في الكتاب، ومن جهة ثانية نحد من حرية العلم القائم على الفكر البشري المبدع والطبيعة وعملية التجريب إذ أننا سنرفض مسبقاً أي نظرية جديدة مخالفة للنظرية العلمية السابقة التي تبنيناها.

يبقى أمر بخصوص العلم لا بد من التطرق له. إن العلم لا يتعلق فقط بالواقع وبالطبيعة بل يتعلق أيضاً بالإنسان وكيفية وصفه ومقاربته للواقع، فالعلم هو بالحصيلة إنتاج إنساني، ونستعمل في العلم اصطلاحات موجودة فينا غريزياً وإن كنا نعطيها في العلم الحديث معانٍ أكثر دقة، مثل ذلك مصطلحات القوة والقدرة والمساحة والحجم … الخ. وأكثر من ذلك العلم هو إنتاج ثقافي إذ نجد أن المقاربة العلمية تختلف من ثقافة إلى أخرى إذ يختلف بناء بعض النظريات العلمية ( القوانين والتصنيفات والتعاريف وأساليب التطبيق ) من عصر لآخر ومن شعب لآخر بدون أن يعني ذلك أن إحدى المقاربات أكثر صحة من الأخرى، والسبب الوحيد لشعورنا بوجود انسجام في النظريات العلمية في العالم حالياً هو انتشار العلم الحديث الذي اكتسى حلة ثقافة واحدة هي الحضارة الأوروبية فيما بعد عصر النهضة. فالله خلق العالم لكنه لم يضع نصوص النظريات والقوانين العلمية، بل الإنسان هو الذي وضعها في طريقة وصفه لهذا العالم. لذلك عندما نقول بوجود إعجاز علمي أو إعلان علمي أعلنه الرب في الكتب المقدسة فهذا يعني أننا نعطي للعلم صفة الأمر الثابت المطلق غير الخاضع لمساهمة الإنسان وغير المتغير باختلاف ثقافته وهذا ببساطة غير صحيح.

هل نظرية التطور مثبتة علمياً؟

في الواقع إن نظرية التطور حتى اليوم محور جدل قوي جداً وهنالك الكثير ممن يرفضونها بحجة عدم وجود دليل أكيد عليها أو وجود أسئلة كثيرة لم تستطع الإجابة عليها بشكل نهائي، لكن يجب أن ننتبه لبعض الأمور الأساسية هنا :

  1. العلم لا يقوم على الدلائل والإثباتات ولا يتعامل العلماء مع الطبيعة كما يتعامل القاضي مثلاً مع التحقيق الجنائي، العلم يقوم على الاستقراء، إن كل الإنجازات والنظريات العلمية قائمة على الاستقراء لا على الأدلة، ولذلك نجد أن العلماء يطورون في النظريات العلمية في كل مجالات العلم باستمرار، والتطوير لا يمكن أن يكون لما عليه دليل. لذلك إذا قلنا أن العلم جيد علينا أن نقبل بمبدأ الاستقراء لاسيما أن مبدأ الاستقراء يقوم على افتراض نظام وتجانس في الكون وهذا يوافق الفكر الديني المسيحي الذي يجد في تناغم وانسجام الكون إشارة إلى جمال وعظمة الخالق.
  2. إن الاستقراء البسيط يجعلنا نصل إلى استنتاجات توافق نظرية التطور في أن الإنسان والحيوان متشابهين بيولوجيا إلى حد كبير. لا يمكننا مثلاً أن نتجاهل الشبه الكبير جداً بين الإنسان والرئيسيات ( أصناف القرود ) وهذا يجعلنا نتساءل عن كوننا نشبه بعض الحيوانات بيولوجيا فيما نختلف أكثر عن غيرها. لا يمكننا إلا أن نتساءل عن وجود بعض المواصفات في جسد الإنسان لا نجد لها تفسير إلا على ضوء نظرية التطور، كوجود الشعر ووجود الحلمتين عند الذكر وأصابع القدمين التي ليس لها فائدة عملية ووجود عظام العجز المشابهة للأذناب عند الحيوانات … الخ. أما الاستقراء الأقوى فهو في دراسة المستحاثات التي تثبت وجود تطور تدريجي مستمر في الكائنات الحية وكان ظهور جنسنا البشري الحالي منسجماً مع هذه المسيرة التطورية. إن إيماننا بوجود نظام في الكون ووجود قوانين طبيعية ثابتة ( وهذا ما تؤكد عليه قصة التكوين في الحديث عن اليوم الرابع ) يجعلنا نقتنع أكثر بأن ظهور الإنسان كان ضمن مسيرة طبيعية للكون وضمن إطار قوانين الطبيعة لا خارجها.
  3. إذا دققنا قليلاً نجد أن جميع من يرفض نظرية التطور ينطلق من خلفية دينية معتقداً أنها تخالف إيمانه والغريب أن هذا منتشر في أكثر البلاد المتطورة علميا في العالم، أعني الولايات المتحدة الأميركية، وليس هنالك اليوم من يرفض نظريات التطور منطلقاً من مبدأ علمي صرف.

5 تعليقات على “خلق آدم بين النص الكتابي والعلم (الجزء الأول)”

  1. حلوة كتير اخ رامي……….ويا ريت تدلنا على مراجع حتى نرجعلها بصورة اكبر لزيادة معلوماتنا في هذا الموضوع

  2. لقد فاجأني هذا الموضوع في عنوانه …. خلق آدم بين النص الكتابي و العلم …
    لكن و ما أن فرغت من قراءة عدة سطور حتى توقف تماما عن تتمة …… ثم قلت في نفسي كي اترك لك تعليقا …. علي أن اكمل النص الى آخره ….
    في الحقيقة و لأكن موضوعيا ……
    مع كامل الشكر لك على هذه المحاولة لوضع اتفاقية الصلح بين الدين و العلم إلا أنها لم تزد على الطين إلا (( بلة )) ، فلقد ثبت صحة النص ديني بشكل مسبق … و حكمت علينا بإثبات ذلك معك …. و حافظت على كونه موروث الله للبشر عن طريق وكيل وحيد هو النبي ، ثم قلت في ما قرأته ان النظرية الداروينية تساوي الانسان بالحيوان … و هذه معلومة غير دقيقة …. أبدا
    لأن النظرية الداروينية لا تساوي الانسان مع الحيوان و لا مع القردة …
    و كما اعلم و تعلم معي .. أن هناك نظريات يخضع لها الانسان في تطوره عن القردة -إن كان ذلك صحيحا – و هذه النظريات لا تحمل اسم التساوي .. اما نشوء او ارتقاء و لا مجال للتساوي .
    لقد ظلمت الداروينية في ذلك …..
    و شكرا جدا لك

  3. شكراً سيد أبو ليلى على اهتمامك وعلى مناقشتك

    أرجو أولاً أن أكون واضحاً في أنني لا أدعي الحياد الديني هنا ولا أن هذه الدراسة محيدة دينياً، أنا أنطلق من خلفية دينية محددة وإيمان محدد وأحد أهدافي من الدراسة أن أخبر أنني اكتشفت أن نظرية التطور لا تخالف النص الديني ولا الفهم الديني بحسب الإيمان الذي أنتمي إليه على الأقل، ولأبناء الديانات والمذاهب الأخرى أن يناقشوا علاقة دينهم مع نظرية التطور فأنا لا أريد بل لا يحق لي أن أتكلم بلسان الآخرين.

    هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى لا أذكر أني قلت أن الإنسان والحيوان متساويان، فالإنسان كمال الخليقة ويتفوق على أي مخلوق آخر حتى لو تمت المقارنة على المستوى البيولوجي فحسب، إلا أن الإنسان أكثر بعد من أن يكون مجرد كائن بيولوجي، إنه على صورة الله ومثاله وهذا أمر وضحته كثيراً وتجده في تدوينات لاحقة ( وربما كانت هذه أكثر دراسة دخلت في هذه التفاصيل نشرت حتى الآن ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *