خلق آدم بين النص الكتابي والعلم (الجزء الثاني – النص)

من المثير للانتباه أن هناك الكثيرين ممن يتساءلون حول الخلاف بين قصة الخلق ونظرية التطور لم يقرؤوا قصة الخلق في الكتاب إطلاقاً بل معلوماتهم عنها مأخوذة إما من كتب التعليم الديني المدرسية أو من خلال الكتب الدينية المبسطة المخصصة للأطفال التي تسيء أحياناً إلى الكتاب بتركيزها على حرفية قصص الكتاب. وهكذا عندما يصبح الإنسان أكثر وعياً علمياً من خلال تعلمه ونضوج الفكر العلمي لديه قد تظهر لديه ردة فعل رافضة لقصص الكتاب المقدس التي تعلمها في الصغر أو أحياناً بالعكس يصبح لديه ازدراء للعلم وللفكر العلمي.

لهذا السبب قد لا يكون من المجدي في هذا العصر تعليم قصص التكوين مثل قصة آد وحواء وسفينة نوح ومثلها من ميثولوجيات للأطفال، بجميع الأحوال لا يتساءل الأطفال عن مسائل كبيرة مثل ” كيف خلق الكون ” وإن تساءلوا فلنقدم لهم الجواب الذي يعطيه العلم الحديث على قدر استطاعتهم على الفهم، إنما لا بد من أن يتعرف الإنسان في الوقت المناسب على النص كما أتى في الكتاب المقدس وعلى نظرة الكنيسة لهذا النص من خلال تفاسير الآباء الأرثوذكس.

كما أن الكثير من المفاهيم المغلوطة عن قصة الخلق وعن نصوص أخرى مختلفة في العهد القديم سببها أن معلوماتنا عنها مقتبسة عن الإعلام من الأفلام السينمائية والبرامج التلفزيونية أو عن مصادر تعود لأديان أو طوائف أخرى تعودنا عليها بدون أن نتنبه إلى أنها لا تطابق النص كما جاء في الكتاب المقدس ولا تطابق بطبيعة الحال التفسير الأرثوذكسي الآبائي.

لذلك سنورد بعض الملاحظات حول النص الكتابي تتعلق بالمفاهيم والمعلومات المغلوطة والمنتشرة حوله قبل أن نخوض في تحليله :

  1. يقول بعض المفسرين اللاهوتيين من غير الأرثوذكس أن النص لا يشير بوضوح إلى خلق الله للعالم بل بالأحرى يتحدث عن تنظيم لمادة موجودة مسبقاً في العالم، هذا التفسير يخالفه النص صراحة وسنتعرض لذلك في موضعه كما يخالف هذا التفسير تفسير القديس باسيليوس الكبير الذي تعمق في موضوع خلق الكون في “الأيام الستة”، ناهيك عن أن هذا القول يخالف العقيدة اليهودية والمسيحية بشدة.
  2. لا يؤكد الكتاب المقدس على خلق الإنسان من العدم بل “و جبل الرب الإله الإنسان تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار الإنسان نفساً حيّة” ( تك 2 : 7 )، لذلك إن القول بأن الإنسان لم يخلق خلقاً بل تطور لا يخالف في الجوهر النص الديني.
  3. الاعتقاد بأن آدم وحواء لم يكن لهما أجساد كأجسادنا وبالأخص لم يكن لهما أعضاء للتكاثر قبل السقوط ليس له أساس في النص الكتابي بل كان للإنسان منذ بدء وجوده طبيعة بيولوجية بكل معنى الكلمة وإن لم يكن هذا ما يعنيه القول بأنه جبل من التراب فلا أدري ما يكون معناه.
  4. يعتقد البعض بأن الفردوس التي يصفه الكتاب يقع في السماء وأن السقوط كان سقوطاً من السماء إلى الأرض، هذه الفكرة موجودة في الفكر الإسلامي في تفاسير أغلب المفسرين الإسلاميين للقرآن ( وليس جميعهم ) لكنها تخالف النص في العهد القديم كما تخالف تفاسير الآباء ويركز القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه النقطة بقوله ” السبب الذي من أجله أدخل موسى المطوب اسم المكان في النص كان كي لا يكون ممكناً للذين يميلون إلى تناول الأشياء بخفة أن يخدعوا آذان البسطاء ويقولوا بأن الجنة لم تكن على الأرض بل في السماء “.
  5. الاعتقاد بأن مصير الإنسان المسيحي المؤمن الصالح هو العودة إلى الحياة في الفردوس، لكن كما نعرف أن رجاء الإنسان المسيحي هو الحياة الأبدية كما نقول في دستور الإيمان وكما علمنا السيد المسيح، والحياة الأبدية تختلف عن حالة آدم وحواء في الفردوس، حالة آدم وحواء كانت حالة اختبار ولم تكن حالة أبدية، بينما الحياة الأبدية حالة نهائية، لكننا لن نخوض هنا في العقائد المتعلقة بالحياة الأخرى لأنها خارج مجال بحثنا.

النوع الأدبي لقصة الخلق :

في الكتاب المقدس قصتين مختلفتين للخلق تختلفان في موضوعهما، الأولى تبدأ من الآية الأولى في الإصحاح الأول حتى نصف الآية الرابعة من الإصحاح الثاني في سفر التكوين ضمناً، وفيها ذكر لخلق الله للكون في ستة أيام و”استراحته” في اليوم السابع، والثانية تبدأ من نصف الآية الرابعة في الإصحاح الثاني وحتى الآية 24 من الإصحاح الثالث ضمناً، وفيها قصة سقوط آدم وحواء المعروفة.

لا يختلف اثنان على أن النوع الأدبي لقصة الخلق الأولى والثانية هو الميثولوجيا، وهو النوع الأدبي الذي كانت منتشراً في بلاد الهلال الخصيب قديماً. لكن الميثولوجيا بالحقيقة كلمة واسعة وتدل على أنواع متنوعة ومختلفة من القوالب الأدبية. بشكل عام عندما نقرأ هذه الميثولوجيات القديمة نجد نوعين أو فئتين أساسيتين :

الفئة الأولى يمكن اعتبارها بحث علمي أولي يعبر عن اعتقادات الشعب العلمية وفيها محاولة لتفسير الظواهر المحيطة بالإنسان بإرجاعها إلى علل علمية أكثر شمولاً ويدعو المفكر فراس السواح هذه الميثولوجيات “مغامرة العقل الأولى”.

أما النوع الثاني فهو القصة الرمزية، أي قصة يعرض كاتبها من خلالها رموزاً لأفكار فلسفية، ولا يطلب أو يتوقع أن يقبل الناس هذه القصة على أنها قصة حقيقية.

إجمالاً نستطيع التفريق بين النوعين بسهولة بالرغم من أن كليهما قد يذكر لنا أمور غير مقبولة علمياً في زمننا، إذ في النوع الثاني نجد أموراً لا يمكن أن يقبل بها سوى السذج على أنها أمور حقيقية ولا نحتاج إلى العلم الحديث لنتبين أنها غير صحيحة وأبرز مثال على ذلك هو تكلم الحيوانات.

هكذا نستطيع أن نرى قصة الخلق الأولى هي بالأسلوب الأدبي الذي يحاول تفسير الحياة والظواهر الطبيعية، بينما الثانية هي قصة رمزية يعبر الكاتب بها عن طريق الرموز عن أمور أخرى، إذ لا يمكن أن يكون الكاتب أو معاصريه معتقدين بأن الحية تتكلم أو أن هنالك شجرة تدعى شجرة معرفة الخير والشر.

سنتعرض بإذن الله لهذين النصين كل على حدة.


تعليق واحد على

  1. اخى العزيز لقد قرات مقالك هذا واثرت فى نفسى ذكريات كثيره منذ سنين عديده مضت فلقد كنت مقتنع جدا بهذه الفكره وعدم تعارض نظريه التطور والكتاب المقدس واخذت ابحث كثيرا فى التوافق وعدم التعارض الا اننى كنت اصدم كثيرا عندما كنت اتجادل مع الاصدقاء فى عدم استعدادهم ونقدهم المرير حتى وصلت لحد الاستهزاء ولكننى اكتشفت من خلال هذه المناقشات وقراءه بعض الاعتراضات على هذه الفكره هو ان النقض مبنى على اعتقادهم بان هذه الفكره مبنيه على بعض الافكار التى تبناها العلماء الملحدين مثل داوكنز وماركس وغيرهم ففى الاعتراض هم يعترضون بدون ان يدروا ليس على نظريه دارون بل على الفكر الالحادى الذى يتخذ من التطور ملجا لهم ولكن لو وضعنا فى الاعتبار فكره الخلق غير المباشر وان الله قد وضع قوانين التطور فى نواميس الطبيعه والكون ففى هذا حل لجميع الاعتراضات وعدم قبول الفكره فالكتاب المقدس ليس الغرضمنه فى فكر الله ان يوضح اويفسر كيفيه الخلق بل العرض هو حياه الانسان وخلاصه. فشكرا لك وللصدفه التى جعلتنى استرجع هذه الفكره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *