خلق آدم بين النص الكتابي والعلم (الجزء الثالث – نص قصة التكوين)

النوع الأدبي لقصة التكوين :

كما قلنا إن النوع الأدبي لقصة التكوين هو الميثولوجيا إنما تلك منها التي تبحث في تفسير الظواهر الطبيعية بإرجاعها إلى علل أكثر شمولاً.

هذا عن النوع الأدبي لكن مع ذلك نرى بعض الفروقات بين قصة التكوين والميثولوجيا المعاصرة لها أو السابقة لها. فبمقارنتها نجد ما يلي :

  1. ترجع قصة التكوين في الكتاب المقدس الخلق إلى علته الأولى ( الله ) وليس إلى قوانين أو علل ثانوية لكن دون أن ينفي ذلك وجود قوانين طبيعية يسير الخلق بموجبها.
  2. تشترك في وصف العالم المحيط بالإنسان وطريقة تشكله مع ما هو معروف علمياً لكل الناس في تلك الحقبة، ولا تحاول افتراض وجود أي شيء مختلف.

أي أنها بعبارة واحدة صيغة مماثلة في الأسلوب للميثولوجيا التي تحاول تفسير الظواهر الموجودة بالكون لكنها تريد القول هنا فحسب أن الله هو خالق كل شيء بالإضافة لأمور عقائدية أخرى تتعلق بالخلق سوف نحاول استيضاحها.

يمكننا مقارنة هذه القصة بنص آخر مشابه في الموضوع ضمن الكتاب المقدس وهو المزمور 103 ( أو 104 في بعض النسخ ) “أيها الرب إلهي لقد عظمت جداً … “، والفرق بين النصين هو في النوع الأدبي حيث أن المزمور هو عبارة عن قصيدة شعرية يكثر فيها إبراز مشاعر التعظيم والإجلال، وكذلك إن قصة التكوين تتحدث عن بدء الزمن والخلق، بينما الثانية عن تمجيد صنعته بدون ذكر بدء الزمن، وربما أنه بسبب أن قصة التكوين تتحدث عن بدء الزمن جاءت لذلك في أول الكتاب وذلك حسب الترتيب التاريخي لموضوع النص وهي طريقة الترتيب السائدة المتبعة في كل الكتاب المقدس منذ بداية العهد القديم وحتى نهاية العهد الجديد.

من كتب قصة التكوين؟

كان يعتقد قديماً بأن موسى هو كانت الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس، فهو بالتالي كاتب قصة التكوين، لكن هذا الاعتقاد ينهار بسهولة أمام البحث العلمي.

تشير بعض الدراسات إلى أن من كتب التكوين هم الكهنة اليهود المنفيين إلى ما بين النهرين، الذين أخذوا من النصوص التي اطلعوا عليها هناك إنما قاموا بالحذف منها والتعديل فيها والإضافة عليها بما يناسب العقيدة اليهودية، وقد يكون غاية ذلك الحفاظ على اليهود من تأثيرات عقائدية غريبة، أو تعريف الشعوب غير اليهودية بالعقيدة اليهودية وذلك عن طريق استعمال نفس الصور التي تستعملها هذه الشعوب وحذف ما يعتبره اليهود خطأً عقائدياً، أو الأمرين معاً.

إن اقتباس الكهنة اليهود عن الغير استعمل كثيراً حجة من أجل التشكيك في مصداقية الكتاب المقدس وقدسيته، لذلك سنتعرض لهذا الأمر باختصار.

كما ذكرت في الجزء الأول، إن فهمنا للوحي يجعلنا نقبل بأن تكون نصوص الكتاب مقتبسة عن مصادر بشرية وأن تكون في آن واحد من وحي إلهي، وهنا سنبحث في مثال عملي عن هذا.

يخلص المفكر السوري فراس السواح في كتابه “مغامرة العقل الأولى” بأن نص قصة الخلق الأولى إما اقتبس عن النص البابلي “إنيوما إيليش” الذي يرجع إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد بسبب التشابه الكبير بينهما، أو أن كلا النصين قد أخذ عن مصادر أقدم، والتشابهات بين النصين هي كالتالي: تسلسل وجود المياه الأولى ثم خلق النور فالسماء فالأرض فالأجرام السماوية فالإنسان وأخيراً استراحة اليوم السابع. هذه هي التشابهات أما الاختلافات والتي لا يذكرها فراس السواح في كتابه فهي كثيرة جداً جداً فالـ “إنيوما إيليش” تزيد على ثلاثين صفحة ( أكبر بثمانية مرات تقريباً من نص الكتاب المقدس ) وهي مليئة بكل أنواع السخافات الدينية والعقائدية وهناك اختلاف عقائدي كبير بين النصين. فبينما تذكر “إنيوما إيليش” تعدد الآلهة والصراع فيما بينها وصفات كثيرة لها لا تليق بالله يعطي الكتاب صورة تنزيهية مدهشة عن الله الخالق، وأيضاً في الـ “إنيوما إيليش” مردوخ خلق البشر من أجل خدمة الآلهة بينما في الكتاب خلق إيلوهيم الإنسان على صورته كمثاله ليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء والبهائم وجميع وحوش الأرض وجميع الحيوانات التي تدب على الأرض. فما الذي جعل كاتب قصة الخلق يتجاهل الأمور الأخرى من “إنيوما إيليش” والتي هي أكثر بكثير مما أخذه عنها؟ أو إذا فرضنا أن النصان قد اقتبسا عن مصدر سابق فما الذي منع الكاتب أن يورد مثل هذه الهرطقات التي نجدها في النص البابلي؟ إن إيماننا المسيحي هو أن وحي الروح القدس أرشده إلى ذلك، أما غير المؤمن لا يستطيع بجميع الأحوال أن يقول بأن نص الكتاب ما هو إلا اقتباس عن نصوص سابقة لا أكثر.

تأملات في معاني قصة التكوين :

يبدأ النص بالشكل “في البدء خلق الله السماوات والأرض” أو بترجمة أكثر دقة “لما بدأ الله (لما شرع في عمل الخلق) خلق السماوات والأرض …

لما بدأ … خلق” أي لم يكن وجود لا لسماء ولا لأرض لا عالم السماويات ولا الأرضيات قبل أن يبدأ الله في عمل الخلق فهنا يقول النص صريحاً بالعدمية قبل الخلق. لكن من جهة أخرى لا يذكر النص هنا وجود “عدم” قبل الخلق ذلك أنه لا يذكر أي وجود للزمن قبل الخليقة إذ أن الزمن يبدأ مع بدء الخليقة.

في البدء خلق الله السماوات والأرض” هذه الجملة كشف عظيم لا سابق لها في نصوص الشعوب القديمة، وهي بدون شك العبارة الأكثر تأثيراً في تاريخ الفكر والحضارة البشرية والأساس الذي تقوم عليه كل الأديان السماوية، والعقيدة التي يتفق عليها أغلب سكان العالم اليوم، رغم أنه حتى اليوم يوجد من ينكرها.

لفظة الله في العبرية تأتي “إيلوهيم” بصيغة الجمع ( الياء والميم علامة جمع في اللغة العبرية )، وهو حسب الآباء أول ذكر للثالوث في الكتاب المقدس، ربما يظهر هذا للبعض أنه نوع من التأويل وأن سبب الجمع هو أن الكاتب قد اقتبس من نصوص ثقافات تعتقد بكثرة الآلهة، في الواقع يبدو أن هذا صحيح! لكن لننظر معاً إلى أحد هذه النصوص وهي أسطورة “إنيوما إيليش” السابقة الذكر التي ترجع إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد والتي من المحتمل جداً أن تكون رواية الخلق الأولى قد اقتبست عنها “عندما في الأعالي لم يكن هناك سماء وفي الأسفل لم يكن هنالك أرض، لم يكن من الآلهة سوى أبسو أبوهم وممو وتعامة التي حملت بهم جميعاً يمزجون أمواههم معاً” واضح هنا ذكر لثلاثة آلهة يبدو أن كاتب رواية الخلق الأولى باسترشاد الروح القدس قد آثر عدم ذكر أسمائهم ربما خوفاً من ربط فكرة الله الحقيقي “إيلوهيم” بهذه الآلهة التي لها صفات كثيرة لا تنسجم مع العقيدة اليهودية، إنما الأسطورة السابقة قد لا تحمل معنى تعدد الآلهة بل الألوهة الواحدة في ثلاثة وإن كان بتعبير ضعيف “يمزجون أمواههم معاً”. يعلق المفكر فراس السواح على النص السابق قائلاً “هي كيانات غير مستقلة بل متمازجة متداخلة، دون حدود تفصل بينها. أي بالمفاهيم اللاهوتية المعقدة : ثلاثة في واحد. لأنه لا معنى لقيام ثلاثة كيانات مائية مستقلة، بينما هي في الآن ذاته في حالة تمازج واختلاط أزليين”. ( “الأسطورة والمعنى” ص 94 ). أي حتى لو كان كاتب رواية الخلق قد استند إلى نص سابق ( وهذا أمر مرجح ) فهذا لا ينفي بل يدعم على أن “إيلوهيم” تعني التثليث بالمعنى المسيحي الصحيح ( أرجو ألا يستنتج أحد من ذلك أن عقيدة التثليث المسيحية أتت من هنا، إذ إن النص الكتابي لا يذكر الثالوث بشكل مباشر! ).

ما هي “السماوات” المقصودة هنا؟ السماء التي هي بمعنى السماء التي تقع فوق الأرض وتحوي النجوم والشمس والقمر لا يمكن أن تكون المقصودة هنا إذ لم توجد هذه حسب النص إلا في اليوم الثاني. يقول البعض حول هذا الأمر أن العبارة الأولى “في البدء خلق الله السماوات والأرض” هي مقدمة تلخص عملية خلق الله وما يأتي بعدها هو تفصيل عملية الخلق وبالتالي السماوات في الآية الأولى هي نفسها السماء في الآية الثامنة، إلا أننا بهذه الفرضية سنجد صعوبة كبيرة في إيجاد نقطة الفصل بين المقدمة وما يليها ولا منطقية في سياق الكلام، ويؤكد القديس باسيليوس الكبير هنا بأن السماوات التي ترد في الآية الأولى هي غير السماء في الآية الثامنة، فالأولى ذات معنى روحي وهي تدعى مسكن الله حسب الكتاب وهي التي نعنيها بقولنا “أبانا الذي في السماوات” وخلق السماوات يعني أيضاً خلق ما فيها من أرواح سامية ( ملائكة ).

فما هي “الأرض“؟ يبدو أن الأرض هنا عبارة عن كتلة من المياه سيفصلها الخالق فيما بعد إلى سماء وإلى ما تحت السماء والذي سينقسم بدوره ( ما تحت السماء ) إلى يابسة وبحر، فالأرض تعني كل العالم المادي بنظر كاتب ذلك الزمان، وهي مؤلفة من مياه وذلك ربما باعتبار أن المياه لها وجود مادي وبنفس الوقت ليس لها شكل أو لون محدد.

و كانت الأرض غير مرئية وغير مشكلة وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله يرف على سطح المياه” ( النص السبعيني )

إن كون الأرض غير مرئية وغير مشكلة وعلى وجه الغمر ظلام لا يشير بأية حال إلى أن الله قد خلق شيئاً سيئاً في البدء ومن ثم أدخل عليه تحسينات، كما لا يشير أيضاً إلى أن المادة وجدت قبل عمل الله وشكّلها هو فيما بعد، لأن العبارة الأولى “لما بدأ الله خلق السماوات والأرض” تتقدم على هذه العبارة، فالنص يقول صريحاً بأن الله هو خالق كل الخليقة. فهذه الآية فليست سوى مقدمة تقول بأن النور لما يخلق بعد ( اليوم الأول ) وأن الأرض لما يتشكل شكلها بعد ( اليوم الثالث ) ولما تنفصل المياه بعد إلى سماء وما تحت السماء ( اليوم الثاني ).

للأسف إن كلمة “خربة” بدل “غير مشكلة” التي ترد في بعض الترجمات العربية اجتهاداً تشير إلى معنى سلبي لا يليق بعمل الله ولا ينسجم مع روح النص أو معناه.

“و روح الله يرف على وجه المياه” روح الله عقائدياً لا يعني إلا الروح القدس، كلمة “يرف” هنا تأتي غريبة جداً، يقول القديس باسيليوس الكبير مستنداً على كاتب سرياني، بأن معنى الكلمة الأصلي هو “يحضن” بمعنى حضن الدجاجة لبيضها، نجد تشبيهاً قريباً من هذا في سفر التثنية ( ص 32 : ع 11 ) “كالعقاب الذي يُثيرُ عشه وعلى فراخه يرفرف“. والمياه قلنا هي الكون الذي لم يأخذ شكلاً بعد، فالعبارة بلغتنا الحالية هي “و روح الله يحضن الكون”، وقد وجد الآباء في هذه العبارة إشارة إلى اشتراك الروح القدس في عمل الخلق.

لقد اعتدنا إجمالاً على الفكرة العلمية القائلة بأن الكون قد أخذ وقتاً لكي يتطور وليكون على الشكل الذي نعرفه اليوم، لكن هذا لم يكن معروفاً لكاتب هذا النص، إذاً هنا سؤال يجب أن يسأل، لماذا استغرق الخلق حسب النص ستة أيام؟ هل يحتاج الله إلى فترة زمنية لكي يخلق العالم؟

بغض النظر عن القصص التي اقتبس عنها الكاتب، إلا أنه يظهر بوضوح حسب النص أن استغراق الخلق فترة من الزمن ليس بسبب عجز في الخالق، فالله قد خلق “في البدء” السماء والأرض، وهو أيضاً الذي خلق النور والنهار والليل وجعل النيرين العظيمين ( الشمس والقمر ) للحكم على الأوقات أي أنه يقول ما معناه في لغتنا العصرية أن الله هو خالق الزمن فهو بالتالي أيضاً منزه عن الزمن، ولا يقول النص أبداً أن هذه الأيام الستة هي من عمر الخالق بل من عمر الخليقة.

إذاً لماذا تم الخلق على مراحل؟ لا يمكننا هنا إلا أن نرى أن الكاتب يقول بتطور نشوء الكون شيئاً فشيئاً وهذا الأمر موجود في نصوص سابقة لنص الكتاب المقدس ويبدو أنه لم يجد الكاتب بوحي الروح القدس في ذلك ما يخالف من حيث المبدأ الإيمان القويم.

إن شاء الله في الجزء التالي سوف نتعرض لأيام الخلق الستة بشيء من التفصيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *