نظام الكوما في الموسيقا الكنسية البيزنطية (الجزء الأول – تمهيد)

لقد اعتدنا و منذ فترة في تعليم مبادئ الموسيقى البيزنطية اعتبار السلم الموسيقي ( المسافة ما بين درجة و جوابها ) مؤلفاً من 72 كوما، بينما نجد في بعض المراجع الأقدم السلم الموسيقي مؤلفاً من 68 كوما، و في مراجع موسيقية مختلفة ( ليست متبعة في الموسيقى الكنسية ) نجد تقسيمات مختلفة للسلم الموسيقي، فمنها ما يعتبر السلم الموسيقي مؤلفاً من 53 كوما، أو 200 كوما، أو 24 أو 36 أو 50 أو 65 أو 70 … الخ و هذا يدعونا للتساؤل عن سبب هذه الاختلافات الكثيرة و أن نحاول معرفة أيها الأصح و على أي أساس نحدد صحة نظام عن غيره.

ما هو تعريف الكوما؟

الكوما بالتعريف واحدة لقياس أبعاد السلم الموسيقي. لكن بخلاف الواحدات الفيزيائية الأخرى كالسنتمتر و الثانية و الغرام …الخ، ليس هنالك حتى الآن اتفاق عالمي على تحديد قياس الكوما الواحدة إنما هنالك مدارس مختلفة و متباينة جداً في هذا الصدد، و يحدد قياس الكوما عادةً حسب عدد الكومات في السلم الموسيقي، فإذا كان 72 كوما، كان قياس الكوما الواحدة 1\72 من قياس السلم الموسيقي، و بالتالي كلما ازداد عدد الكومات في السلم الموسيقي صغر حجم الكوما و العكس بالعكس.

كيف ظهرت الكوما و ما الجدوى من استخدامها؟

نشأت الحاجة إلى وجود الكوما أساساً من أجل تسهيل التعامل مع السلم الموسيقي. ذلك أن أبعاد السلم الموسيقي فيزيائياً ليست مسافة بمعنى فرق بين موضعي درجتين موسيقيتين، بل هي نسبة بين تردد درجتين موسيقيتين. مثلاً نسبة تردد درجة ذي الوسطى على تردد درجة ني السفلى 3\2 فإذا كان تردد درجة ني السفلى 200 هزة في الثانية، كان تردد درجة ذي 200 × 3\2 = 300 هزة في الثانية. أما إذا تغير تردد درجة ني السفلى ( بداعي تغيير الطبقة مثلاً ) و أصبح 240 هزة في الثانية أصبح تردد درجة ذي 240 × 3\2 = 360 هزة في الثانية. أي أن النسبة تبقى ثابتة لكن الفرق يتغير ففي الحالة الأولى كان الفرق بين ني و ذي 100 أما في الحالة الثانية فقد أصبح الفرق 120. و هكذا تحدد الأبعاد بين الدرجات حسب نسبة التردد بين الدرجتين. لننظر مثلاً إلى السلم الموسيقي الذياتوني حيث تظهر الأبعاد بين كل درجتين متتاليتين حسب نسبة التردد بين الدرجتين.

لنلاحظ معاً أن البعد بين درجتي ني و با هو 9\8 و بين با و فو هو 10\9، فكم يكون إذاً البعد بين ني و فو؟

الجواب رياضياً كالتالي :

البعد بين ني و فو     = تردد فو\تردد ني = ( تردد فو\تردد با ) × ( تردد با \ تردد ني ) =
= البعد بين ني و با × البعد بين با و فو

و في هذه الحالة يساوي 9\8 × 10\9 = 10\8 = 5\4.

أي أن جمع الأبعاد المتجاورة لا يكون بالجمع الحسابي بل بالضرب الحسابي و بنفس الشكل يكون :

البعد بين با و فو = البعد بين ني و فو ÷ البعد بين ني و با.

أي أن طرح الأبعاد أيضاً يكون عن طريق القسمة حسابياً.

من الواضح أن هذه الطريقة صعبة جداً و مربكة، لذلك أوجد الرياضيون طريقة لتحويل التعامل مع السلم الموسيقي من طريقة الضرب و القسمة إلى طريقة الجمع و الطرح و هي طريقة الكوما التي ألفناها سواء في الموسيقى البيزنطية أو الغربية. هذه الطريقة تكون عبر استخدام التابع الرياضي اللوغاريتم و رمزه بالعربية
لغ
و من خصائصه أنه يحول الضرب إلى جمع أي أن :

لغ( أ × ب ) = لغ ( أ ) + لغ ( ب )

و هنالك دستور رياضي يمكن استنتاجه من هذه الخاصية يعطينا قياس أي بعد موسيقي بالكومات و يعطى كالتالي :

قياس البعد بالكومات = لغ ( نسبة البعد ) ÷ لغ ( 2 ) × عدد الكومات في السلم الموسيقي

لحساب اللوغاريتم نحتاج إلى حاسوب شخصي أو إلى آلة حاسبة علمية و رمزه بالانكليزية Ln أو Log و هما تابعان مختلفان و يعطيان نتيجتين مختلفين لأسباب لا مجال لذكرها هنا، و لكن و لحسن الحظ يمكن استخدام أي منهما في الدستور السابق فنحصل على نفس النتيجة و لكن بشرط استخدام أحدهما فقط في الدستور، فإما نستخدم Ln في موضعي لغ في الدستور أو نستخدم Log في الموضعين.

مثلاً لحساب قياس البعد 9\8 ( المسافة بين ني و با ) في نظام 72 كوما نجد أن :

لغ ( 9\8 ) ÷ لغ ( 2 ) × 72 = 12.2346

طبعاً نقوم بتقريب الناتج إلى عدد صحيح فنحصل على 12 كوما.

فإذا حسبنا قياسات جميع الأبعاد بهذه الطريقة أصبح لدينا السلم الموسيقي معبراً عنه بالكومات و يمكننا التعامل مع الأبعاد بطريقة الجمع و الطرح.

كيف نحدد ما إذا كان نظام الكوما جيداً أو سيئاً؟

من أجل المقارنة بين أنظمة الكوما المختلفة و معرفة أفضلها لا بد لنا أولاً من تسجيل المعايير التي علينا اتباعها للحكم على جودة نظام كوما معين.

  1. ينبغي بنظام الكوما أن يسهل التعامل مع السلالم الموسيقية. هذا هو أصلاً سبب استخدامنا للكوما و إذا لم يتحقق هذا الشرط فلا معنى لاستخدام الكوما. إلا أنه بالتحويل بين نسب التردد و الكومات قد يكون هنالك آثار سلبية ينبغي تجنبها و لذلك نجد شرطين إضافيين.
  2. يجب أن تكون القياسات بالكوما دقيقة موسيقياً. ذلك أننا نضطر للقيام بالتقريب في قياس الكوما الناتج معنا في الدستور للحصول على عدد صحيح و قد تكون القيمة التي نحذفها أو نضيفها أثناء التقريب أكبر مما هو مقبول سمعياً و هذا يعني الوقوع في النشاز.
  3. يجب أن تعطينا القياسات بالكوما فكرة صحيحة غير ملتبسة عن السلم الموسيقي. و إلا سيقع دارس أو مستخدم السلم الموسيقي في أخطاء و استنتاجات خاطئة بدون أن ينتبه. بكلام أكثر دقة يجب أن يحقق نظام الكوما البنود الثلاثة التالية :
    1. يجب أن يقابل كل بعد موسيقي عدد محدّد و ثابت من الكومات أينما أتى هذا البعد في أي سلّم موسيقي.
    2. إذا اختلف بعدان يجب أن يختلف عدد الكومات المعبّر عن كلِّ منهما عن الآخر، بتعبير آخر عدد الكومات نفسه لا يجوز أن يعبّر هو نفسه عن بعدين مختلفين مهما كانا متقاربين في القياس.
    3. شرط الجمع ( الضم ) و هو أنّه إذا كان جداء بعدين متجاورين حسب نسب التردد في السلم الموسيقي يساوي بعداً ثالثاً، فإنّ مجموع الكومات في البعدين يجب أن يساوي عدد الكومات المعبّر عن البعد الثالث.

في الواقع تحقيق الشروط السابقة ليس أمراً سهلاً أبداً.

الشرط الأول يعني بما يعنيه أن يكون عد الكومات في السلم أصغر ما يمكن حتى تكون قياسات الأبعاد بالكوما صغيرة نسبياً لكي يسهل التعامل معها. مثلاً إذا اعتبرنا عدد الكومات في السلم 300 تكون قياسات الأبعاد الثلاثة الأولى من السلم الذياتوني ( بدءاً من ني ) 51، 46، 28 على التوالي، من الواضح أن هذه القياسات يصعب التعامل معها إذ يصعب حفظها ناهيك عن القيام بجمعها أو طرحها.

الشرط الثاني بالعكس يتطلب أن يكون عدد الكومات أكبر ما يمكن إذ أنه مبدئياً كلما زاد عدد الكومات صغر قياس الكوما الواحدة و بالتالي صار القياس بالكوما أكثر دقة، الأمر مشابه لقولنا أن القياس بالمليمتر أكثر دقة من القياس بالسنتمتر. لقد وضع العلماء المعيار المطلوب للدقة الموسيقية و وجدوا أن أصغر بعد تقدر أن تميزه الأذن البشرية هو 1\1200 من البعد بالكل ( البعد بين درجة و جوابها ) و يسمى هذا المقدار سنت Cent. هذا في المجال السمعي المتوسط، أما في الطبقات العالية جداً أو المنخفضة جداً تقل حساسية الأذن عن هذا. لكن هذا لا يعني طبعاً أننا مضطرون إلى تقسم السلم الموسيقي إلى 1200 كوما من أجل تحقيق هذه الدقة.

الشرط الثالث هو الأكثر صعوبة و بتحقيقه يتحقق التوازن بين الشرطين الأول و الثاني. يمكن توضيح صعوبة الشرط الثالث بالمثال التالي :

لنفرض أن هنالك بعدين موسيقيين متجاورين في السلم الموسيقي و كان قياس الأول بالكوما ( قبل إجراء عملية التقريب ) هو 6.2 و قياس الثاني 5.4. إن قياس مجموعهما الذي ينتج معنا سواء من عملية الجمع مباشرةً أو من استخدام الدستور هو    6.2 + 5.4 = 11.6

حتى الآن لا توجد مشكلة لكن بقيامنا بالتقريب ( و هو أمر لا بد منه لتسهيل التعامل مع الكوما ) سنجد أن

6 + 5 = 12 !

و بالتالي باستخدام نظام كومات يعطينا هكذا نتائج سنقع حتماً في مخالفة أحد البنود الثلاثة في الشرط الثالث، و قد يكون حتى مجرد وصف السلم أمراً متعذراً فقد نقول مثلاً أن عدد الكومات في السلم هو س و لكن بجمع أبعاد السلم قد نحصل على س+1!

حتى لا نقع في هذه المشكلة يجب أن يكون المقدار العشري بعد الفاصلة الذي نحذفه أو نضيفه أثناء عملية التقريب صغيراً ما أمكن و هكذا نضمن أنه بجمع قياسات الأبعاد المتجاورة في أي سلم لن يتجاوز الخطأ 0.5 و هكذا لا تحدث معنا المشكلة السابقة. تجدر الملاحظة أن هذا الأمر لا يتعلق بصغر أو كبر الكوما، أي لا يتعلق بكبر أو صغر عدد الكومات في السلم؛ فقد يكون العدد كبيراً جداً و نقع في هذه المشكلة أو قد يكون صغيراً جداً و نقع فيها أيضاً، إنما يجب أن نبحث عن عدد الكومات الملائم.

في الأجزاء القادمة إن شاء الله سنناقش الأنظمة المستعملة في الموسيقا البيزنطية ( نظام 68 ونظام 72 ) وتاريخيتها وسبب استخدامها ومدى جودتها كما سنحاول في أجزاء لاحقة تحديد نظام الكوما الأفضل للموسيقا الكنسية البيزنطية

3 تعليقات على “نظام الكوما في الموسيقا الكنسية البيزنطية (الجزء الأول – تمهيد)”

  1. نظام الكوما في الموسيقا الكنسية البيزنطية (الجزء الثاني -الأنظمة المستخدمة) | مدونة رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    […] (لفهم هذا القسم يجب مراجعة الجزء الأول) […]

  2. حليم شربك أضاف بتاريخ

    شكراً لجهودك أخي رامي، أنا في الواقع تقبلت منذ زمن ليس بقليل أن الأرقام بين الدرجات هي دلالات رمزية أكثر منها أبعاد حقيقية. طبعاً هذا لكي لا أدخل في متاهات رقمية قد تصعب الأمر(على الأقل بالنسبة لي شخصياً) أكثر مما تسهله.
    مجدداً أشكر جهودك، لكني كما سبق وقلت في ردي على مقال تاريخ الموسيقى في هذا الموقع أني تسلمت أن الترتيل هو فن صلاة، لذلك أبذل جهودي لأتسلم الوديعة وأكون أميناً للتراث، وابتعدت عن الأرقام.
    وشكراً

  3. عبدالله أضاف بتاريخ

    والله مافهمت والو

شارك بتعليقك