تاريخ نظرية الأجناس في الموسيقى

اليوم هناك نظرية مستخدمة على نطاق واسع في الموسيقى العربية وهي نظرية الأجناس، فالجنس هو ثلاث أبعاد موسيقية متجاورة تحيط بها أربع درجات موسيقية ويشكل مجموع هذه الأبعاد بنسب التردد 4\3 أي يماثل المسافة بين درجتي ( دو وفا ) ويتم تشكيل معظم سلالم الموسيقى العربية من جنسين ومن بعد طنيني ( مثل المسافة بين درجتي فا وصول ) يسبق الجنسين أو يفصل بينهما أو يتلوهما، مثلاً سلم الراست يتألف من جنس مؤلف من الدرجات “دو ره مي فا” يدعى جنس الراست ومن بعد فاصل طنيني بين درجتي فا وصول ومن جنس الراست أيضاً بين الدرجات “صول لا سي دو”. هذه النظرية وجدت في معظم مخطوطات علماء الموسيقى العرب وهي بالحقيقة مأخوذة بالأصل عن العلماء الإغريق.

لطالما كنت أستغرب كيف استطاع الإغريق التوصل إلى هذه النظرية حيث أنه لاستقراء نظرية مثل هذه لا بد من وجود عدد كبير جداً من السلالم الموسيقية الجاهزة لاستخلاص البنية الهندسية المشتركة بينها وهذا ما لم يكن متوافراً لدى الإغريق، إلا أن دراسة بسيطة لتاريخ السلم الموسيقي تحل هذا اللغز، فالحقيقة أن الجنس ظهر قبل وجود السلم الموسيقي الكامل بفترة طويلة جداً ( على الأقل في الحضارة الإغريقية ) وذلك لأن الكنارة الإغريقية القديمة كانت مؤلفة من أربعة أوتار فحسب تنقر نقراً بدون حبس، أي أن السلم الموسيقي لم يكن سوى أربع درجات وكانت تشكل جنساً حيث كان الوتر الرابع يتم ضبط دوزانه بحبس ربع الوتر الأول والنقر عليه، أي أن تردد الوتر الرابع يساوي 4\3 تردد الوتر الأول.

الوترين الثاني والثالث الذين يقع ترددهما بين ترددي الوتر الأول والرابع من الممكن أن يتم ضبطهما بطرق كثيرة مختلفة. طبعاً كانت الموسيقى في هذه المرحلة محدودة جداً بسبب صغر المجال اللحني، يقال أنه في حوالي منتصف القرن السابع قبل الميلاد قام الشاعر والموسيقي الإغريقي ترباندر بوضع جنسين متلاصقين معاً ليشكل سلماً أكبر مؤلفاً من سبع درجات.

حوالي سنة 400 قبل الميلاد وضع آرخيتاس تصنيفاً للأجناس الموسيقية حسب الأبعاد الداخلية الثلاثة الواقعة بين الأوتار الأربعة والمتولدة من تغيير ضبط دوزان الوترين الثاني والثالث، وقد قسم الأجناس إلى ذياتونية ( مشدودة ) وكرومية ( ملونة ) وإنَرمونية ( رخوة ).

الجنس الذياتوني بحسب آرخيتاس هو الذي لا يزيد فيه أحد الأبعاد عن مجموع البعدين الآخرين (مثل جنس الراست )، أما الجنس الملون فهو الذي يزيد فيه أحد الأبعاد عن مجموع البعدين الآخرين ( مثل جنس الحجاز )، أما الجنس الرخو فهو الجنس الذي يزيد فيه أحد الأبعاد عن ضعف مجموع البعدين الآخرين. ما زالت اصطلاحات ( ذياتوني – كرومي – إنرموني ) مستخدمة في الموسيقى الكنسية البيزنطية ولكن اختلف مدلولها كثيراً حيث أصبحت تشير إلى سلالم كاملة وليس أجناس وكذلك السلم الذي يدعى إنرموني هو بالحقيقة كرومي بحسب آرخيتاس وليس للجنس الإنرموني بحسب آرخيتاس وجود اليوم وبالحقيقة يمكن القول عنها أنها نشاز لأنها كل منها يتألف من بعد كبير جداً ( تقريباً المسافة بين دو ومي ) وبعدين صغيرين جداً. وأعتقد أن استخدام التسميات الإغريقية القديمة في الموسيقى الكنسية البيزنطية هو محاولة غير مبررة وغير ناجحة لربط الموسيقى الكنسية بالموسيقى اليونانية القديمة.

كذلك يستخدم اليوم مصطلح السلم الذياتوني والسلم الكرومي ( الملون ) في الموسيقى الغربية وأيضاً بمفهوم مختلف عما طرحه آرخيتاس.

في القرن الثاني قبل الميلاد قدم العالم الرياضي المعروف فيثاغورس سلماً موسيقياً كاملاً مختلفاً مؤلفاً من سبع درجات وهو  يشابه إلى درجة كبيرة السلم الغربي الحديث، واليوم أصبحنا نعرف أن فيثاغورس ليس مبتكر هذا السلم بل قد أخذه عن مصدر شرقي أقدم بكثير فقد وجد هذا السلم في بلاد ما بين الرافدين في القرن التاسع عشر قبل الميلاد  حيث قد عثر على رقم فخارية في أور وآشور توضح كيفية استخراج هذا السلم على الكنارة سباعية الأوتار وكذلك كيفية القيام بتصوير السلالم الموسيقية فيما يعد إنجازاً مدهشاً، فقد كان سلمهم العام ( الحاوي على جميع التصويرات الممكنة ) مؤلفاً من ثلاثة عشر درجة ( اثنتين منهما قريبتين جداً من بعضهما ) وهو يشابه إلى درجة كبيرة السلم الغربي الحديث المؤلف من اثنتي عشر درجة موسيقية. لقد انتشر هذا السلم البابلي قديماً في العراق وسورية وفي الشرق حتى وصل إلى الحضارة الصينية وكذلك وصل إلى الإغريق عير الساحل السوري وربما عبر أوغاريت التي أعطتنا أقدم رقيم يحوي قطعة موسيقية وهي تعد أقدم قطعة موسيقية معروفة في العالم.

إذن أصبح لدينا هنا التقاء لنظريتين مختلفتين للسلم الموسيقي؛ نظرية الجنسين المتلاصقين ونظرية السلم البابلي القائمة على البعد الطنيني وأعتقد أنه من محاولة التوفيق بينهما ظهرت نظرية تركيب السلالم الموسيقية من جنسين وفاصل طنيني حيث أن هذه النظرية تستطيع شرح كل من السلم البابلي والسلم المؤلف من جنسين متلاصقين، فالسلم الموسيقي أصبح مركباً من جنسين ومن بعد طنيني وقد يقع البعد الطنيني قبل الجنسين أو بينهما أو بعدهما. لقد عمل الكثير من علماء الإغريق والمسلمين حسب هذه النظرية ونشأت منها مع الوقت الكثير من السلالم الموسيقية التي أثبتت جماليتها ومناسبتها للحس البشري في الموسيقى العربية، وحتى اليوم هذه هي النظرية التي تبنى عليها أكثر سلالم الموسيقى العربية. من المثير للاستغراب في هذا السياق أن نظرية الأجناس لم تطرق باب الموسيقى الأوروبية إلا بخجل شديد بل اعتمدت الموسيقى الأوروبية على السلم البابلي وذلك تأثراً بالبابا غريغوريوس الذي نقل الألحان الكنسية الثمانية القديمة من الشرق إلى روما ومن ثم دخل ما يسمى بالسلم الطبيعي إلى الموسيقى الغربية تأثراً بصفي الدين الأرموي عبر الحضارة العربية في إسبانية ومن محاولة إيجاد حل وسط بين السلمين وتحقيق سهولة العزف نشأ السلم الغربي الحديث المعدل.

إن دراسة التاريخ تساعدنا على معرفة كيفية نشوء النظريات والأفكار ويساعدنا هذا على النظر إلى هذه النظريات بحرية أكبر وإعادة تقييمها. نستنتج هنا أن نظرية الأجناس لم تنشأ لسبب منطقي بل لسبب تاريخي بحت وهو أن الكنارة الإغريقية القديمة كانت مؤلفة من أربعة أوتار فقط، ولكن من جهة ثانية لها أساس سمعي مناسب للحس البشري وإلا لما كانت استمرت آلاف السنين، هذا يعني أنها ليست نظرية مطلقة وقد نحتاج إلى نظرية جديدة مرتكزة على أسس منطقية أكثر صلابة وتستوعب نظرية الأجناس بحيث تكون نظرية الأجناس نتيجة لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *