خواطر في الحوار الديني

هذه بعض الخواطر حول الحوار الديني تولدت لدي من خلال خبرة عشتها في الحوار والتفاعل مع أشخاص من أديان مختلفة وأشخاص ملحدين.

1- هل يصلح النص منطلقاً للحوار الديني؟ كثيراً ما نجد في الحوارات الدينية (خصوصاً تلك الاستفزازية منها أو التي تجري من طرف واحد فقط) اقتباساً لنص ديني من دين الآخر وبناء الانتقادات على أساس هذا النص. المشكلة هنا أن المنتقد هنا يستند على تفسيره الخاص لهذا النص وينتقد على أساسه، أي أنه ينتقد تفسيره الخاص للنص بدون الالتفات إلى كيف فهم أبناء الدين نفسه النص الذي يعتبرونه جزءاً من دينهم.

أذكر مرة أن شخص اقتبس من الإنجيل عبارة المسيح “جئت لألقي سيفاً” فتهجم على المسيحية باعتبار أن المسيحية في اعتقاده وبناء على هذا النص تدعو إلى العنف، لم يفكر هذا الشخص أبداً كيف فهم المسيحيون عبر التاريخ هذه الآية ولم يفكر كيف أن المسيح نفسه تصرف عندما هجم الجنود على بطرس فاستل بطرس سيفه وقطع أذن أحدهم فلامه المسيح وأعاد الأذن إلى مكانها بأعجوبة، لم يفكر كيف أن الرسل عندما نشروا المسيحية في العالم لم يمسكوا لا سيفاً ولا حتى سكيناً. لم ير غير تفسيره الخاص لهذه الآية واعتقد أنه يستطيع انتقاد المسيحية على أساس تفسيره! طبعاً لا أقول أن هذا لا يحدث لبقية الأديان ولكني أذكر هذه الحادثة لأنها كانت واضحة بالنسبة لي.

الدين حسب أحد التعريفات الشائعة هو مجموعة من النصوص والرموز والاعتقادات والممارسات التي ترتبط بشيء فائق للطبيعة يعطي معنى لحياة ممارس هذا الدين ويرتبط بالإيمان بقوة فائقة غير منظورة، طبعاً هذا مجرد تعريف من تعريفات كثيرة ولكن في جميع التعريفات يشكل النص مجرد جزء من الدين والأهم من النص هو كيف فهم وفسر أبناء هذا الدين هذا النص، وكما نعرف هنالك طوائف مختلفة بل أديان مختلفة تتشارك أحياناً نفس النص لذلك ليس المهم النص بحد ذاته بل فهم وتفسير هذا النص.

2- أنا أؤمن بعقيدتي فهل يعني هذا أنني لا أقبل أي مناقشة فيها إلا من باب محاولة إقناع الآخر؟ مثلاً أنا أؤمن بعقيدتي الأرثوذكسية ومتمسك بها أشد التمسك (طبعاً لدي أسباب ولكن ليس الوقت ملائم لمناقشتها) فهل يعني هذا أنني لا يمكن أن أتراجع عن قناعاتي أحياناً بخصوص هذه العقيدة؟ قد يكون الجواب البديهي لا (وهكذا كان جوابي في أيام خلت) لكن لننظر للأمر من ناحية ثانية، ماذا لو كان فهمي لعقيدتي غير صحيح؟ أليس من الممكن أني أنا نفسي لا أعرف العقيدة التي أعتنقها بشكل كامل؟ من الممكن إذاً حتى لشخص من دين آخر أن ينيرني في بعض الأفكار. أيضاً من ناحية ثالثة هل أنا أفهم بشكل صحيح الطرح الذي يطرحه الطرف الآخر؟ من الممكن جداً أنه يطرح فكرة توافقني وتوافق عقيدتي لكني لم أفهم قصده بشكل جيد، وهذا ينقلني إلى الطرح الثالث :

3- هل يمكن أن أتحاور دينياً بهدف المنفعة المشتركة مع شخص من دين آخر؟ يقول البعض أن حوار الأديان لا فائدة منه بل هو يسبب المماحكات والحساسيات بدون داع أو في أحسن الأحوال لا يكون إلا نوع من المجاملات. البعض على النقيض يقول أن حوار الأديان يجعل أبناء الأديان المختلفة يفهمون بعضهم بشكل أفضل وبالتالي يتخطون خلافات غير مبررة ناتجة عن سوء الفهم أو عن أن مصادرهم عن الدين الآخر غير موثوقة. هذا صحيح لكني أسأل إن كان بالإمكان أن نتناقش حول أمور مشتركة بغرض الفائدة المشتركة وليس المقارنة بين الدينين، مثلاً المسيحيون والمسلمون يعبدون نفس الإله الأحد، ولدينا أمور كثيرة مشتركة فلم لا نتناقش حولها؟ أليس من الممكن أن أتحدث مع مسلم عن أهمية الصلاة في حياتنا وكيف تجلب الراحة النفسية بدون أن أقصد بذلك جعله يصلي صلاتي؟ أليس من الممكن أن نتحدث مثلاً عن أهمية عفة البطن في سبيل عفة النظر أو عن أهمية تجنب المراءاة والتشديد على المظاهر الخارجية. أليس من الممكن أن أتحدث مع جاري المسلم عن ضرورة الإيمان بالله وأنه منجدنا في الشدائد… الخ لماذا دائماً يكون الأول عند مخاطبة شخص من دين آخر هو تحويله إلى ديني وهدفه تحويلي إلى دينه؟ ماذا إن لم يفعل ولم أفعل (وبالتأكيد بجميع الأحوال لدينا ما يكفي من الظروف الاجتماعية وغير الاجتماعية التي تمنعنا من تغيير ديننا خصوصاً في بلادنا) أفليس من الممكن أن نحقق فائدة مشتركة في التناقش بأمور مشتركة؟

شارك بتعليقك