مختصر تاريخ الموسيقا الكنسية البيزنطية

(نشرت هذه المقالة في مجلة الحياة الموسيقية العدد 45 سنة 2007 وقد ساهم الأستاذ الياس سمعان بإغناء هذا المقالة عن طريق تأمين مراجع باليونانية وترجمتها)

إن الموسيقا البيزنطية اصطلاحاً هي الموسيقا الكنسية الطقسية التقليدية التي تستخدم من قبل طائفة الروم الأرثوذكس و الروم الكاثوليك، و هي نظام موسيقي عريق بدأ مع بداية المسيحية و تطور باستمرار عبر التاريخ و يستمر إدخال التطويرات و التعديلات عليه حتى اليوم. يستعمل هذا النظام الموسيقي في الكنائس الأرثوذكسية و الكاثوليكية في المشرق العربي و اليونان و بعض مناطق أوروبا الشرقية و قبرص و أفريقيا، و كذلك يستعمل في دول الاغتراب في القارة الأمريكية و الأسترالية في الكنائس التي تتبع للكرسي الإنطاكي أو للكنيسة اليونانية.

يدعى هذا النظام الموسيقي “البيزنطي” الذي قد يبدو لأول وهلة أنه يشير إلى الحضارة البيزنطية ( حضارة الروم الشرقية ) و قد أخذت اسمها من اسم المدينة “بيزنطة” و هي المدينة التي شيدت مكانها مدينة القسطنطينية. لكن الواقع أن هذا الاصطلاح لا يشير بأي شكل من الأشكال إلى موسيقا إمبراطورية روما الشرقية بل يشير اصطلاحاً إلى الموسيقا الكنسية المستعملة في الكنائس الشرقية، هذا بالإضافة إلى أنه كان لغير اليونان من أبناء دول الشرق و أبناء سورية على الخصوص دور هام جداً في وضع أسس و تطوير هذا النظام الموسيقي.

الأساس الذي نشأت عليه الموسيقا البيزنطية :

الموسيقا قديمة جداً في الحضارة البشرية و قد وجد ناي مصنوع من العظم يعود إلى ما قبل نحو 32000 سنة، أي في وقت ظهور أقدم عمل فني ( تمثال ) معروف، و منذ بداية ظهور ما يسمى بالإنسان العاقل المبكر. إنما لظهور نظام موسيقي متطور و بحث موسيقي و تدوين موسيقي كان لا بد من انتظار اختراع الكتابة.

نعلم اليوم أن أول ظهور لبحث علمي حول الموسيقا كان في الحضارة الأكادية في بلاد ما بين النهرين و ذلك حوالي القرن التاسع عشر قبل الميلاد، حيث عثر على رُقُم توضح السلالم و تصنيف الألحان الموسيقية، و من هناك انتقل هذا النظام إلى مختلف أرجاء العالم، و عن طريق حضارة شرق المتوسط التي أعطتنا أقدم تدوين موسيقي و أقدم قطعة موسيقية معروفة في العالم ( في أوغاريت ) انتقل علم الموسيقا إلى الإغريق عبر العالم الشهير فيثاغورَس و من حضارة الإغريق انتقل إلى أوروبة.

و قد تعلم اليهود العبرانيين أيضاً هذا النظام الموسيقي و أنشدوا به المزامير.

الموسيقا الكنسية منذ بدايات المسيحية حتى القرن الرابع :

في بدايات المسيحية استعمل المسيحيون نفس الموسيقا الموجودة عند اليهود، إذ كان المسيحيون يرتلون في طقوسهم المزامير بنفس الألحان القديمة المستعملة عند اليهود بأسلوب يدعى “التنغيم البسيط”. كما أخذ المسيحيون بدورهم بتأليف تراتيل جديدة سميت ( المزامير الخاصة ) وصلنا منها ترتيلة “يا نوراً بهياً” التي تقال في صلاة الغروب حتى اليوم و الذي تعد أقدم ترتيلة مسيحية وصلت إلينا، و كذلك المجدلة “المجد لك يا مظهر النور”.

كان المرنمون ينشدون المزامير و يرد عليهم الشعب بلازمة مثل “فإن إلى الأبد رحمته. هلوليا” أو ” المجد لك يا إلهنا المجد لك” …الخ أما في جماعات الرهبان الناشئة ( الثيرابيين ) فكان كل يرتل بدوره و يرد عليه الجميع.

التدوين الموسيقي كان بنفس أسلوب اليهود باستعمال الحروف الأبجدية، كذلك استخدم المسيحيون الاساليب اليونانية في التدوين التي تعتمد أيضاً على الحروف الأبجدية.

من القرن الرابع حتى القرن الرابع عشر :

في القرن الرابع ظهرت بعض الخلافات العقائدية بين المسيحيين حول طبيعة السيد المسيح و قد عمد القديس افرام السرياني الذي كان شاعراً بارعاً إلى مجابهة الهرطقات بتأليف التراتيل و تلحينها و تعليمها و من أجل هذه الغاية ظهرت الحاجة إلى وضع نظام للموسيقا الكنسية، فاستشار علماء الموسيقا في عصره و عمد إلى الأخذ عن الموسيقا الفارسية المبنية على اثني عشر لحناً ( اثني عشر مقاماً ) و هي مأخوذة بدورها عن موسيقا بلاد بين النهرين.

يمكن أن نعد القرن الرابع ( تاريخ إعطاء حرية العبادة للمسيحيين ) تاريخ ميلاد الموسيقا الكنسية الحقيقي إذ في ذلك القرن قام مجمع اللاذقية ( غير اللاذقية السورية ) الذي وضع قوانين هامة تخص تنظيم الترتيل الكنسي، كما نشأت الجوقات و نظام الترتيل على أساس جوقتين ترتلان بالتناوب، و ظهر شكل محدود من تعدد الأصوات بالموسيقا يقوم على غناء الأولاد و الرجال معاً ( باعتبار أن طبقة صوت الأطفال غير طبقة الرجال ). و في هذه الحقبة ظهرت الطروبارية و هي شكل من أشكال التراتيل الكنسية المقتضبة التي تعبر عن العيد الكنسي الذي تقال في مناسبة تذكاره.

في القرن السادس أول من وضع نظاماً موسيقياً مبنياً على ثمانية ألحان هو سويرس السرياني أسقف إنطاكية و تم توزيع الألحان إلى أربع ألحان أصلية و و أربع ألحان مشتقة. اللحن يعني تصنيفاً موسيقياً يُعتمد في تحديده على السلم الموسيقي و المجال اللحني و درجة القرار النهائي، و هكذا تكون جميع التراتيل التي يتبع لحنها مجالاً لحنياً معيناً أو قراراً معيناً ضمن نفس اللحن أي ضمن نفس التصنيف اللحني.

السلم الموسيقي المستخدم في هذه الفترة كان نفسه سلم بلاد الرافدين القديم ( الفيثاغوري ) الشبيه إلى حدٍ ما بالسلم الغربي الحديث، و كان التصنيف اللحني في هذه الفترة يستند على ما يبدو إلى قرار اللحن و هنالك أكثر من مدرسة في تحديد طريقة تصنيف الألحان القديمة حسب القرار، و الجدير بالذكر أن التصنيف اللحني القديم في بلاد الرافدين و الشرق الأدنى كان يستند إلى المجال اللحني فحسب و لم يكن يعطى قرار اللحن أي أهمية.

اللحن

القرار الختامي

اللحن

القرار الختامي

الأول

ره

شقيق الأول

صول

الثاني

مي

شقيق الثاني

لا

الثالث

فا

شقيق الثالث

سي

الرابع

صول

شقيق الرابع

دو

تصنيف الألحان القديمة حسب ما ترتئيه مدرسة كوبنهاغن موضحاً بأسماء درجات السلم الغربي

اللحن

القرار الختامي

اللحن

القرار الختامي

الأول

لا

شقيق الأول

ره

الثاني

سي

شقيق الثاني

مي

الثالث

دو

شقيق الثالث

فا

الرابع

ره

شقيق الرابع

دو

تصنيف الألحان القديمة حسب ما ترتئيه مدرسة غروتافيراتا موضحاً بأسماء درجات السلم الغربي

هذا التصنيف الثماني الألحان كان أساس الموسيقا الكنسية السريانية و البيزنطية و كذلك أساس الموسيقا الغربية أيضاً، إذ أن البابا غريغوريوس الذي وضع نظام ترنيم الكنيسة اللاتينية المعروف بالترنيم الأمبروسي أو الغريغوري أخذ هذا النظام عن الشرق مستعملاً أسس الموسيقا الكنسية الشرقية المبنية على ألحان ثمانية، و قد عرف البابا غريغوريوس هذا النظام بحكم أنه كان موظفاً في البلاط القسطنطيني قبل أن يصبح أسقفاً.

و في هذا القرن ظهرت قصائد القديس الراهب رومانوس الحمصي البديعة التي وصلنا منها أجزاء ترتل في صلاة السحر و منها أيضاً قصيدة مديح العذراء المعروفة التي ترتل حتى الآن في كل يوم جمعة من الصوم الكبير.

في القرن الثامن ثبت القديس يوحنا الدمشقي التقسيم إلى ثمانية ألحان في الموسيقا الكنسية بتأليفه كتاب الأكتويخس ( أي الألحان الثمانية ) و هو عبارة عن تراتيل مقسمة حسب الألحان لكل لحن تراتيله الخاصة، كما ألف تراتيل كنسية كثيرة و وضع ألحانها بمشاركة مجموعة من الرهبان الدمشقيين هم القديس قزما الدمشقي و القديس اندراوس أسقف كريت الدمشقي الأصل و القديس ثيوفانس الذي صار أسقفاً على إزمير.

في القرن العاشر تم تنصر بلاد الروس فأخذوا بنظام الترتيل المعمول فيه بالشرق و سرعان ما طوروا به و أنشأوا ألحاناً تبعاً لذوقهم الخاص، إلا أنهم في مرحلة لاحقة تبنوا النظام الموسيقي الغربي المبني على تعدد الأصوات ( الهارمونية ).

هذا العصر أعطانا أقدم مخطوطة موجودة حتى الآن تحوي تدويناً موسيقياً بيزنطياً و تعود للقرن العاشر، و تسمى الفترة من 1950 – 1177 مرحلة بداية تشكيل العلامات في التدوين البيزنطي.

يختلف التدوين البيزنطي كثيراً عن أسلوب التدوين الغربي المعروف، إذ بخلاف التدوين الغربي لا تعطي العلامات الموسيقية الدرجة الموسيقية التي تجب تأديتها بل المسافة بين الدرجة الموسيقية و الدرجة التي تم تأديتها قبلها أي هو نظام تدوين نسبي و ليس نظام مطلق، لذلك نجد مثلاً علامات “صعود درجة” أو “نزول درجتين” و لا توضع علامات تدل على الدرجة نفسها إلا بين الجمل الموسيقية من أجل التقليل من إمكانية وقوع أخطاء في قراءة التدوين الموسيقي، كذلك هنالك علامات عديدة تدل على كيفية الأداء الصوتي ( شد الصوت، التمويج، الوصل …الخ ).

مثال على تدوين موسيقي بيزنطي ( القراءة من اليسار إلى اليمين ) و هي طروبارية القيامة باللحن الخامس ( بيات جواب الحسيني ) من ألحان متري المر

القطعة السابقة نفسها بالتدوين الغربي

مع نشوء و تطور الحضارة العربية ظهر علماء كثيرين أسهموا في تطوير الموسيقا و كان لدراساتهم تأثير غير مباشر على الموسيقا الكنسية. منهم الكندي و الفارابي في القرن التاسع و ابن سينا في القرن الحادي عشر، و هؤلاء جميعاً أخذوا عن علماء الموسيقا اليونان و الفرس و أجروا تطويرات محدودة، و في القرن الثالث عشر ظهر العالم العربي صفي الدين الأرموي الذي تعد أعماله انعطافاً هاما في تطور الموسيقا في العالم.

من أهم ما جاء به صفي الدين ترتيب الألحان المستعملة بشكل علمي دقيق و تبيان الطرق العملية لعزفها على العود و هو أول من أعطى الأهمية للسلم الذي يدعى اليوم بالسلم الذياتوني في الموسيقا البيزنطية و اعتبره أساساً و هو السلم الذي أسماه “راست”. الملفت للانتباه أن سلم الراست حسب ما جاء في مخطوطاته مطابق لما هو عليه سلم الراست في الموسيقا التركية و يماثل السلم الذياتوني في الموسيقا البيزنطية اليوم لكنه يختلف عن سلم الراست المستعمل في الموسيقا العربية حالياً حيث كانت درجتا السيكاه و الأوج أعلى بقليل من مثيلتيهما في الموسيقا العربية الحالية.

كذلك وضع صفي الدين سلمه الموسيقي المؤلف من 17 جزءاً غير متساوٍ و نرى أن نظام الكومات المستعمل في الموسيقا البيزنطية في القرن التاسع عشر بني على تقسيم إلى 68 كوما متساوية متأثراً بعمل صفي الدين كما يقول الباحث السوري خليل الله فيردي حيث
68 = 17 × 4 و هذا ما سمح بإدخال اصطلاحات نصف و ثلث و ربع الدرجة في الموسيقا البيزنطية حيث أصبح قياس البعد الطنيني ( بين دو و ره ) 12 كوما و هو رقم يقبل القسمة على 2 و 3 و 4، إلا أن نظام 68 كوما ألغي الآن بسبب عدم دقته الرياضية.

و كان لعمل صفي الدين تأثير كبير في الموسيقا العربية و البيزنطية كما في الموسيقا الغربية أيضاً.

الموسيقى الكنسية من القرن الرابع عشر و حتى سقوط القسطنطينية :

في النصف الأول من القرن الرابع عشر ظهر التأثير الكبير لناظم التراتيل و الملحن يوحنا غليكيس و تلاميذه ( في القسطنطينية ) الذين شكل عملهم النبع و الأساس للنغم البيزنطي و استمر تأثيرهم في القرون اللاحقة و حتى أيامنا الحالية.

عمل يوحنا غليكيس و تلاميذه في التأليف و التدوين الموسيقي و قاموا بحفظ التقليد الشفهي السماعي عن طريق التدوين كما كونوا العديد من الجمل الموسيقية المركبة الفخمة و التي نجدها في قطع متعددة.

من أبرز تلاميذ يوحنا غليكيس القديس يوحنا كوكوزيليس الأكثر شهرة بين المرتلين الكنسيين عبر التاريخ.

تعلم يوحنا باباذوبولس الملقب كوكوزيليس في مدرسة القصر الملكي في القسطنطينية ثم عين معلماً و مدير المنشدين في القصر لسعة معارفه و مقدرته و مرنماً أول في كنيسة البلاط. بسبب ميله للحياة النسكية هرب و التجأ إلى أحد الأديرة في جبل آثوس في اليونان على أنه متسول فقير فوكلوا إليه رعاية قطيع المعز.

سمع أحد النساك يوماً “راعي المعز” و هو ينشد فانذهل من جمال ترتيله فشُهر أمره و استبدل رئيس الدير وظيفته، فعاد يوحنا منذ ذلك الحين إلى عمله الموسيقي و تلحين التراتيل.

قام يوحنا بإلباس التراتيل القديمة ألحان جديدة مزركشة، كما أسس لمدرسة في الإبداع الصوتي في اللحن الكنسي، و أسس لطريقة جديدة في توزيع الكلمات في الألحان المطولة تقوم على تقسيم الكلمة و تكرار أجزاء منها ضمن سياق اللحن و هو المؤسس الرئيسي للجمل الموسيقية الكلاسيكية التي تتكرر في الكثير من الألحان الكنسية. لقب يوحنا كوكوزيليس بـ “أستاذ الأساتذة” و “الموسيقار” و غيرها من الألقاب و طوّب قديساً في الكنيسة.

بالإضافة إلى تلحينه العديد من التراتيل طور العلامات الموسيقية و زاد عليها الكثير و هو الذي أدخل العلامات الموسيقية المقسمة للوقت فأصبح من الممكن تدوين تقسيمات الزمن الصغيرة ( نصف و ثلث و ربع الوحدة الزمنية ) بعد أن كان التقسيم الزمني يعتمد على الحفظ السماعي.

انتشر أسلوب التدوين الحديث شيئاً فشيئاً حتى عمّ بلاد المشرق في القرن الخامس عشر، و كان عمله ضمان لاستمرارية التقليد الموسيقي القديم بعد سقوط القسطنطينية.

من الملحنين المشهورين قبل سقوط القسطنطينية أيضاً مانويل خريسافي ( منتصف القرن الخامس عشر ) و غريغوريوس نبوتي و قد قاما بتدوين أعمال الملحنين السابقين غير المدونة. و تعود أهمية مانويل خريسافي إلى أنه حسّن و أبدع في تلحين العديد من القطع القديمة و أضاف ألحان كثيرة جديدة و متميزة.

الموسيقا الكنسية بعد سقوط القسطنطينية :

بعد سقوط القسطنطينية بحوالي قرن أي في القرن السادس عشر و السابع عشر بدأت الموسيقا الكنسية في العودة إلى التقليد القديم ( قبل السقوط ) في ما عرف بمرحلة المتابعين و المحدّثين للتقليد و ذلك نتيجة لنسخ عدد كبير من المخطوطات القديمة و ظهرت أسماء كبيرة كثيرة في القرن السابع عشر في مجال التلحين الكنسي اعتبروا بموازاة ملحني القرن الرابع عشر أهميةً.

تسمى الفترة 1170 حتى 1670 تقريباً مرحلة إكمال و خلق العلامات في التدوين البيزنطي, و تسمى الفترة اللاحقة 1670 حتى 1814 المرحلة العبورية التفسيرية للتدوين البيزنطي حيث نشأت بعد ذلك مرحلة المنهج التفصيلي الحديث المستمر حتى اليوم.

في القرن الثامن عشر و التاسع عشر من أهم الأسماء بطرس البيريكيتي و بنايوتيس خلاجغلو و يعد الأخير أول من لحن على مقام الكرد الذي أخذه عن الموسيقا العربية.

نذكر كذلك بطرس الموري و هو ملحن تركي و مطرب السلاطين العثمانيين و قد بسط التدوين الموسيقي و قام بإدخال سلم “عجم” على الموسيقا الكنسية.

يقول الأستاذ غريغوريوس ستاثي قائد جوقة معلمي الترتيل في أثينا و مؤسس فرع علم الموسيقا البيزنطبية في جامعة أثينا “الموسيقا اليونانية و كل موسيقات الشعب السلافي الأرثوذكسي حتى حدود 1820 لم تتعرف و لم تتأثر بأي نمط خارج عن الثقافة اليونانية باستثناء الموسيقا العربية و الفارسية مخصصة إياها في الألحان الخارجية” و يقصد بالألحان الخارجية الألحان التي لا تدخل ضمن تصنيف الألحان الثمانية التقليدية. لكن الوضع قد اختلف الآن حيث أصبحت نغمات الحجاز و الهزام و العجم جزءاً لا يتجزأ من بنيان الألحان البيزنطية.

لا يمكن كذلك أن نتجاهل عدد من الملحنين الهامين جداً في تلك الفترة مثل يوحنا لامباذاري و تلاميذه دانيال المرتل الأول و بطرس لامباذاريوس و يعقوب المرتل الأول و بطرس البيزنطي الذي قام بوضح ألحان جديدة لكتاب القياميات و هو كتاب يشمل تراتيل صلوات السبت مساءً و الأحد صباحاً بالألحان الثمانية.

من القرن التاسع عشر حتى اليوم :

ظهرت في القرن التاسع عشر حاجة ملحة لإعادة ترتيب تصنيف الألحان البيزنطية بعد إدخال الكثير من التطورات و العناصر الجديدة إليها القادمة من الموسيقا العربية و إعدادها في قالب واضح يخدم عملية التصنيف الأكاديمي و التعليم و هذا ما دعي بالإصلاح، و كان من أبرز رواد الإصلاح المطران خريسنثوس المديتي ( أواخر القرن الثامن عشر – 1843 ) و غريغوريوس المرنم الأول ( 1777 – 1822 ) و خورموزيوس أمين مخطوطات بطريركية القسطنطينية ( أواخر القرن 18 – 1840 ) الذين وضعوا أسس الموسيقا البيزنطية و أصبحت على الشكل الذي نراها فيه اليوم.

المطران خريسنثوس المديتي يعد المؤسس للمنهج التفصيلي الحديث في التدوين الموسيقي البيزنطي و الذي يعمل به في أيامنا الحالية، و أدخل بشكل رسمي نغمات الحجاز في الألحان البيزنطية و كذلك سلالم النيشامبور و الحصار و المستعار و العجم، حيث كانت تستعمل قبل ذلك في الألحان البيزنطية دون أن يكون لها تصنيف ضمن الألحان.

كذلك قام غريغوريوس المرنم الأول بوضع العديد من الإشارات من أجل التحويل بين السلالم الموسيقية و قام بتلحين أنغام عديدة يرتل يها اليوم و ساهم في نشر طريقة التدوين الحديثة.

أما خرموزيوس أمين مخطوطات بطريركية القسطنطينية فقد قام بوضع كتب هامة في الموسيقا النظرية و العملية و دراسات موسعة للإشارات الموسيقية القديمة و الحديثة.

تدعى طريقة التدوين الحديثة أحياناً بطريقة المعلمين الثلاثة و يقصد بهم المطران خريسنثوس و غريغوريوس و خورموزيوس المذكورين أعلاه.

اللحن البيزنطي

المقام العربي

اللحن البيزنطي

المقام العربي

الأول

البيات – العشاق

الخامس ( شقيق الأول )

نهاوند – بيات جواب الحسيني

الثاني

الهزام – حجاز النوى

السادس ( شقيق الثاني )

الحجاز – شهناز

الثالث

الجهاركاه

السابع ( شقيق الثالث )

العراق – العجم

الرابع

السيكاه

الثامن ( شقيق الرابع )

الراست – راست الجهاركاه

جدول مقارنة بين الألحان البيزنطية حسب الطريقة الحديثة و المقامات العربية

الموسيقا البيزنطية في البلاد العربية في العصر الحديث :

كانت اليونانية لغة العبادة في بطريركية إنطاكية للروم الأرثوذكس ( المشرق العربي ) حتى القرن التاسع عشر، مع وجود بعض المحاولات لترجمة النصوص إلى السريانية أو العربية، و معظم مرتلي الكنائس في المدن الكبرى كانوا يونانيي الأصل. بدأ الترتيل باللغة العربية يظهر بأكثر تواتر بين 1870 و 1880 على يد المرنم الأول في الكرسي الإنطاكي يوسف الدوماني الذي حضر من القسطنطينية لتعليم الموسيقى الكنسية البيزنطية بدعوة من البطريرك جراسيموس ( 1850 – 1885 ) لكن تقليد يوسف الدوماني لم يكتب و إنما توارثه المرتلين شفهياً، و بدأ التدوين مع تلميذه الشهير متري المر ( 1880 – 1969 ).

راجع متري المر الصياغة العربية للتراتيل الكنسية و دون قسماً كبيراً منها وفق الألحان اليونانية كما لحن الكثير من التراتيل بألحانٍ من وضعه، و متري المر هو أيضاً واضع ألحان الكثير من الألحان غير الدينية المعروفة مثل “يا لور حبك”، “تعالي إلي فؤادي يناديك”، “ظبية الأنس إلي”، “اذكري”. و هو أيضاً واضع لحن النشيد الوطني السوري السابق للنشيد الحالي و هو نشيد “نادت الأوطان هيّا” و غيره من الأناشيد الوطنية.

تقلد متري المر منصب المرنم الأول في بطريركية إنطاكية كما تقلد منصب رئيس المعهد الموسيقي ( الكونسرفاتوار ) في لبنان، و كان ذو ثقافة موسيقية غربية و شرقية واسعة جداً، متبحر في التدوين الموسيقي البيزنطي و الغربي و قواعد الهارموني، و نجد في أعماله المزج بين أنواع موسيقية مختلفة حيث نلحظ تأثر ألحانه غير الدينية بالموسيقا الكنسية و تأثر ألحانه الكنسية بالموسيقا العربية؛ إذ استعمل في ألحانه الكنسية المقامات العربية مثل النهاوند الكبير و الزنجران و الحجاز كار. امتازت ألحان متري المر الأصيلة ( غير التي نقلها عن ألحان يونانية ) بالكثير من الإبداع و قوة التعبير و التصوير. من أبرزها ألحان تراتيل : “إن يوسف لما شاهد الشمس”، “افرحي أيتها الملكة”، “أيها المتردي النور كالثوب”، “إن المرأة التي سقطت”، “المجد لك يا مظهر النور” من مقام الحجاز كار و غيرها الكثير. وضع متري المر سبعة كتب موسيقية بالتدوين البيزنطي تعد المرجع الأساسي للترتيل اليوم.

إذا ذهبت إلى إحدى كنائس الروم الأثوذكس أو الروم الكاثوليك في سورية أو لبنان فإنك في الغالب ستسمع ألحاناً من وضع أو تعريب متري المتر، أو ألحاناً متأثرة تأثراً كبيراً بأسلوبه.

من تلاميذ متري المر اللامعين ابنه فؤاد المر الذي تابع نشر العديد من أعمال والده غير المطبوعة بعد وفاته كما قام بوضع العديد من الألحان الجميلة و كذلك اندراوس معيقل مرنم كنيسة المريمية في دمشق و بعدها مرنم كاتدرائية القديس جاورجيوس في بيروت الذي وضع العديد من الألحان التي امتازت بالعظمة و الفخامة.

أيضاً من تلاميذ اندراوس معيقل نذكر إيلي خوري الذي وضع ألحاناً عديدة متميزة و يرتل حالياً في باريس. و من المرتلين اللامعين إيليا الرومي المرتل الأول، و ديمتري كوتيا المرتل الأول في طرابلس حاليا و هو من أكثر المرتلين تمايزاً بطابع شرقي في أداء الموسيقا البيزنطية.

من الباحثين و الملحنين الذين كان لهم أثر كبير الأرشمندريت أنطون هبي الذي وضع دراسات و أبحاث هامة في مجال الموسيقا البيزنطية و كتباً تعليمية كما وضع بعض الألحان.

نجد اليوم أيضاً عدداً من الملحنين المتميزين الذين يبدعون ألحاناً متميزة نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الأب نقولا مالك الأستاذ السابق لمادة الموسيقا البيزنطية في معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي في البلمند، و الأسقف يوحنا يازجي أسقف الحصن.

أخيراً نتمنى أن يحظى هذا الفن العريق و الذي كانت سورية مهده الأصلي بالمزيد من الاهتمام و كذلك التطوير و التحديث المستمر لأنه ليس فناً فولكلورياً جامداً بل هو فن سامي كان و مازال يربط المؤمنين بخالقهم بحمده و تمجيده.

المراجع:

بالعربية

  • مبادئ الموسيقا الكنسية البيزنطية < الارشمندريت أنطون هبي > طبعة 1964
  • متري المر < حفلة تكريمية أقيمت بتاريخ 11 حزيران 1993 > منشورات مطرانية الروم الأرثوذكس باللاذقية
  • فلسفة الموسيقا الشرقية < ميخائيل الله فيردي > الطبعة الثانية
  • تاريخ الموسيقا العربية < هنري جورج فارمر > ترجمة جرجيس فتح الله المحامي إصدار دار مكتبة الحياة بيروت
  • حوار مشرقي < غريغوريوس ستاثيس > ترجمة الشماس رومانوس داوود إصدار مؤسسة “التعاضد” التابعة لكنيسة اليونان

باليونانية

  • النظري و العملي في فن التدوين البيزنطي < مجموعة من المحاضرات ألقيت في المؤتمر اليوناني العام الأول للموسيقا البيزنطية > إصدار المجمع المقدس لكنيسة اليونان و مؤسسة علوم الموسيقا البيزنطية أثينا 2001
  • الأناغراماتيزمي و الماثيماتا في اللحن البيزنطي < غريغوريوس ستاثيس > الإصدار الرابع 1998 إصدار مؤسسة علوم الموسيقا البيزنطية أثينا

11 تعليقات على “مختصر تاريخ الموسيقا الكنسية البيزنطية”

  1. حليم شربك أضاف بتاريخ

    مرحباً، لدي بعض التعليقات على هذا النص، سأقوم بسرد بعضها الآ، والبعض الآخر يحتاج أن أراجع بعض ما قرأت لكي أكتب “بدقة”
    أولاً لماذا أغفلتم التسمية الصحيحة للموسيقى البيزنطية الكنسية: “الموسيقى الرومية الكنسية”؟
    ثانياً فيما يخص من لحنوا على العجم والكرد، هم لم يدخلوا هذه المقامات على الموسيقى الرومية (البيزنطية) إنما لحنوا باستخدام المقامات وهذا مخالف للتقليد ولا زالت هكذا ألحان تحارب من قبل المرتلين “الحقيقيين المحافظين على التقليد” حتى هذا اليوم، حتى أن البعض يرى أن من هفوات ستانيتساس أنه رتل كلام الجوهري الكرد من تلحين خاتزيأثناسيوس. لن تجد مرتلاً تقليدياً واحداً يعترف بدخول هذه المقامات ولا غيرها إلى الموسيقى الكنسية. نعم لقد شاع استعمالها ولكن ذلك فقط وفقط وفقط لضعف المرتلين وإهمالهم لدراسة الترتيل الكنسي بشكل صحيح واعتماد الأغاني كأساس للترتيل.
    ثالثاً لماذا أغفلتم تميز بطرس البيركيتي للترتيل الكالوفوني (الذي لم يذكر في كل المقال) والذي هو بالفعل من أجمل وأصعب وأدق أشكال الترتيل؟
    رابعاً كثير من المرتلين يتفقون أن إصالح العام 1814 هو تعديل وليس إصلاح لأنه رغم إصلاحه لمشكلة سادت في ذلك العصر فقد خلق مشاكل أخرى ليست أسهل حلاً -إذ لايعقل أن تختصر حوالي 40 علامة من أصل قرابة الـ60 ومن ثم لا تعترف بوجود مشكلة ونقطة ضعقف- حيث أن الكثير من التساؤلات التي تطرح اليوم عن أسباب بعض الصيغ الموسيقية ال جواب لها إلا بالعودة إلى التنويط القديم أو ما يقابله وهو التقليد الشفهي الذي يعبر عنه
    خامساً النمط الجديد لم يضعه هؤلاء الثلاثة إنما مرتل آخر إٍسمه غريغوريوس وهو أستاذ خرموزيوس وغريغوريوس، لكنه توفي قبل نشره فكان ن تولى تلاميذه هذا الموضوع
    لحن افرحي أيتها الملكة لمتري المر هو لحن معرب بتصرف
    المرأة الخاطئة هو لحن ليوسف الدوماني أخذه المر بشكل شبه حرفي، الأمر الذي يطرح سؤال كون أي من الألحان الرائعة فعلاً له أو لأستاذه يوسف أو تعريب، خاصة مع كونه تعمد إغفال ذكر الأحان المعربة أو المنقولة ونسبها كلها إلى نفسه
    فؤاد المر هو تلميذ لأبيه لكنه حتماً ليس لامعاً والدليل يتضح في ركاكة الألحان (موسيقياً ومن ناحية تركيب الكلمة على اللحن) التي دونها باسمه في كتب أبيه.
    المرتل إيليا (سيمونيذيس) الرومي كان نداً لمتري المر، وقد شوهد محمد عبد الوهاب في المريمية يدون عنه ألحاناً أو جملاً لحنية (بعض الأحيان) وهو حسب ما يقال المرتل الأفضل في أنطاكيا وله تأثير على كل من يرتل في دمشق حتى اليوم.
    كذلك أغلفت المقالة ذكر كون التنويط وسيلة مساعدة للمرتل وتحدثت عنه كأنه غاية إلى حد ما. التنويط وضع في الأساس لما بدأت التراتيل تزداد عدداً وطولاً ولما توسع انتشار الكنيسة جغرافياً، فصار صعباً نقل اللحن شفاهاً دون مخافة النسيان، لذلك بدأ التنويط بإشارات بسيطة فوق النص الكلامي للتنبيه إلى طريقة سير اللحن، شيئاً فشيئاً مع تخفيف الضغط على الإيمان المسيحي صار لدى المؤمنين أريحية في الاهتمام بالفن الكنسي فبدأ الاهتمام بإيجاد ألحان أجمل وأفضل للصلاة تتناسب مع اللاهوت الكنسي حيث أن كل نمط تلحيني (باباذي واستيشيراري وغيره) يرتبط أسلوب تلحينه بمكانه من الليتورجيا واللاهوت المسيحي وليس مجرد تعبير موسيقي عن نص كلامي. لذلك يتطلب الموضوع دراسة أعمق وفهماً أوسع من مجرد ربط أحداث تاريخية بتمازج موسيقات شعوب معينة.

    أخيراً: نرجو مراجعة مقالات قدس الأب يوحنا اللاطي والتي تعد مرجعاً حقيقياً باللغة العربية في الترتيل الكنسي. معظمها منشور في مجلة “النشرة” البطريركية، وله مقال عن مرتلين أنطاكيين.

    وشكراً لكم على مقالكم ونتأمل المزيد من الدراسات في الموسيقى الرومية الكنسية وخاصة في المجال التاريخي.

  2. حليم شربك أضاف بتاريخ

    تصحيح: لحن المرأة الخاطئة هو إما ليوسف الدوماني أو لمصدر آخر أقدم أخذه عنه المر ولكنه حتماً ليس له
    في تعليقي السابق ذكرت أن اللحن هو ليوسف دون ذكر احتمال كونه لمصدر أقدم

    عذراً على الخطأ غير المقصود شكراً لصبركم

  3. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    شكراً حليم على مشاركتك

    بالنسبة للنقاط التي أثرتها في تعلقيك لدي بعض الملاحظات

    أولاً : ماذا تقصد بــ “التسمية الصحيحة” للموسيقى الكنسية البيزنطية؟ إن استخدام تعبير “بيزنطية” كما ذكرت في المقالة هو “اصطلاح” والسبب الذي يدعونا لاعتماد مصطلح ما هو مدى انتشاره، قم ببحث على الإنترنت عن الموسيقى الكنسية الرومية وعن الموسيقى الكنسية البيزنطية ( بالعربية أو الانكليزية ) وعندها عدد النتائج سيعطيك الجواب، لو سميتها الموسيقى الرومية فسأقطع الطريق على كل من يريد أن يتوسع في هذا المجال بعد قراءة المقالة. في مجال الكهرباء وقبل اكتشاف الإلكترونات اعتبر التيار أنه يتحرك من القطب الموجب إلى السالب لكن بعد اكتشاف الإلكترونات تبين أنها تتحرك من القطب السالب إلى الموجب ومع ذلك أبقى علماء الفيزياء على اصطلاح أن التيار يتحرك من القطب الموجب إلى السالب مع أنه غير صحيح فيزيائياً بسبب انتشاره، المهم في الاصطلاح هو الاتفاق مع أنه للأسف ليس من عاداتنا العربية.

    ثانياً : ماذا تقصد بالقول “مرتلين حقيقيين” وما هو المقياس لنميز مرتل حقيقي عن غير حقيقي؟ هذه التسمية خلافية. أما القول “المرتلين المحافظين على التقليد” فأنا أسأل هنا أي تقليد؟ تقليد الموسيقى أيام المسيح أم أيام يوحنا الدمشقي أم بعد سقوط القسطنطينية أو بعد الإصلاح؟ الموسيقى الكنسية وحسب ما يثبت تاريخها ( وكما أحببت أن أوضح من خلال هذه المقالة ) كانت تتطور باستمرار عبر التاريخ وليس هناك ما يحدها ضمن تقليد تاريخ معين. أنا شخصياً من المنادين بتطوير الموسيقى الكنسية البيزنطية وخصوصاً من ناحية السلم الموسيقي وبالمناسبة أحب أن أسمع رأيك أيضاً حول المقالة حول نظام الكوما في هذه المدونة

    ثالثاً : معك حق لقد أغفلنا الكثير من المرتلين والملحنين اللامعين لكن ليس الهدف من هذه المقالة أن تكون مرجع تاريخي دقيق بل مختصر تعريفي وقد نشرت في مجلة الحياة الموسيقية فحاولنا قدر الإمكان ألا تكون مملة وأبقينا فقط على الأسماء التي يمكن ربطها تاريخيا بتطوير يمكن للقارئ فهمه.

    رابعاً : قد لا يتفق كثيرون مع خطوات الإصلاح وهذه وجهة نظر. شخصياً ( ولست وحدي ) أعتقد أن هذا الإصلاح مهم جداً لأن الموسيقى موضوع متكامل، ترتيل وأداء وإدراة ولاهوت … وتعليم أيضاً ولا يمكن استمرارها إلا إذا كانت في صيغة يمكن تعليمها بسهولة ونقلها للآخرين وهذا هو العمل المهم الذي قام به المصلحون الثلاثة.

    خامساً : معلومة مفيدة لكن لم أقرأ عن أهمية عمل غربغوريوس معلم خورموزيوس في المراجع التي بين يدي، شكراً على الملاحظة حول افرحي أيتها الملكة لم أكن أعرف ذلك.

    بالنسبة للحن إن المرأة فأعلم أن هناك لحن آخر مشابه إنما أقل جودة يؤدى في لبنان ولا أعرف لمن هو لكني لا أستطيع إلا أن أعجب باللحن الذي بين أيدينا

    لقد ذكرنا إيليا الرومي لكن ماذا أثر إيليا الرومي في تاريخ الموسيقى الكنسية؟ هل سجل أو دون ألحاناً؟ هل قام بإنشاء مدارس لتعليم الترتيل؟ هل كتب أبحاثاُ حول الموسيقى أو طور بها؟ أما تدوينات متري المر فهي مازالت وكما تعرف المرجع الأول للمرتلين وبالتالي لها أثر كبير على تاريخ الموسيقى الكنسية بدون ذكر ما قام به في ترجمة النصوص الليتورجية

    أما بالنسبة للتدوين فالمقالة ليست عن تاريخ التدوين بل التدوين احتل جزءاً فقط فهناك تنظيم الجوقات وتأليف التراتيل ووضع الألحان وتطور السلالم وأساليب الترتيل والتعليم وكلها كان لها مكانها في المقالة

    وكل عام وأنت بخير بمناسبة عيد الميلاد امجيد

  4. حليم شربك أضاف بتاريخ

    الأخ والصديق العزيز رامي
    أولاً لابد لي من الاعتذار على لهجتي التي كتبت بها تعليقي السابق والتي ربما بدت تهجمية رغم أني لم أقصد بها إلا إبداء رأيي وفق معلوماتي التي تسلمتها من مجموعة ليست بقليلة من مرتلين لهم باع طويل في الترتيل ودراسة الترتيل
    إيليا الرومي لم يدون ولم ينشر دراسات وربما لأنه لم يجري أبحاثاً (الله أعلم) وهنا فكرة أن الموسيقى الكنسية البيزنطية (أي الرومية) هي للترتيل لخدمة “الكلمة”، ولا بد أن أشير هنا أن أهم مرتل معاصر آرخون بروتوبسالتي القسطنطينية يعقوب نافبليوتيس (الذي يسعى عدد هائل جداً من المرتلين إلى تقليده ويدعي كثيرون أنهم من تلاميذ تلاميذه) لم يكن له مدونات وكل ما نقل عنه من ألحان تم بيد تلميذه بودوريس. لذلك ليس التدوين ولم يكن يوماً مقياساً لقدرة المرتل لأن الترتيل على مر تاريخه واختلاف مراحله هو تقليد شفهي.
    التقليد الذي تكلمت عنه هو التقليد المتوارث منذ مئات ومئات السنين إن لم نقل أكثر من ذلك، والدليل على هذا التقليد أن من ينظر في الكتب التي نشرها كبار مرتلينا القدماء على اختلاف مراحلهم الزمنية نجد شبه تطابق بين عدد لا بأس به بين مدوناتهم والسبب في هذا يرجع لكون كل منهم تسلم من أستاذه الذي تسلم بدوره من أستاذه وهكذا حتى ما يشاء الله.. من هنا أهمية التقيد بالتقليد، نعم التطور موجود ولم تتوقف ألحاننا عن التطور، لكنك أنت كموسيقي تدرك تماماً أنه ليس كل تغيير يدعى تطوراً فهناك انحراف وهناك تشويه. لذلك التغيير يتم من قبل من قد تشرب التقليد والروح الكنسية للترتيل ثم يطور معززاً بروح الترتيل والصلاة، مثال ذلك القديس يوحنا كوكوزيليس الذي طور كثيراً جداً في الترتيل لكن دون تحريف ولا تشويه بل بتجميل وإغناء كثيرين. لا بد من ذكر ن التقليد لم يتغير يوماً وإنما تغير أسلوب التنويط الذي يعبر عن خطوطه العريضة.
    أما عن عبارة المرتل الحقيقي: أنت أدرى مني بالوضع السائد ليس فقط في أنطاكية (لكن غالباً في أنطاكية) أن كل من يشاء يدعو نفسه أستاذ وكل “صوّيت” يضعونه على القرايات ليزعق بوجه الله أمام المؤمنين، لذلك ليس كل من يقول يا رب يا رب يدخل إلى ملكوت السماوات وليس كل من يقول يا رب ارحم يصبح مرتلاً. المرتل هو أولاً مصلي، فمن لا يصوم ليس مرتلاً، ومن لا يقرأ الكتاب المقدس ليس مرتلاً. طبعاً لا سبيل لفحص النفوس لكن تلاحظ تماماً في أداء الشخص إذا ما كان يصلي أو ينغّم (والله أعلم) لذلك نجد أن ألمع المرتلين اليوم في أنطاكية هم بمعظمهم رهبان أو تتلمذو على ترتيل الرهبان. أيضاً نحن نرتل لله لذلك يجب أن نقدم له أفضل ما لدينا، لذلك يجب أن يسعى المرتل باستمرار قدر استطاعته أن يتدرب ويتقن القطع والألحان والتيبيكون واللفظ بشكل أفضل والعلم لا ينتهي. وإلا فمن يتهاون بالخدمة يطمر وزنته ويستخف بالله موزع النعم. طبعاً كثيرة هي الأمور التي لا سبيل لنا لفحصها لكن على الأقل نتوقع من المرتل أن يسعى إلى التدرب على التراث الكنسي (الغني والواسع جداً حيث أملك في مكتبتي ما لا يقل عن 30 كتاب نوط تراتيل باليوناني والعربي، وما لم يصلني ربما أكثر) لذلك تقليدنا وتراثنا الشفهي والمكتوب (والشفهي أهم وأولى) غني واسع جداً ومن يقصي نفسه عنه يعلن بلا شك عدم أهليته للترتيل. وهذا ليس رأيي الشخصي إنما تبنيته عن الكبار الذين قرأته عنهم وسمعته منهم. كم مدعياً للأستذه تعرفه لا يستطيع ترتيل شيروبيكونات بالألحان الثمانية؟ وكم منهم لا قدرة له على الترتيل الباباذي؟ وكم منهم لا يتقن الألحان الثمانية؟ وكم منهم يجهل الالتزام بالإيقاع؟ لذلك قبل أن نسعى للتطوير يجب أن نسعى لنلحق بالركب ونتعلم ما “يجب” تعلمه ومن ثم من يدرك أن يصبح بالفعل مرتلاً يمكنه أن يطور. هناك الكثير الكثير من التراتيل المفقودة من ترجماتنا العربية لأن متري المر أغفل ربما سهواً ترجمتها.. لذلك لا بد من أن نعرف أن الحصاد كثير جداً وأن الفعلة ندرة نادرة.
    أما عن تسمية الرومية.. هذه الموسيقى أساساً أخذت اسمها من الامبراطورية الرومانية ومن بعد الانشقاق الكنسي احتفظ الغرب بتسمية روما وسمى كل ما يخصه بالرومي، والشرق دعي بيزنطياً ما له تسربل بهذا الاسم. من هنا أخبرني أكثر من باحث ومرتل لهم وزنهم في البحث والترتيل أن موسيقانا الكنسية هي رومية تدعى. أنا معك أن الاصطلاح انتشر وطغى، لكن لا شيء يمنع من التذكير بالاسم الدقيق.
    أيضاً إشارة إلى ما ورد في مقدمة مقالكم الأساسي عن أن هذه الموسيقى لم يقتصر تطويرها على اليونان بل كان لسوريا وسوريين دور فيها.. في ذلك الزمن لم يكن هناك من سوريا ولا يونان، عندئذ وجدت الامبراطورية البيزنطية التي كانت ثقافتها هلينية (أي ندعوها اليوم يونانية) وكانت تشمل ما يسمى اليوم سوريا وكان مركزها وقلبها ما نسميه اليوم باليونان. وكانت اللغة الأم التي ينطق بها أهل منطقتنا هي الهلينية (أي اليونانية) والدليل على ذلك أنه حتى العصر الأموي كانت لغة أهل هذه المنطقة الأصلية يونانية بدليل أن القديس الدمشقي الذي كان اسمه قبلاً منصور بن سرجون رغم اتقانه العربية كونه ذو منصب في الدولة الأموية قد كتب كتاباته اللاهوتية وشعره الكنسي بلغته الأم اليونانية، ومثله القديس الحمصي رومانوس الذي خدم شماساً في بيروت.

    أخيراً أقدم جزيل شكري لك لموقعك هذا أخي رامي، جميل أن نكون على تواصل وأن نتبادل الخبرات والمعارف.

  5. حليم شربك أضاف بتاريخ

    عذراً على النسيان لكن لا بد من إضافة
    أنا بالطبع شاكر لما قدمه متري المر لكني كنت أفضل لو نسب ما عربه لأصحابه بدل نسبه لنفسه. ولم نلاحظ تدوينات لغيره لأن ذلك الزمن كان زمن قلاقل في منطقتنا وكان للناس حتى المرتلين منهم هموم أكبر من التدوين ربما، وابنه فؤاد هو الذي نشر وإلا لضاع جهد متري، لذلك بالمثل وصلتنا بعض قطع من اندراوس معيقل من تلاميذه هنا وهناك (كتابة أو شفاهاً)
    أما إصراري على تسمية حدث 1814 بالتعديل وليس الإصلاح لأنهم رغم أنهم حسنواً أموراً إلا أنهم أساؤوا في أمور أخرى ليست بقليلة وتركوا كثيراً من الأسئلة عالقة دون جواب إلا بالعودة إلى التنويط القديم أو بلعها كما هي (مثل ذلك الأوزان التي تعنون بلحن ما لكنها تسير على لحن آخر، لماذا لم تسر على لحنها الأصلي؟ لماذا لم تعنون باللحن الذي سارت عليه؟ مثل تون دافون سو سوتير أو كاته بلايي إيوسيف وغيرها) كذلك الجدل الذي نراه بين مدراس ترتيل كل منها اجتهد في التفسير واختلفوا على السبب وكل منهم ترى حجته مقنعة.. كذلك لماذا مطولات اللحن السادس تنتهي على درجة ذي وليس با؟ قديماً لم يكن هناك با ولا ذي ولا أبعاد ولا أرقام.. كان هناك لاهوت للترتيل والتنويط نظم عليه كل شيء

    عذراً على الإطالة

  6. نجيب متري كوتيّا أضاف بتاريخ

    هذه المقولة ان لغتنا الام هي اليونانيّة وان لم يكن لنا اي حضارة مسيحيّة في سوريّا الّا الحضارة اليونانيّة هي خرافه

    في عام 1050 توجّه البطريرك الانطاكيّ بطرس الثالث الى اهل انطاكيّة بعد تعيينه من الامبراطور الروميّ وقال لهم كونوا شاكرين انّكم حصلتم على بطريرك من لحمكم ودمكم وكان بطريركا عربيّا

    كانت لغة التعامل هي اليونانيّة ولكن حتّى المدن التي تهلّنت كان تهلّنها سطحيّا و سرعان ما فقدت هلّينيّتها كما يشرح فيليب حتّي في تاريخ سوريّا

  7. سمير أضاف بتاريخ

    الشكر كل الشكر
    لكل من ساهم في كتابة هذا التاريخ الرائع من الموسيقه البيزنطية العريقة

  8. Ninos Sauma أضاف بتاريخ

    تحية وسلام:

    شكرا لكم الاستاذ رامي على تدوينكم تاريخ الموسيقا البيزنطية وعلى شروحاتكم حول سلالمها ومقابلاتها مع المقامات الشرقية.
    حاولت أن افهم موضوع كيفية استخدام الألحان الأصلية واشقائها خلال قداس ما، ولكنني لم أجد الجواب الشافي لديكم.
    واستفساراتي هي:
    هل يتناوب اللحن الاول مثلاً مع الخامس أثناء إقامة قداس أحد تقديس الكنيسة أو أي قداس آخر ?

    هل يستعمل اللحن السابع مثلاً كلحن أساسي أو أصلي وليس كلحن شقيق? وإن يستعمل فهل ينشد معه اللحن الثالث أثناء إقامة القداديس ?
    أي هل هناك قانون لإنشاد الألحان وأشقائها ? هل لكم أن تشرحوا لنا كيفية استعمالاتها ?

    شكراً لكم ولجهودكم في نشر الثقافة الشرقية ولبحوثكم العلمية.

    نينوس صوما اسعد

  9. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    أهلاً بك وشكراً لاهتمامك وتعليقك

    في القداديس إجمالاً لا يتم الالتزام بلحن محدد، ويتغير اللحن كثيراً ضمن القداس واحد، فتقال الطلبة السلامية (أول طلبة تبدأ ب”بسلام من الرب نطلب”) بلحن ثم الأنديفونات (بشفاعة والدة الإله، خلصنا يا ابن الله) بلحن ثاني، ثم الكلام الجوهري (بآبٍ وابنٍ وروحٍ قدسٍ) بلحن آخر، ما عدا في بعض الأديار التي فيها جوقات متمرسة يرتل القداس كله على لحن واحد.

    لحن الأسبوع يظهر أكثر خلال خدمتي السحرية والغروب ولكن أيضاً ليس في كل القطع. لا علاقة إجمالاً بين اللحن الأساسي والشقيق في دور الألحان، بمعنى في دور اللحن الأول يرتل فقط اللحن الأول في القطع التي تقال على لحن الدور، وبعض القطع تقال على لحن خاص بها كما قلت بدون النظر إلى علاقة لحن أساسي – شقيق. ربما الحالة الاستثناء هي في اللحنين الثاني والسادس، حيث في دور اللحن الثاني تقال قطع باللحن السادس وبالعكس

  10. محمد عرب أضاف بتاريخ

    السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين الاخ المحترم رامي لك مني المحبه والاحترام على مجهودك واخلاصك ونيتك الحسنه فيما دونت هذا الخلاف لم يزل ضمن كل اتباع الرسالات على الطريق الابراهيمي خلاف ربما برئي مزاجي اذ لم يورد ويثبت لنا ماهو الاصل ةليكن موضوعونا الانجيل ماهو الميزان او القانون الذي ينبغي على كمتلقي لكلمات الله المهم الفكره عندي وهي تؤرقني اني انا كفرد ارفض اي تدخل بشري مزاجي اوسائد في عصره علي الان الفكره هي انه يوجد في كتاب الله وجهه اعجاز لغوي واعجاز عدد رياضي لابد ان يكون هناك طريقه لضبط الكلمات مع العلامات وطريقه لضبط الوزن انا اعمل على هذه الفكره منذ ثلاث سنوات اذا كان هناك مجال للمساعد ارجوا منكم الاناره وتنويري ولكم مني كامل المحبه والاحترام

  11. ahmed أضاف بتاريخ

    شكرا لك

    تاريخ اليوم بالهجري والميلادي

شارك بتعليقك