سارع إلى إرضاء خصمك ما دمت معه في الطريق

كنت مرة جالساً بحضرة أحد الشبان، عندما فُتح حوار ديني وكان الحوار في جو من الحرية والعفوية، حينها قال هذا الشاب “هل تعلمون قرأت مرة في الإنجيل أن المسيح قال أنه يجب على الإنسان أن يداري خصمه خوفاً منه؟ هل تقبلون هذا الكلام؟ ” لقد عرفت ما هو النص الذي قصده هذا الشاب وساءني أنه لا يعرف ماهية هذا النص أو ما معناه خصوصاً أنه قد سبق أن حضر دروس التعليم الديني لسنوات كثيرة، وأيضاً أن هذا النص الذي يقصده موجود في بدايات الإنجيل، وتحديداً في الإصحاح الخامس من إنجيل متى ضمن ما يدعى الموعظة على الجبل، وفي النسخة التي بين يدي الآن يقع في الصفحة السادسة من الكتاب!

النص هو حرفياً كالتالي ” إذا خاصمك أحدٌ فسارع إلى إرضائه ما دمت معه في الطريق، لئلاّ يسلّمك الخصم إلى القاضي والقاضي إلى الشرطي فتلقى في السجن. الحقّ أقول لك: لن تخرج من هناك حتى توفي آخر درهم.” ( متى 5 : 25 – 26 ).

طبعاً أوضحت لهذا الشاب وقتها أنه إذا كان مصيري أن ألقى في السّجن فهذا يعني حكماً بأني مذنب، فما يقوله السيد المسيح حرفياً هنا هو إذا كنت في النهاية سأدفع ما يتوجب علي فلم لا أوفيه فوراً ولمَ أنتظر حتى ألقَى في السجن وأجبَر على تأديته؟

وإذا أردنا أن ننظر أبعد من الحرف سنفهم هنا أن ما يقصده المسيح هو أنه لا يجب أن أؤدي ما علي لأني أجبر على ذلك ( السجن ) أو لأني أخاف من العقوبة ( الشرطي ) أو حتى لأن القانون يقول ذلك ( القاضي ) بل أؤدي ما يتوجب علي فوراً ومن نفسي “سارع إلى إرضائه“، بالاستماع إلى صوت ضميري بدون أن أفكّر حتّى في شرع أو في عقوبة.

إن صيغة القانون من ناحية ليست ولا يمكن أن تكون كاملة، فخبرة عملية قليلة في مجال الدعاوى والمحاكم كفيلة بإقناعنا أنه حتى لو كانت هناك عقوبة ينص عليها القانون على فعل شائن ما فإن هذا في أحيان كثيرة لا يردع من يقوم بهذا الفعل، فهناك الكثير من الطرق للخداع والتحايل على القانون، والدعاوى قد تأخذ وقتاً طويلاً وقد يكون كافياً ليكون المعتدي قد حقق الاستفادة التي يريدها من فعله والمعتدى عليه قد خسر ما لا يمكن تعويضه، هذا ناهيك عند استغلال ثغرات في القانون يجعل مرتكب الفعل الشائن يوازن بين الاستفادة من الاعتداء والعقوبة فيجد أن الاستفادة أكبر من العقوبة، هذا إذا لم يكن هناك أصلاً قوانين قاصرة أو ظالمة بطبيعتها …الخ. في منطق المصلحة قد يكون إذاً الفعل الشائن أمراً جيداً، لكن في العرف المسيحي مهما كان القانون ومهما كانت طريقة تطبيقه فهذا لا تأثير له لأنه لا يجب أن يتصرف الإنسان بالصواب بناء على القانون بل بناء على سماعه لضميره.

ومن ناحية ثانية إن المنطق القانوني البحت مختلف عن منطق المحبة الخالصة، لنلاحظ أن المسيح لم يقل هنا حتى “سارع إلى إنصافه” بل “سارع إلى إرضائه” ففي منطق الضمير والمحبة لا يحسب الشخص بتشكيك وتدقيق ما يحق له وما يتوجب عليه بل يتصرف بسماحة مؤثراً الآخر على نفسه أكثر المرات.

عندما ألقى السيد المسيح موعظته المشهورة كان ذلك أمام الشعب اليهودي، والذي في وقتها لم يكن عنده تفريق بين شرع ديني وشرع مدني، ولذلك يمكن أن نطبق قول السيد المسيح ليس على الشرع المدني فقط بل أيضاً على الشرع الديني. وإذا كان كل شخص مؤمن يستبعد أن يكون شرعه الديني خاطئاً ( مع أنه من حقه طبعاً أن يتساءل عن صحة فهمه ومعرفته بحقيقة هذا الشرع أو مصداقية المراجع التي يستند إليها بدون أن يعني هذا نكرانه لدينه )  إلا أن ما يعلمنا إياه السيد المسيح هنا أنه لا يجب أن ننتظر نص أو عقوبة لنقوم بأداء ما يتوجب علينا حتى لو كانت واردة ضمن شرع ديني.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا إذاً الشرع الديني وما هو الهدف منه؟ ففي المسيحية كما بقية الأديان نصوص تشريعية كثيرة، بعضها تخص أمور تنظيمية وبعضها أمور عقائدية وبعضها أمور أخلاقية. ما الداعي لها إذا كان المطلوب منا أن نسمع صوت ضميرنا ونعمل بما علينا بدون الاستناد إلى شرع؟

أعتقد أن الجواب هو أن الشرع مؤدب ومهذب للنفس البشرية لكي ترتقي وتستطيع أن تستمع صوت ضميرها. فالشرع الديني دليل لسماع صوت الضمير ومن الخطأ أن يكون بديلاً عنه.

عندما خلق الله الإنسان في الفردوس وضع له شرع وعقوبة “من جميع أشجار الجنّة تأكل، وأمّا شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنّك يوم تأكل منها تموت موتاً” ( تك 2 : 16 – 17 ) ذلك أن الإنسان لم يكن قد وصل بعد إلى مرحلة روحية يقدر فيها على التمييز والإفراز بين الخير والشر، بين الفضيلة والخطيئة، ولكنه بإطاعته لوصايا الرب كان سينمو روحياً ويتقدس وعندها يصبح مؤهلاً ليقدر على التمييز بين الخير والشر بالاستماع إلى صوت ضميره بدون لبس، عندما يتناول من شجرة معرفة الخير والشر في الوقت المناسب كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي “الشجرة كان من الحسن أن يذوقها أحد في وقت مناسب، لأن الشجرة برأيي كانت مرأى الله أو رؤية الله التي كان من الممكن أن يقترب أو يدونو منها أولئك الذين بلغوا الكمال بالتدرّب والمران” ( من خطبة في الفصح )، لكن الإنسان مضى في الطريق المعاكس تماماً فكان أول ما عمله أنه عصى الوصية وأراد أن يعرف الخير والشر من حكمه الخاص الذي تتحكم فيه الأهواء، فكانت النتيجة أنه صار منفصلاً عن الله، ويحتاج إلى تهذيب كبير ليصل أولاً إلى مرحلة الشريعة ( شريعة موسى ) وليفهم بعد ذلك جوهر ومغزى الشريعة ( العدل والمحبة كما يوضح أنبياء العهد القديم المتأخرين ) ويرتقي بعد ذلك إلى سماع صوت ضميره، وهي الشريعة المسيحية الحقة.

4 تعليقات على “سارع إلى إرضاء خصمك ما دمت معه في الطريق”

  1. شكراً رامي على المقال
    ولكن لدي بعض التعليقات منها أريد أن أعرف من أي ترجمة أخدت آية متى 5 : 25 ؟
    ومن ناحية أخرى كيف يمكن ان ترد على اللدين يقولون ان السيد يعلم هنا التحايل و الالتفاف وتزبيط الامور قبل أن تخرج سيطرتك؟

  2. أهلاً ربيع وشكراً لمشاركتك
    النص هو كعادتي من الترجمة المشتركة، وأنا أفضل هذه الترجمة بسبب دقتها وفصاحتها واستخدام لغة عربية معاصرة سهلة الفهم. أما العنوان فجاء بشيء من التصرف بالآية حتى لا يكون طويلاً جداً.

    أما الجواب على مثل هذا السؤال فهو أن السيد لا يعلم هنا التحايل، لأنه يطلب أن نعطي صاحب الحق حقه، فلم يحكم علينا القاضي إذا لم يكن علينا ذمة؟ ثم لاحظ آخر جملة “حتى توفي آخر درهم” والإيفاء يكون بشيء في ذمتنا ويتوجب علينا. لا أعتقد أن إعطاء صاحب الحق حقه يمكن أن يقال عنه تحايل أو التفاف.

    وكذلك لا يدعو السيد أن “نزبط” الأمور خوفاً وقبل أن تخرج عن السيطرة، إذ في النص يطلب منا مراضاة الخصم قبل أن يأخذ الخصم أي موقف.

    المؤمن الحقيقي يتصرف بداعي ضميره أما غير المؤمن فنعم يطبق عليه حكم الشرع والقانون إذا أخطأ، ولكن هذا الحكم يكون من أجل الحفاظ على تماسك وانتظام المجتمع ولا أعتقد أن المحكوم يستفاد شيئاً من هذا الحكم، أما حين يتصرف بداعي ضميره فإن ينجسم مع صوت الآب الذي فيه وبالتالي يزيد اتحاده بالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *