التناقضات المنطقية في فكرة الإعجاز العلمي للنصوص الدينية

موضوع الإعجاز العلمي طالما كان محوراً للجدل ليس بين بعض المؤمنين وغير المؤمنين فحسب بل بين المؤمنين وفي أحيان كثيرة بين أتباع الدين نفسه والمذهب نفسه. لن أناقش هنا بعض الأخطاء الإجرائية إن صح التعبير التي يقع فيها بعض دعاة الإعجاز العلمي، تلك الأخطاء مثل الخطأ في تفسير المعنى اللغوي للنص أو تحميله بما لا يحتمل أو اعتبار بعض النظريات والمعارف العلمية حديثة العهد بينما هي في الحقيقة قديمة العهد جداً أو حتى الجهل بالطروحات العلمية الحديثة والاعتماد على مصادر علمية غير موثوقة ولا تعبر عن إجماع العلماء في اختصاص معين، إنما سأبحث هنا في فكرة الإعجاز العلمي نفسها إذ أني أرى أنها بحد ذاتها تستحق التوقف وتقليب وجوهها من أكثر من ناحية، وهذه بعض الأمور التي أشعر أنها تشكل تناقض منطقي في فكرة الإعجاز العلمي.

1- يعتمد دعاة الإعجاز العلمي على العلم إثباتاً في حين أن العلم بحد ذاته يفتقر لأي إثبات. في الحقيقة إن العلم لا يعتمد على البراهين والإثباتات بل على الاستقراء، النظرية العلمية مبنية على استقراء عدد كبير من الظواهر ومحاولة استخراج ما هو مشترك في هذه الظواهر، وهذا يعني أنه لا يوجد أي إثبات. في العلوم المجردة كالرياضيات نعتمد على مسلمات نفترض صحتها لنبني عليها البراهين، مثلاً في الهندسة الإقليدية نعتمد على مسلمة إقليدس ( عدم إمكانية رسم من نقطة أكثر من عمود على خط مستقيم محدد ) وعلى قواعد تطابق المثلثات، ولكن عندما يأتي الوقت لربط هذه المسلمات مع الواقع الفيزيائي نصطدم بصعوبات كبيرة وفي الحقيقة لقد تم التوصل إلى أن مسلمات الهندسة الإقليدية لا تنطبق على الواقع الفيزيائي إلا بشكل تقريبي فليس لهذه المسلمات إذاً أي إثبات. كيف إذاً نثبت شيء بالاعتماد على شيء آخر غير مثبت؟

2- يعتبر دعاة الإعجاز العلمي أن العلم أمر مطلق وهذا ببساطة غير صحيح. لا أقصد هنا أن كل النظريات العلمية والمعارف العلمية من الممكن أن يكون فيها بعض الخطأ وأنها غير صحيحة مئة بالمئة فحسب، بل أكثر من ذلك إن العلم هو طريقة وصف الإنسان للواقع بلغة يفهمها الإنسان، وهذا يعني أن للإنسان بلغته وثقافته دور كبير في صوغ النظريات والأفكار العلمية. مثلاً أذكر أن أحد الأشخاص ادعى بأن السماوات السبع المذكورة في القرآن تدل على طبقات الجو السبع وهذا دليل على الإعجاز العلمي في القرآن، في واقع الأمر يصنف أغلب العلماء المختصون الجو الأرضي إلى أربع طبقات بينها ثلاث فواصل وليس إلى سبع طبقات لكن الفكرة هنا هي أن التصنيف هو أمر بشري محض يهدف إلى تسهيل الدراسة فقد يقول أحدهم بأن الجو مؤلف من خمس طبقات وغيره من عشرين طبقة بدون أن يعني ذلك أن الرأيين متناقضين. هذه الحالة تبدو واضحة جداً ولكن في جميع النظريات العلمية بدون استثناء هناك دور كبير لأسلوب التفكير البشري ولثقافة الإنسان أيضاً في صياغة نصوصها، فصحة النظرية العلمية أمر نسبي يتعلق بالعصر والثقافة.

3- من تعتمد صحته على صحة الآخر؟ هل النص الديني تعتمد صحته على النظريات العلمية أم بالعكس؟ هل رأيت مرةً أحد دعاة الإعجاز العلمي سواء كان مسيحياً أو مسلماً أو يهودياً يقبل بنظرية التطور ( وأعني هنا بشكل واضح فكرة التطور البيولوجي للإنسان والكائنات الحية المختلفة من أصل بيولوجي واحد ) ؟ بالتأكيد لا، مع أن نظرية التطور تعتبر صحيحة علمياً على نطاق واسع ولا أعتقد أن أحد علماء الطبيعة يعترض عليها من منطلق علمي بحت. وهنا يثار السؤال التالي: إن كان أحد يعتبر أن النص الديني يحكم على صحة أو خطأ النظريات العلمية، فما معنى الالتجاء إلى النظريات العلمية لإثبات صحة النص الديني ولماذا كل هذا الحماس بشأن الإعجاز العلمي؟ سنقع حتماً في كلا الموقفين المتناقضين إن اعتبرنا النص الديني كتاباً علمياً وهذا يأخذنا إلى الفكرة الأخيرة.

4- التشديد على الإعجاز العلمي يضيّع المعنى الحقيقي للنص الديني. هل أتى النص الديني ليكشف لنا حقائق علمية أو لسبب آخر؟ بالتأكيد إن أي نص ديني لا يمكن أن يحوي كل العلوم ولا جزء يسير منها، إذاً إن القول أن النص الديني هو كتاب علم يجعلنا نتساءل عن الانتقائية في الحديث عن بعض العلوم ( أو بشكل أدق بعض مجالات بعض العلوم ) فيما يتجاهل الكثير غيرها، وأكثر من ذلك يجعلنا نتساءل عن جدوى النص الديني نفسه إذا كانت العلوم الحديثة قد تخطت هذا النص بكثير. قد يقول قائل هنا أن ذكر أفكار علمية جاء في معرض الحديث عن التعاليم والعقائد الدينية لشرحها، وهنا أنا أؤيد هذا الكلام فمثلاً الحديث عن الشمس والقمر والسماء وعظمة الخلق هو لتوضيح عظمة خالق كل هذه الأجرام، لكن في هذه الحالة لا شيء يستدعي حتى أن يكون الطرح العلمي صحيحاً بحسب العلوم الحديثة لأن النص الديني حينها يجب أن يكون على حسب مستوى المعرفة العلمية للذين وجه لهم هذا النص وما يعتبر صحيحاً علمياً في عصر أو مكان قد يعتبر غير صحيح في عصر ومكان آخر والأفكار العلمية التي ذكرت في النص ننظر إليها على أنها الإطار أو الوسيلة لإيصال الأفكار الدينية لا أكثر أما حينما ننظر إليها وكأنها جوهر وهدف النص فكأننا نأخذ ثمرة ثم نأكل قشرها ونرمي اللب خارجاً.

8 تعليقات على “التناقضات المنطقية في فكرة الإعجاز العلمي للنصوص الدينية”

  1. السلام على من اتبع الهدى :

    رغم عدم إمتلاكي لأي مشكلة تجعلني أميز في النقاش و التوجه و التعامل بين مسلم و مسيحي و رغم أني لي أصدقاء من كل الطوائف و الاديان تقريبا و حتى ممن لا يؤمنون بوجود الخالق أساساً ، و رغم أن دراستي الإبتدائية كانت في كنيسة و الجامعية في مرحلتها الاولى كانت في دير !

    إلا أني أود أن أسجل استغرابي هنا عندما يأتي مسيحي ليتحدث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم و إن كنت لم تذكر هذا صراحة لكن على حد علمي لايوجد دعاة إعجاز علمي في الإنجيل لإفتقاره إلى هذه النقطة تحديداً

    على العموم أود الدخول معك في نقاش حول ما طرحته لكي أرى هل تدوينتك هذه للفهم حقيقة التفسير العلمي أم أنها لنثر الرماد في العيون فقط !

    بعض ملاحظاتي :

    تدوينتك تحتوي على مغالطات علمية كبيرة من جهة و اداعاءات لم أسمعها من قبل !

    تنتقد التوجه العلمي في تفسير الآيات القرآنية و في نفس الوقت في تدوينة سابقة تتحدث عن ان الإنجيل ( متعدد النسخ و الإصدارات ) يتحدث عن المستقبل و ما سيحدث به لاحقاً و أرى فرق كبير بين موضوعية التفسير العلمي و خيالية توقعات الإنجيل المستقبلية !

    أشرت بمغالطة كبيرة أن دعاة الإعجاز العلمي يفسرون الآيات تفسير علمي فقط في حين هذا خطأ كبير جداً ، لأنهم يجمعون بين التفسير اللغوي من جهة ، و الديني من جهة و العلمي من جهة ، و هذا تكامل ، و خير الأمور أتمها وأكملها .

    و تعليقي القادم سأناقش معك ما طرحته من أفكار .

  2. العلم :

    أتفق معك بان العلم أساسه عبارة عن فرضيات لكن تلك الفرضيات إما تتوقف عند مرحلة الفرضيات أو تصبح نضرية و قد ترتقي تلك النظرية لتصبح حقيقة فقانوناً و إن أصبحت قانوناً فلا رجعة فيه أبداً !

    و اسمح لي أن أصف أمثلتك التي أتيت بها بالساذجة لأن الرياضيات على سبيل الماثل هو علم قلئم على النظريات لأنه واقع غير ملموس في حين أن حقيقة العلم تعتمد على واقع ملموس

    فمثلا، نظرية فيثاغورس هي نظرية تبناها فيثاغورس و اعتمدنا عليها في حلنا لمعضلات رياضية ، لكن حقيقة أن الجو يحتوي على اكسجين مثلا ليست نظرية و إنما حقيقة أثبتها العلم و لا يمكن أن تتغير تلك الحقيقة فيأتي من يقول لنا أن الأكسجين فاكهة استوائية مثلا ً لا يحصل جسم الغنسان على الأكسجين إلا باكل تلك الفاكهة !

    خلاصة الكلام أن العلم إن وصل لمصاف الحقيقة فإن الغيمان به يجب أن يكون إيمان مطلق مثلاً لو أخبرتك أن الأرض مستطيلة ستصفني بالجهل لأن إثبات كروية الأرض حقيقة مطلقة !

    يعني في العلم هناك النظريات و الفرائض و هناك الحقيقة و الحقيقة المطلقة ، و دعاة الإعجاز العلمي لم يتطرقوا في تفسير القرآن الكريم إلى نظريات و إنما إلى حقائق علمية مسلم بها لا تقبل الشك .

    و إن كنت ترى عكس هذا أعطني تفسير علمي لنص أية مثلا تعتمد على نظرية لا على حقيقة !

    نعود لنشرح ما هو التفسير العلمي للقرآن الكريم :

    هي محاولة بشرية لفهم حقيقة الآيات الكونية و إسقاطها على أرض الواقع إنما لفهمها أكثر أو للدلالة على إعجاز هذا الكتاب .

    مثل معجزات السيد المسيح ، فالله قد خصه بتلك المعجزات لأن هناك من لن يؤمن بالله حتى يرى تلك المعجزات و هناك من يؤمن بالله قلبيا و منهم عقليا و منهم لا يؤمن حتى يرى بأم عينه دلائل و جود الله ، و لهذا السبب كان تفسير القرآن بالإضافة إلى تفسيرة دينيا و لغويا، جاء تفسيره علمياً.

    لو أردت مناقشتي في تلك النقاط فلا تاتيني بالعوام و تسقطها على تلك النقاط بل آتيني بتفاسير الدعاة و ناقشني في تفسيرهم إن كان تفسير يعتمد على نظرية أو حقيقة علمية و سأتيك ببعض الأمثلة :

    القرآن الكريم يصف لنا أن ارتفاع الشخص عن مستوى سطح الأرض يعرضه لنقص الاكسجين في حين أنه قديما كان يعتقد العكس، العلم أثبت صحة أن الأكسجين ينقص كلما ارتفعت عن سطح الأرض، فهل هذه حقيقة قابلة للتغير أم أنها حقيقة ثابتة ؟

    في إحدى آيات القرآن الكريم آية تتحدث عن أن هناك من النجوم عندما تنفجر في الكون يكون لها شكل وردة حمراء ، و أثبت العلماء هذه الحقيقة بصور لنجوم منفجرة في السماء شكلها شكل وردة حمراء تماما، فهل هذه حقيقة قابلة للشك ؟

    هذه أمثلة بسيطة للتميز بين فرضيات و حقائق !

    و لي عودة !

    ا

  3. سيد محمد شكراً على تعليقك الذي يفتح لي الباب لتوضيح بعض نقاط الموضوع بشكل أفضل
    لن أبدأ بالسلام لأني لا أعرف إن كنت تقصدني في سلامك أو لا … على العموم

    ليس من عادتي أن ألف وأدور وعندما أقول شيئاً فأنا أعني ما أقول، التدوينة هي حول فكرة الإعجاز العلمي في النصوص الدينية سواء كان الكتاب المقدس أو القرآن أو المهابهاراتا أو غيرها، قد لا نجد كلاماً مسيحياً عن الإعجاز العلمي في الكتاب المقدس كثيراً كون أن المسيحيين لا يعتبرون الكتاب المقدس منزلاً بل كتابة أشخاص بوحي إلهي، والأشخاص يكتبون على حسب مستوى علمهم لكن بهدف إيضاح أمور دينية وعقائدية، مع ذلك هناك بعض دعاة الإعجاز العلمي خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بالعهد القديم مثل ذكر كروية الأرض في نبوءة أشعياء وغيرها من الأمور وأنا أرفض هذه الأفكار مثلما أرفض غيرها في كتب دينية أخرى ولنفس الأسباب.

    من ناحية أخرى أنا إنسان مؤمن وليس لدي مانع من الاعتراف بالإعجاز والمعجزات والنبوءات والظهورات وغيرها من الأمور الخارقة للطبيعة وكوني أرفض فكرة الإعجاز العلمي ليس لأني غير مستعد للإيمان بقدرة الرب ومعرفته التي لا حدود لها بل كما كنت واضحاً أرفضها لأنها تعتمد على تناقضات بسبب عدم معرفة من يتبنونها بفلسفة ومعنى وغاية العلم بشكل كافي.

    لا أعرف ما هي خلفيتك العلمية لكني كشخص يحمل شهادة جامعية في مجال الفيزياء والرياضيات ولدي محاولات لتطوير بعض النظريات العلمية فإن أكثر شيء كان يتأكد لي مرة بعد أخرى خلال دراستي وبحثي فيما بعد هو أنه “ليس في العلم حقيقة مطلقة أطلاقاً” أصلاً العلم لا يبحث عن الحقيقة بل عما هو مفيد والنظريات العلمية تبنى على الاستقراء فلو جاء أحد العلماء ( أياً كان ) وقال لنا أن هناك قانوناً ما في الطبيعة، فعندئذ واجب الناس أن يسألوه كيف توصل لهذا القانون، ولن يكون لديه أي حجة سوى أنه أجرى عدد كبير من التجارب ودرس الكثير من الظواهر وقاسها بدقة ووجد أن هذا القانون ينطبق عليها، ولكن … القياسات ذائماً تحمل مجالاً من الخطأ ( وهو الدرس الأول الذي تعلمته في الفيزياء في الجامعة ) ومن ناحية أخرى إن انطباق القانون على الظواهر التي أجريت الدراسة عليها لا يعني أبداً أنه سينطبق مئة بالمئة على ظواهر أخرى مشابهة!

    هاك مثال تاريخي حقيقي ومشهور. لقد وضع نيوتن القانون الأساسي في الميكانيك وهو:
    القوة = الكتلة × التسارع ( القوة المطبقة على جسم تساوي حاصل ضرب كتلة الجسم بتغير سرعته الناتج عن هذه القوة ) وبقي الناس يعملون وفق هذا القانون طيلة أربعمئة سنة لدرجة أنه أصبح يعتبر من البديهيات إلا أن جاء أينشتاين بنظريته النسبية ( وهي مبنية على عمل كثير من العلماء جاؤوا قبله ) وأوضح أن هذا القانون غير صحيح مئة بالمئة بل يعطي نتائج تقريبية مقبولة عند سرعات بطيئة بالنسبة لسرعة الضوء! وليس من المستغرب أبداً أن يأتي أحد ويجري تعديلات أيضاً في نظرية النسبية.

    جيد أنك ذكرت مثل الأرض الكروية وقلت أنها حقيقة مطلقة! إليك الأمر ولا أدري إن كنت مدركاً له، الأرض ليس كروية بل مفلطحة، القطر بين القطبين أصغر من القطر بين نقطتين متقابلتين على خط الاستواء! هذا بغض النظر عن الجبال الشاهقة الوديان السحيقة في المحيطات التي لا تجعل منها كروية. قد تقول لي إنها كروية تقريباً وأن هذا التفلطح بسيط، أقول لك إن كون التقريب مقبول يرجع إلى الوضع الذي نريد تطبيق النظرية العلمية عليه، فلو أراد طفل أن يرسم الأرضية نقبل أن يرسمها كروية، اما إذا أردنا حساب السرعة والمكان الذي يجب أن نضع فيه قمر صناعي في مداره فإن اعتبار الأرض كروية سيؤدي إما إلى انطلاقه في الفضاء بدون رجعة أو وقوعه وتحطمه على الأرض لأن قوة الجاذبية عند القطبين أضعف منها عند خط الاستواء!

    أيضاً صياغة النظريات تكون باللغة البشرية وباستخدام مصطلحات بشرية، مثلاً استخدم نيوتن في نظريته المذكورة أعلاه مصطلحات القوة والكتلة والسرعة وهي مصطلحات موجودة بديهياً في الإدراك البشري فلو قدر لكائن آخر غير الإنسان ولا يستخدم هذه المصطلحات أن يضع نظريات علمية لما توصل إلى هذه النظرية أبداً!

    هذه مجرد أمثلة وأرجو أن تكون الفكرة قد وصلت

  4. السلام عليكم.. لعلي فهمت مايعنيه الأخ رامي من هذه التدوينة وبدون الخوض في نياته أقول أن بعض العلماء والمفسرين أسرفوا كثيرا في قضية الأعجاز العلمي في القرآن حتى أصبحوا ياتوا بكل آية صغيرة كانت صغيرة أو كبيرة ليبحث عن قرينة علمية لها ليألف بها (الرابط العجيب)..!! أنا أفهم حماس بعض هؤلاء كون بعض النتائج وبعض هذا التفسير أدى لإسلام العديد من العلماء والشخصيات والعوام.. لكن لايجب أن يكون هذا الدافع محفزاً على ربط القرآن الكريم بهذه الصيغة والوقوع في التناقضات والأخطاء الكبيرة.. وهناك الكثير من العلماء المسلمين ممن يعارض كلية التفسير العلمي للقرىن ويرفضه بالكلية لمشاكله الكثيرة.. فالعلم ونتائجه ونظرياته وفرضياته.. كما ذكر الأخ رامي يقبل الخطأ وربما بعض المسلمات العلمية لنا اليوم قد يثبت خطأها مستقبلاً فماذا نقول حينها لشخص دخل الإسلام بسبب أحد المشايخ الذي أوّل بعض الآيات القرآنية وربطها بهذه (الحقيقة) العلمية التي ثبت خطأها فيما بعد!! وقد حدث هذا فعلاً.. أذكر أني قرأت قصة عن أحد المشهورين في هذا المجال وهو الشيخ الزنداني المولع بالتفسير العلمي للقرآن..حينما جلب شريط صوتي قال إنه سجل من موقع لحفر بئر بترولي في روسيا ويسمع فيه أصوات أناس يصرخون ويفزعون، وقال إنها أصوات لعذاب القبر!! لا يمكن تصديق هذا ولن أقبله حتماً ومن الخطأ الربط هكذا من أجل مثلاً تخويف العصاة والكافرين..!!
    أنقل هنا كلام أحد العلماء الشاميين حول رأيه بالتفسير العلمي للقرآن في معرض شرحه لمنهجه بالتفسير:
    “قلما تجد تفسيراً لا يحرص مؤلفه على أن يحشد فيه كل ما تصل إليه يده من المسائل العلمية وبعض المفسرين أسرف على نفسه في هذا وأسـرف على قـرائه إسرافـاً غير مستساغ ، وليس مما يعلي من شأن القرآن أن يتطابق مع الحقائق العلمية وإن كان ذلك يزيد الذين اهتدوا هدى ، لأن الكلام الإلهي هدايةٌ وإرشاد ، والمعرفة العلـمية شأن بشـري بـحت ، وهذه المعرفة العلمية ماضية في طريقها _ سواء وجـد الـوحي الإلهـي أم لم يـوجد _ والخلط بين الميدانين مسلك شديد الخطورة على الوحي والقلم جميعا، وما مأزق شراح التوراة والإنجيل ببعيدة عن الأذهان ، لذلك حافظت على محل الهيمنة القرآنية على التفكير البشري ، وتجنبت الخوض في المسائل العلمية . ”
    كلام قيّم جدا وأعد قراءة تلك الجملتين معي:
    “وليس مما يعلي من شأن القرآن أن يتطابق مع الحقائق العلمية”
    “الكلام الإلهي هدايةٌ وإرشاد ، والمعرفة العلـمية شأن بشـري بـحت ، وهذه المعرفة العلمية ماضية في طريقها _ سواء وجـد الـوحي الإلهـي أم لم يـوجد”
    إذن هناك إنفصال بين المعرفة العلمية البشرية والكلام الإلهي..
    أما عن قضية شرّاح التوارة والإنجيل فلعل الأخ رامي لديه كلام أكثر حولها.. ليبين لنا هذا المأزق الذي وقع فيه هؤلاء الشرّاح.. لكنني أنقل كلاماً لأبو الحسن الندوي ربما يوضح فيه هذا المأزق:
    “ولكن من أعظم أخطاء رجال الدين في أوروبا، ومن أكبر جناياتهم على أنفسهم وعلى الذين كانوا يمثلونه، أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة. معلومات بشرية، ومسلمات عصرية، عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية، ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال الدين ذلك العصر، ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني … وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه عمر البشر فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض. فإن العلم الإنساني متدرج مترق، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصراً على كثيب مهيل من الرمل. ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين فإن ذلك كان سبباً للكفاح المشئوم بين الدين والعقل والعلم، الذي انهزم فيه الدين. ذلك الدين المختلط بعلم البشر، الذي فيه الحق والباطل، والخالص والزائف..هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطاً لم ينهضوا بعده. وشر من ذلك وأشأم: أن أوروبا أصبحت لا دينية… ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة. بل درسوا كل ما تناقلته الألسنة، واشتهر بين الناس، وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريهما من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية. وصبغوها صبغة دينية، وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها، ونبذ كل ما يعارضها وألفوا في ذلك كتباً وتآليف وسموا هذه الجغرافيا التي ما أنزل الله بها من سلطان: الجغرافيا المسيحية … وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوروبا، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني. فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب وانتقدوها في صرامة وصراحة، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب ؛ وأعلنوا اكتشافاتهم واختباراتهم. فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون في زمام الأمور في أوروبا وكفروهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي وأنشأوا محاكم التفتيش … ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف، أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء ! كان منهم العالم الطبيعي المعروف (برونو )، وكذلك عوقب العالم الطبيعي الشهير (جالليو) لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس ! … هنالك ثار المجددون المتنورون، وعيل صبرهم ، وأصبحوا حرباً لرجال الدين وممثلي الكنيسة، والمحافظين على القديم، ومقتوا كل ما يتصل بهم، ويعزى إليهم، من عقيدة، وثقافة، وعلم، وأخلاق، وآداب، وعادوا الدين المسيحي أولاً، والدين المطلق ثانياً، واستحالت الحرب بين زعماء العلم والعقلية وزعماء الدين المسيحي حرباً بين العلم والدين مطلقاً! وقرر الثائرون أن العلم والدين ضرتان لا تتصالحان، وأن العقل والنظام الديني ضدان لا يجتمعان ؛ فمن استقبل أحدهما استدبر الآخر ومن آمن بالأول كفر بالثاني. وإذا ذكروا الدين ذكروا تلك الدماء الزكية التي أريقت في سبيل العلم والتحقيق، وتلك النفوس البريئة التي ذهبت ضحية لقسوة القساوسة ووساوسهم، وتمثل لأعينهم وجوه كالحة عابسة وجباه مقطبة، وعيون ترمي بالشرر، وصدور ضيقة حرجة، وعقول سخيفة بليدة ؛ فاشمأزت قلوبهم ؛ وآلوا على أنفسهم كراهة هؤلاء، وكل ما يمثلونه، وتواصوا به، وجعلوه كلمة باقية في أعقابهم ! … ولم يكن عند هؤلاء الثائرين من الصبر والمثابرة على الدراسة والتفكير، ومن الوداعة والهدوء، ما يميزون به بين الدين، ورجاله المحتكرين لزعامته، ويفرقون به بين ما يرجع إلى الدين من عهدة ومسئولية. وما يرجع إلى رجال الكنيسة من جمود واستبداد وسوء تمثيل، فلا ينبذوا الدين نبذ النواة .. ولكن الحفيظة وشنآن رجال الدين، والاستعجال .. لم يسمح بالنظر في أمر الدين والتريث في شأنه..كغالب الثوار، في أكثر العصور والأمصار!!!”
    أتمنى ألا يقع بعض المشايخ والمفسرين بهذه المآزق ويقللوا من قيمة القرآن من حيث لم يدروا..
    وعذرا على الإطالة..

  5. سيد رامي :

    دعنا ندخل في صلب النقاش دون الخوض معك في ماهية سلامي .

    يبدو أنه عندك التباس في موضوع القرآن الكريم ، فهو ليس كتاب إنزل من السماء فوصل إلى يد الرسول صلى الله عليه و سلم و إنما هو وحي إلهي تلقاه الرسول ، و لم يتلقاه أشخاص عاديون ليكتبوه حسب مفهومهم العلمي الضيق و المحدود ، هذه نقطة اساسية في غاية الاهمية عليك إدراكها.

    بالنسبة لي فشهادتي الجامعية مهندس كهرباء تخصص اتصالات و إمكانياتي البسيطة جدا و معلوماتي الضئيلة في تعريف العلم تجعلني اعيد و أكرر نفس ما سبق ذكره ، في العلم يوجد حقيقة مطلقة و يوجد نظريات و ذكرك على فلطحة الأرض إن صح التعبير يعني أنك تؤمن بأن فلطحتها حقيقة لا يمكن تغييرها فكيف توصلت إلى هذه الحقيقة المطلقة؟

    يعني هناك نظريات و هناك حقائق و لم تجيبني على حقيقة أن الهواء يحوي على اكسجين مثلا فهل هذه نظرية قابلة للتغير أم أنها حقيقة مطلقة ؟

    ما دمت تعترف بوجود حقائق مطلقة غير قابلة للتغير هذا يعني أن العلم ينقسم إلى نظريات و فرائض، و إلى حقيقة مطلقة ، و إلى غيبيات لم يتم إكتشافها و تفسيرها و هذا ما عنيته في ردي السابق.

    و السؤال الذي اود طرحه عليك و ساجيبك عليه ، كيف يتم إثبات نظرية ما؟

    توضع النظرية و يسعى العالم إلى إثبات صحتها فإن أثبت صحتها فقد تتكشف مستقبلا أمور و نظريات تلغي هذه النظرية فحينها نطلق على ما تم الوضول إليه نظرية لا يمكن بأي شكل من الأشكال وصفها بالحقيقة العلمية.

    أما الحقيقة العلمية، فهي حقيقة تحدث لا يمكن إنكارها أو أكتشاف معين ثم توضع النظريات لتفسيرها ، يعني عكس عملية إثبات النظرية تماماً.

    أتمنى أن تكون الفكرة وصلت أيضاً.

  6. أخي عقبة :

    أتفق معك في جزئية كبيرة مما ذكرت و الحمد لله أني مطلع جيد على هذه القضية و كنت في مصر في فترة سطوع نجم الدكتور زغلول النجّار و كنت هناك أيضا عندما تمت محاربته بضراوة من قبل بعض علماء و شيوخ الأزهر إيمانا منهم بان تفسير القرآن الكريم يجب أن يكون تفسير لغوي ديني لا رابط علمي فيه و هذه رؤية ضيقة جداً.

    فكلام الله ليس كلام إلاهي إرشادي فقط و إنما كلام إعجازي ، و الإعجاز الموجود فيه ليس إعجاز لغوي فقط و إنما إعجاز علمي ، و انا من أشد المؤيدين من إستفادة العلماء من القرآن الكريم في التوصل إلى إكتشافات علمية و هذا ما حدث في توصل أحد العلماء المصرين إلى علاج بعض حالات العمي من قصة سيدنا يوسف عليه السلام.

    لاشك فيه ربط بعض آيات القرآن الكريم بحقائق علمية إعجازية قد ساهم كثيراً في انتشار الدين و قديما كون التوصل للحقائق العلمية أمر بغاية التعقيد تم استبدال هذه القضية بمعجزات الرسل و التي كانت سبب هداية كثيرين .

    اما حقيقة تبدل تلك الحقائق فهل هذا يعني خطأ في آيات القرآن الكريم فهذا أمر مستبعد طالما هؤلاء العلماء يعتمدون على حقائق علمية ، و إن حدث و هذا أمر وارد لا يمكنني إلغاؤه فيحق لهم ما يحق للمجتهم في تفسير آيات القرآن الكريم و استخراج الفتاوي منه ، قد يصيب في تفسيره و قد يخيب لكن هذا لا يغير من حقيقة قدسية القرآن الكريم.

    اليوم هناك انقسام حول تفسير القرآن الكريم علمياً ، و غدا سيصبح تفسيره علميا أمر واجب و سيظهر لنا من يفسره رقمياً ، فالعقل دائما لا يتقبل ما هو جديد خصوصا إن كان بهكذا إعجاز.

    لو أردتم مناقشتي حول إمكانية اختلاف الحقائق العلمية التي تفسير بعض آيات القرآن الكريم فاذكروا لي تلك الحقائق لأناقشكم حلو غمكانية اختلافها خصوصا أن غالبية تلك الحقائق هي حقائق علمية مستكشفة و ليست نظريات و فرائض و من ثم تم إثباتها.

    تحياتي

  7. شكراً سيد عقبة على مشاركتك وأنا مسرور أنك أوضحت أن النقاش حول الإعجاز العلمي ليس بأي شكل موضع نقاش وحوار بين الأديان بل نجد من يؤيده ومن يرفضه في كل دين

    بالنسبة لربط بعض النصوص الدينية بحقائق علمية من قبل رجال الدين المسيحي أحب أن أوضح أن هذه الظاهرة وجدت وتوجد في عصور وأماكن مختلفة ( مثلاً أوروبا في العصور الوسطى وفي الولايات المتحدة في بعض الاتجاهات المتطرفة من البروتستانتية ) ولكنها لا تشكل القاعدة العامة، مثلاً في كل الكتب الدينية المسيحية التي تعود للتراث الشرقي التي أعرفها ( وبعضها يعود للقرون المسيحية الأولى ) لم أجد إلا شروحات روحية وأخلاقية وليس شروحات تاريخية وجغرافية.

    سيد محمد أنا لا أقول أبداً بأن هناك حقيقة علمية مطلقة أبداً، بالنهاية أكرر وأرجو أن تنتبه جيداً لهذه النقطة، العلم لا يعتمد فقط على الطبيعة بل هو “محاولة شرح وتصنيف ظواهر الطبيعة بلغة مفهومة بشرياً مما يسمح بوجود تطبيقات عملية مفيدة”. إذاً هو بلغة بشرية وهذا يعني خضوعه للغة الإنسان وثقافته وطريقته في مقاربة الأمور وللإنسان وثقافته دور كبير في صياغة نصوص النظريات أو وصف الظواهر، مثلاً في الطب الصيني هناك مبدأ طبي عمره ألفي سنة يعتمد على نقاط وخطوط الطاقة في الجسم البشري وتبنى على أساسه علاجات كثيرة ناجحة بالرغم من أنه في منهج الطب الغربي لا وجود لهذه النقاط والخطوط وليس لها أي أساس فيزيولوجي ( الطب الغربي يعتمد على التشريح الفيزيولوجي ) فهذه الخطوط تعتبر ( حقيقة علمية ) بمفهوم الطب الصيني بينما لا وجود لها في مفهوم الطب الغربي!

    هل الأرض كرة ( ولو بشكل تقريبي )؟ نحن نقول أنها كرة لأننا متفقين ما هي الكرة، إفرض أن شخصاً لا يعرف ما هي الكرة وهذا أمر ليس بمستغرب كثيراً عند بعض الشعوب المنعزلة فإن قدر لهذا الشخص أن يسافر إلى الفضاء ويشاهد الأرض من بعيد فمن غير الممكن أن يقول عنها أنها كرة بل قد يقول “حجر كبير مبلل بالماء”. إذاً الأرض كروية “حسب وصفنا” وهي حجر كبير مبلل بالماء حسب وصف غيرنا فما هي الحقيقة المطلقة؟

    الله خلق الكون بالتأكيد ولكنه لم يضع القوانين والنظريات العلمية، الإنسان هو الذي وضعها في مقاربته للكون ومحاولة فهم الكون بطريقته، وقد تختلف طريقته في الوصف بين عصر وآخر ومكان وآخر.

    كذلك أعتقد أنني فهمت ما تريد قوله بالمقارنة بين الحقيقة والنظرية، إن ماتسميه حقيقة أسميه أنا ظاهرة والفرق بين الظاهرة والنظرية هو فقط أن النظرية أعم وأشمل من الظاهرة، مثلاً “الماء يغلي عند ارتفاع درجة حرارته” هذه ظاهرة، تفسرها النظرية التي تقول أن السوائل تتبخر بارتفاع درجة حرارتها، بالمقابل الظاهرة نفسها “الماء يغلي عند ارتفاع درجة حرارته” هي نظرية بالنسبة للظاهرة “الماء يغلي عندما أضعه في طنجرة فوق موقد الغاز”. إذاً جوهرياً لا يوجد فرق بين النظرية والظاهرة سوى بالشمولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *