نظام الكوما في الموسيقا الكنسية البيزنطية (الجزء الثاني -الأنظمة المستخدمة)

هنالك نظامين مستخدمين بشكل شائع في الموسيقى البيزنطية هما نظام 68 كوما و نظام 72 كوما وسوف نبحث أدناه في جودة كل منهما على حدة.

أولاً -نظام 68 كوما

من الناحية الرياضية

(لفهم هذا القسم يجب مراجعة الجزء الأول)

في هذا النظام يعتبر البعد 9\8 ( بين ني و با ) مؤلفاً من 12 كوما، و البعد 16\15 ( بين فو و غا ) مؤلّفاً من 7 كومات و البعد 6\5 كما في السلم الملون القاسي ( بين فو المخفوضة و غا المرفوعة ) هو 18 كوما، نعلم أن: 6\5 = 9\8 × 16\15، و البعدان 9\8 و 16\15 متجاوران في السلّم الذياتوني؛ و لكن نجد أنّ 12 + 7 = 19 أي لا يساوي عدد الكومات المعبر عن البعد 6\5، و بالتالي البند الثالث في الشرط الثالث لا يتحقق هنا.

نجد أيضاً أنّ البعد ين 15\14 ( البعد بين ذي و كه في السلم الملون اللين ) و 16\15 كلٌّ منهما يحوي نفس عدد الكومات و هو 7، و هنا البند الثاني في الشرط الثالث لا يتحقّق.

في الواقع إذا ما حاولنا تطبيق الدستور الرياضي بشكل صحيح مع اعتبار عدد الكومات هو 68 يكون عدد الكومات في البعد 16\15 هو 6.33144، و بالتقريب 6 و ليس 7، و هذا ما يشير بأن واضع هذا التقسيم لم يكن على دراية حقيقيّة بالوسائل الرياضية الصحيحة لتحديد الكومات.

أيضاً قياس البعد 9\8 في هذا النظام هو

لغ ( 9\8 ) ÷ لغ ( 2  ) × 68 = 11.55 بالتقريب 12 و الخطأ هو 0.45 و مقداره بالسنت 0.45 × 1200 ÷ 68 = 7.9 سنت و هو مقدار خطأ غير مقبول إطلاقاً ( نشاز ).

فهذا النظام يفتقر إلى الدقة الرياضية.

من الناحية التاريخية

إن عدم وجود دقة رياضية يجعلنا نتساءل عن سبب اختيار العدد 68. لقد لاحظ الباحث السوري ميخائيل خليل الله ويردي[1]أن 68 ما هي إلا 17 × 4 و إليك ما يقوله في كتابه « فلسفة الموسيقى الشرقيّة »[2]:

«… و رتبوا كومات الديوان هكذا ( 12 9 7 12 12 9 7 ) و الإجمال 68 كوما و يظهر أن الأكثرية قبلت هذا الحل و سارت بموجبه لأنه في زعمهم مماثل لتقسيم السلم العربي ذي الـ 17 جزءاً[3]، فجعلوا كل جزء أربع كومات على اعتبار أنه متساوي الأجزاء، و لا عجب إذا خفي أمره عليهم، فقد خفي على مؤلّف عربي هو صاحب ( كتاب ) « نيل الأرنب » و غيره ممن عاشوا في زمن النور… و لا يعسر على من طالع « نيل الأرنب » و ما ماثله، أن يتصوّر ذلك السلّم الموهوم بدرجاته المتساوية هكذا ( 3 2 2 3 3 2 2 ) والإجمال 17 جزءاً، و بالكومات اليونانية ( 12 8 8 12 12 8 8 ) و الإجمال 68 كوما؛ و بما أن البعدين الثاني و الثالث متساويان في هذا التقسيم…، و بما أن المسافة الأولى منهما أكبر من الثانية عند الأتراك، و اليونان يجارونهم في هذا الرّأي إستئناساً بالسلّم الطّبيعي، لذلك جعلوا البعد الثاني من السلّم اليوناني الحديث تسع كومات و الثالث سبعاً كما تقدّم، و لا يخفى أنّ كلّ هذه الحلول لا تستند على نظام. فلمّا جاء المرحوم كريسندوس مطران ديراس، و ألّف مع رفقائه كتاب الموسيقى الكبير… كان تقسيم السلّم اليوناني ( 12 9 7 12 12 9 7 ) فقبلوه على علاّته. ».

و الواقع أن التقسيم إلى 68 كوما يشمل مفهوم التقسيم إلى 17 جزء و مفهوم التقسيم إلى 24 جزءاً أيضاً، ففي الأول يعتبر البعد الطنيني ( البعد بين ني و با ) ثلاثة أجزاء و في الثاني أربعة و في الـ 68 كوما هو 3 × 4 = 12 كوما، و هذا مما سمح بإدخال مصطلحات نصف درجة و ربع درجة و ثلث درجة في الموسيقى البيزنطية، و لكن هذه المصلحات أيضاً بقيت بدون تعريف واضح إذ إن النصف درجة حسب كريسندوس قد تكون 6 كوما أو غير ذلك، كذلك الربع درجة و الثلث درجة تأخذ عدّة مقادير مختلفة من الكومات.

إذاً هذا التقسيم غير مبني على أي أسس علمية و هو بجميع الأحوال لا يحقق معايير الجودة المطلوبة.

ثانياً – نظام 72 كوما

من الناحية الرياضية

تعطى قياسات السلم الموسيقي الذياتوني حسب هذا النظام بالشكل التالي :

12 10 8 12 12 10 8

إذا قمنا بحسب قياس البعد 10\9 ( بين با و فو ) حسب الدستور الرياضي نجد :

لغ ( 10\9 ) ÷ لغ ( 2 ) × 72 = 10.94 و بالتقريب 11 و ليس 10 كما يأتي في السلم و هذا ما يدلنا على أن هذا النظام قبل كل شيء ليس صحيحاً رياضياً.

لكن حتى لو صححنا القياسات نجد مثلاً أن قياس البعد 16\15 ( بين فو و غا ) يساوي :

لغ ( 16\15 ) ÷ لغ ( 2 ) × 72 = 6.7 و بالتقريب 7. مقدار الخطأ 0.3 و يساوي بالسنت 0.3 × 1200 ÷ 72 = 5 سنت و هو مقدار خطأ غير مقبول.

إذاً هذا النظام أيضاً غير دقيق رياضياً.

من الناحية التاريخية

قبل أن نتعرض إل تاريخية هذا النظام يجب أن ننتبه إلى شيء جدير بالملاحظة في طريقة اعتماد هذا النظام، و هو أن كل المراجع التي تذكره تأتي بها جميع الأبعاد بأعداد زوجية، هذا يعني أننا نحصل على نفس النتيجة لو اعتمدنا نظام 36 كوما و قسمنا قياس كل بعد على 2. لذلك عندما نتساءل عن تاريخية هذا الطرح يجب أن نبحث عن وجود سلم من 36 كوما يكون تركيبه كالتالي

6 5 4 6 6 5 4

لقد طُرح سلم 36 كوما أول الأمر في المجمع القسطنطيني سنة 1888 و يبدو أنه متأثر بالسلم الغربي المعروف الذي يقسم إلى 12 كوما ( 12 نصف تون ) حيث 36 = 12 × 3. و تبناه بعد ذلك الأستاذ التشيكوسلوفاكي إلويز هابا[4] في طرحه أمام مؤتمر الموسيقى العربية بحجة أن درجتي فو و زو تقعان في هذا السلم في مكان وسط بين موضعيهما في السلم التركي ( و البيزنطي ) و موضعيهما في السلم العربي المستخدم حالياً حيث تنخفض درجتي السيكاه و الأوج في السلم العربي عن درجتي فو و زو قليلاً. هذا الطرح تعوزه الحجة العلمية فمفهوم الحل الوسط غير مقبول موسيقياً إذ كثيراً ما يكون الحل الوسط بين درجتين موسيقيتين صحيحتين نشازاً. هذا عدا عن أن خفض درجتي السيكاه و الأوج في الموسيقا العربية لقي نقداً من عدد غير قليل من علماء الموسيقى العرب المعاصرين لكن هذا خارج نطاق بحثنا. و لم يلق طرح الأستاذ هابا أي قبول في المؤتمر المذكور.

بجميع الأحوال كانت القياسات المحددة في هذين النظامين حبراً على ورق والمرتلون يرتلون حسب القياسات الحقيقية بنسب التردد إذ لم تكن الآلات إلكترونية أو البرامج الحاسوبية التي تستطيع عزف القياسات المحددة بالكوما موجودة حتى نصف القرن العشرين وحتى اليوم ما تزال قليلة الانتشار.

إن شاء اله في الأجزاء التالية سنحاول وضع صيغة رياضية لاستخراج النظام الأفضل ومحاولة إيجاده


[1] ميخائيل خليل الله ويردي ( 1904-1981) باحث موسيقي من سكان دمشق و من أصل تركي. توجد أيقونة مقدمة باسمه في كنيسة المريمية في دمشق.

[2] “فلسفة الموسيقى الشرقية” الطبعة الثانية ص 117.

[3] هو سلّم العالم صفي الدّين الأرموي المؤلّف من سبعة عشر بعداً غير متساويين، أما السلّم المؤلّف من سبعة عشر بعداً متساوياً لم يكن له وجود يوماً وسبب الالتباس يعود إلى صفي الدين نفسه الذي وضع هذا السلم في كتابه “الأدوار” إذ أنه لم يكن على دراية قوية بالرياضيات فلذلك و مع أنه يحدد أبعاد السلم الموسيقي غير المتساوية إلا أنه  في أكثر من موضع تعامل معها و كأنها متساوية، و قد وقع في هذا الالتباس أيضاً الكثير من الباحثين الموسيقيين و منهم توفيق ميشيل الصباغ في كتابه “الدليل الموسيقي العام – الأنغام الشرقية” الصادر سنة 1954 حيث يذكر فيه وجود سلمان عربيان من 17 جزء أحدهما بأجزاء متساوية و الآخر بأجزاء غير متساوية.

[4] المرجع السابق ص 118.

4 تعليقات على “نظام الكوما في الموسيقا الكنسية البيزنطية (الجزء الثاني -الأنظمة المستخدمة)”

  1. شكراً لك معلومات مفيدة وجيدة . يجب نشر هذه المعلومات بشكل أوسع مثل الصحف المجلات كتب الكترونية لكي تصل الى عدد أكبر من القراء

    وشكراً

  2. شكراً يا تقدم على اهتمامك! إن شاء الله عندما تنتهي السلسلة سوف أحملها على شكل كتاب إلكتروني قابل للتحميل المجاني، أما عن الانتشار فأنت بنفسك قادر على المساهمة في انتشار هذه المقالات عن طريق إخبار الآخرين عنها فهي موضوعة على الإنترنت مجاناً وبإمكان أي شخص في العالم مشاهدتها

  3. الأخ والصديق العزيز رامي
    قرأت من يومين أنه في لجنة عام 1881 تم تقرير اعتماد تقسيم السلم الموسيقي البيزنطي إلى 72 كوما بدلاً من ال68 التي كان خريسانثوس قد وصفها في كتابه (ميغا ثيوريتيكون).
    ويتبادر إلى ذهني تعليق أحد الأساتذة الذين تتلمذت لهم أن هذه الأرقام ما هي إلا دلالات لتشير إلى الفروق بين الدرجات أكثر من كونها أرقاماً فعلية. وهذا ما أثبتته في دراستك وتحليلك للأرقام.
    أنا لم أتوسع يوماً في تحليل هذه الأرقام كما ذكرت سابقاً لذا لست مؤهلاً للتعليق على المقال، إنما أحببت ذكر هذه المعلومة التي وردت إلى مسامعي.
    ولكم الشكر الجزيل

  4. صحيح أن هذه الأرقام حالياً (بنظام 72) هي مجرد أرقام لا تعبر عن الواقع لكني أسعى هنا لوضع أرقام صحيحة تعبر عن الواقع ويمكن استخدامها في التعليم وفي التطبيق أيضاً. مثلاً الأجهزة الإلكترونية القادرة على الضبط الدقيق للدرجات متوافرة بكثرة ومن فترة ليست بالقصيرة وإذا أراد أن يعزف أحدهم السلم الموسيقي البيزنطي على أحد هذه الأجهزة مستعملاً الأرقام الواردة بنظام 72 فإنه بالتأكيد سيصاب بالخيبة ( هذا إذا كانت أذنه موسيقية وشعر بالنشاز ).

    من ناحية ثانية إن الأخطاء الواردة في هذا النظام تؤدي إلى سوء فهم وبالتالي إلى الوقوع بأخطاء قاتلة، مثل ذلك ما ذكره الأستاذ جوزيف يزبك في المنهاج الذي وضعه لتعليم الموسيقى البيزنطية، فقد ذكر أن السلم الأنرموني هو نفسه السلم الغربي المعدل وهذا خطأ كبير وما أوقعه في هذا الخطأ هو نظام الـ 72 كوما، كذلك قاده هذا الاخطأ إلى خطأ أكبر وهو وضع المنهاج التعليمي بناء على السلم الغربي معتقداً أنه أحد السلالم البيزنطية وهذه مشكلة كبيرة جداً لأنه يعني فقدان الحس الشرقي الأصيل.

    إن كان لديك مرجع يذكر أن النظام 72 كوما اعتمد في العام 1881 أرجو أن تذكره لي. وبالمناسبة لقد قرأت تعليقك الجديد على موضوع تاريخ الموسيقى البيزنطية. ربما يكون لنا لقاء جديد في تدوينة جديدة حول تاريخ الموسيقى البيزنطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *