القالب الأدبي للكتاب المقدس

في الأدب البشري يستعمل الكتّاب عدداً كبيراً من الأنماط المختلفة التي ندعوها قوالب أدبية التي تختلف باختلاف العصر أو الغاية أو الفئة التي تتم مخاطبتها، تشمل هذه القوالب كما هو معروف الشعر، القصة، الرواية، الأمثال، القصة الرمزية، التحقيق الصحفي، الرسالة، التاريخ، السيرة الذاتية …الخ وقوالب كثيرة أخرى يصعب حصرها.

فما هو قالب الكتاب المقدس؟ أعتقد أنه بتأمل بسيط لشخص لديه ألفة مع نصوص الكتاب المقدس يمكن استنتاج الإجابة؛ الكتاب المقدس ليس له قالب أدبي واحد بل يشمل مجموعة كبيرة جداً من القوالب الأدبية تحوي معظم إن لم يكن كل القوالب الأدبية المعروفة، إذ فيه القصة بأنواعها والشعر بأنواعه والرسالة بأشكالها المختلفة والرواية كذلك بأشكال مختلفة …الخ

حمل التدوينة على شكل ملف PDF

بالعودة إلى التدوينة السابقة والتي أردت منها أن تكون بداية لسلسلة متمحورة حول موضوع واحد، يمكن أن نقول بنفس السياق أن الله يكلمنا بلغتنا، وإذا كانت الطبيعة البشرية هي اللغة التي خاطبنا بها الله في يسوع المسيح فإن الأدب البشري جزء من الثقافة البشرية، التي هي بدورها تتعلق بطبيعة الإنسان ذلك أنه من طبيعة الإنسان أن له ثقافة تختلف باختلاف العصر والمكان، لذلك يشكل الكتاب المقدس بهذا السياق خطاب الله لنا بلغة الأدب البشري. الكتاب المقدس هو تجسد الله في الأدب البشري.

رغم أن ما أقوله هنا لا يفترض به أن يكون شيئاً جديداً إلا أنني مع ذلك نادراً ما قرأت دراسات وتفسيرات كتابية تعمقت في معرفة القالب الأدبي للنص، ولا توجد على حد علمي دراسة حاولت تصنيف نصوص الكتاب المقدس وفق قالبها الأدبية بدقة، لذلك سأضع هنا محاولة بسيطة وخجولة لتحديد القوالب الأدبية لبعض نصوص الكتاب المقدس مقراً في الوقت نفسه بضعف خلفيتي في العلوم الأدبية.

المزامير: هذا سهل جداً فالقالب الأدبي للمزامير هو الشعر وتشمل المزامير أنواع كثيرة من الشعر، وإن كان الشعر يعتمد أساساً على المشاعر نجد في المزامير مختلف أنواع المشاعر إنما موجهة ضمن علاقة الإنسان بربه، لذلك نجد مشاعر الفرح والحزن، مشاعر النصر والأمان والاكتفاء والثقة، ومشاعر الألم والغضب والمعاناة ..الخ. نجد الشعر كذلك في مقاطع مختلفة من العهد القديم، فهناك التسبحات المشهورة مثل تسبحة موسى للرب بعد إنقاذ الرب للشعب اليهودي من أيدي فرعون، نشيد الإنشاد كذلك هو شعر وقالبه الغزل الصريح. في العهد الجديدة بجد مقاطع شعرية مختلفة خصوصاً في رسائل يوحنا الإنجيلي الذي تأخذ طابعاً فلسفياً وكذلك في رسائل بولس الرسول.

الرؤيا: في الكتاب المقدس نصوص كثيرة تسمى رؤى، وهي في الحقيقة تعبر عن مشاهدة الرائي لمجموعة من الأشكال والرموز في السماء يظهرها له الرب وتدل على أحداث سوف تحدث في المستقبل. قد يعتقد المرء أن أدب الرؤيا غريب عن الأدب البشري غير الديني لأنه يعتمد على كشف إلهي، ولكني لا أعتقد ذلك بالمرة فالقالب الأدبي الذي تصاغ به الرؤيا هو نفسه القالب الأدبي للعرافة، التي تعتمد على مشاهدة الكواكب وتجمعات النجوم في السماء وتفسيرها بأنها نبوءات مستقبلية. يتشابه الأدب الرؤيوي مع أدب العرافة كذلك في الأسلوب الأدبي، فبعض النصوص تفسر بشكل واضح ضمن النص ( كما في بعض رؤى دانيال النبي ) وبعضها يفسر تفسيراً غامضاً وبعضها لا يفسر على الإطلاق ضمن النص ( مثل رؤيا يوحنا ). نعم العرافة أمر منكر في المسيحية وطالما ربطت العرافة بالعبادات الوثنية وحتى بالشيطان، لكن ومع ذلك لا شيء يمنع من استعارة القالب الأدبي من العرافة الذي هو قالب أدبي بشري فالرب يكلم الإنسان بلغة الإنسان والأسلوب الذي يفهمه الإنسان.

البشارات الإنجيلية الأربع: أي ما يسمى أيضاً الأناجيل الأربعة، متى، مرقس، لوقا، يوحنا. طبعاً يختلف القالب الأدبي لكل منها بشكل واضح عن الآخر وسأقوم بمحاولة لتوضيح القالب الأدبي لكل منها.

بشارة متى: القالب الأدبي هو السيرة الذاتية، إذ يكتب متى سيرة الرب يسوع المسيح على الأرض، ولذلك يبدأ ( كما في السير الذاتية ) بسرد شجرة العائلة البشرية للرب، ويربطه بيوسف النجار وهو الشخص الذي اهتم برعاية يسوع، أي يمثل أب يسوع البشري بالتبني، وتأتي الأحداث مرتبة ترتيباً تاريخياً محكماً صارماً وينتهي بالقول بأن هذه السيرة لما تنته بعد “وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم“.

بشارة مرقس: مجموعة قصص عن حياة يسوع على الأرض، لذلك لا تجمع بين نصوصه إلا ترابطات هشة بين بعضها والتسلسل التاريخي عام وليس محكماً.

بشارة لوقا: التحقيق الصحفي! وهذا يظهر بوضوح منذ البداية “لما أن أخذ كثير من الناس يدونون رواية الأمور التي تمت عندنا، … رأيت أنا أيضاً  وقد تقصيتها جميعاً من أصولها أن أكتبها لك مرتبةً يا ثاوفيلوس المكرم“. لذلك يهتم لوقا بالدقة وبالتفاصيل ويتميز بالأسلوب العلمي.

بشارة يوحنا: لم يهتم يوحنا لا بتدوين سيرة يسوع ولا بتجميع قصص وأخبار عنه ولا بالتحقيق الدقيق حول تفاصيل حياته على الأرض، أراد يوحنا أن يعرّف القارئ بمن هو يسوع المسيح بالحقيقة من خلال بعض أفعاله وأقواله، يمكن القول أنها بأسلوبها الأدبي محاضرة عن يسوع المسيح. في كل قصة أو موعظة موجودة في النص نجد شيئاً جديداً عن يسوع المسيح ونجد في أقوال يسوع نفسه الكثير من التعريفات التي قالها عن نفسه، فهو “الراعي الصالح” و”الخبز الحي النازل من السماء” و”هو” و”الطريق والحق والحياة” ..الخ وتبدأ هذه المحاضرة ( كما تبدأ معظم المحاضرات ) بتلخيص للفكرة التي يريد المحاضر إيصالها من المحاضرة.

أعتقد أن ملاحظة الفرق بين القوالب الأدبية لنصوص البشارات يكفي لتوضيح وتفسير الفروقات التي نجدها بينها.

أعمال الرسل: الذي كتبه لوقا أيضاً، إنه من أروع الأعمال الأدبية في الكتاب المقدس من ناحية جمال الأسلوب الأدبي. أعمال الرسل مجموعة من الأحداث المتلاحقة والمترابطة التي يستنتج منها القارئ أفكاراً وخلاصات عامة، إنها رواية بكل معنى الكلمة. تنقسم أعمال الرسل إلى ثلاثة أقسام، الموضوع الأساسي في القسم الأول هو أعمال بطرس الرسول وينتهي بإقامة بطرس لطابيثة من الموت وتبشيره كورنيليوس الروماني، القسم الثاني يتحدث بشكل أساس عن أعمال بولس وينتهي بإقامة أفطيخس من الموت والتحضر للسفر إلى روما، القسم الثالث هو رحلة بولس إلى روما التي نجد فيها إصرار بولس اللامنطقي ( ظاهرياً ) على أن يحاكم لدى قيصر في روما، وفي نهايتها السفر بحراً إلى روما بأسلوب أدبي شبيه بالـ “أكشن” بأحداثه المثيرة والمتلاحقة، وأعتقد أن لوقا قد استفاد في هذا الجزء بالذات من الأسلوب الأدبي لملحمة الأوديسا الشهيرة لهوميروس التي تروي عودة القائد أوديسوس إلى بلده بعد حرب طروادة والأهوال التي شاهدها في طريق سفره البحري.

أما من الناحية الأفكار فهي تروي لنا فعل الروح القدس في الرسل وعملهم البشاري العظيم، بطرس يقيم الموتى فقد أصبح في عظمة أعماله مماثلاً للمسيح، وكذلك بولس يقيم الموتى.

في بداية أعمال الرسل نجد خطاب ملاكين للرسل عند الصعود “أيها الجليليون! ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟” وفي نهاية أقسامها نجد أن تعليم الرسل وصل إلى روما، وأن بولس “مكث سنتين كاملتين في منزل خاص استأجره يستقبل جميع الذين كانوا يأتونه يعلن ملكوت الله ويعلم بكل جرأة ما يختص بالرب يسوع المسيح لا يمنعه أحد. ” بالرغم من أن لوقا كان يعرف ما حدث لبولس بعد السنتين ( وإلا لما حدد فترة السنتين ) إلا أنه لم يذكر ذلك، فقد انتهت الرواية إذ قد وصلت الفكرة منها؛ إن المسيح عندما صعد إلى السماء ترك بشارته في يد مجموعة من الصيادين الجليليين، ليسوا من عظماء الأرض ولا من مشاهيرها، إلا أن هذه الرسالة قد انتشرت حتى وصلت بتأييد الروح القدس إلى عاصمة الإمبراطورية الرومانية دلالة رمزية على وصولها وتثبتها في كل العالم.

الرسائل: في الكتاب المقدس نصوص كثيرة يطلق عليها اسم الرسالة، وذلك لأنها في واقع الأمر قد أرسلت من قبل الكاتب إلى شخص أو مجموعة من الأشخاص. إن كون الرسالة رسالة لا يخبرنا الشيء الكثير عن القالب الأدبي إذ تتنوع الرسائل الموجودة في الكتاب المقدس ( حتى منها تلك المكتوبة من قبل نفس الشخص ) كثيراً في قالبها الأدبي وسنتعرض أدناه لمجموعة صغيرة من هذه الرسائل.

رسالة بولس الرسول إلى فيلمون: هرب انسيموس وهو عبد لفيلمون من بيت سيده، على الأغلب على إثر فعل سيء قام به، لقي بولس واهتدى إلى المسيحية وأصبح معاوناً له. إلا أن هذا الأمر يعد مخالفاً للأصول القانونية لذلك آثر بولس أن يعيد أونسيموس لسيده السابق مع طلب ضمني بإعتاقه مذكراً فليمون بلياقة بأنه يدين لبولس حتى بنفسه باعتبار أن بولس هو من هداه إلى المسيحية. إنها رسالة عمل وهو نوع أدبي مستقل، يتميز بقصر الرسالة ( أقصر رسائل بولس ) وبالتركيز المباشر على الموضوع المطروح بدون أي إنشاء أدبي.

الرسالة إلى العبرانيين: إنها بحث لاهوتي بجدارة، وإذا شئنا أن نتجرد عن المحتوى الديني وندرس فقط القالب الأدبي فهي بحث عملي؛ فالكاتب يسأل، يحلل، يقارن، يستنتج، يستخلص نظريات ويدعمها بالأمثلة، ويظهر كذلك فائدتها وتطبيقها العملي. يمكن مقارنتها من ناحية القالب الأدبي بالتدوينات التي تجدها في هذه المدونة!

رسالة يعقوب: في هذه الرسالة نصائح أبوية بأسلوب مبسط وتتعرض لأمور شخصية ومعيشية بسيطة، إنها رسالة وعظية تصلح لأن تلقى بحرفيتها أمام الناس في الاجتماعات، إنها موعظة، حتى أنه يمكن بسهولة ملاحظة التشابه بينها وبين الموعظة التي ألقاها المسيح على الجبل.

رسالة يوحنا الرسول الأولى: أسلوب هذه الرسالة مميز عن كل الرسائل الأخرى، يحاول فيها يوحنا وضع حدود فلسفية ووضع تعريفات لها، إنها دراسة فلسفية، من هذه الحدود “الله” الذي هو “نور” وهو “محبة”، أيضاً “معرفة الله”، “المسيح الدجال” من ناحية فلسفية، “البنوة لله”، “الخطيئة”، “البر”، “روح الله”، “المحبة” …الخ. أذكر أني قرأت مرة في كتاب “مختارات من هيغل” وكان الأسلوب الأدبي مشابهاً جداً لرسالة يوحنا الأولى.

إن معرفة أمر ما شيء، وأن تدوين هذا الأمر والتركيز عليه وتحليله أمر آخر. جميعنا يعرف أن الكتاب المقدس فيه قوالب أدبية مختلفة ولكن من المهم أيضاً أن نحدد هذه القوالب الأدبية وندرس النصوص بناء على قالبها الأدبي. تخيلوا مثلاً لو أننا قمنا بتفسير المزامير بدون النظر إلى قالبها الشعري أو حاولنا تفسير الأمثال التي قالها السيد المسيح بدون اعتبار رمزيتها، آنذاك سنحصل على هرطقات فظيعة، فالرب يصير منتقماً ( المزمور  93 )، وقتل الأطفال أمر جيد ( المزمور 136 )، والمسيح قد تزوج خمس نساء ولا مانع أيضاً بالزواج من عشرة ( مثل العذارى العاقلات والجاهلات )، والربا أمر مشروع ( مثل الوزنات ) ..الخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *