المنطق الضبابي (3) – تابع الانتماء

لقد تحدثت في التدوينتين السابقتين عن تعريف المنطق الضبابي وتطبيقاته العملية. في هذه التدوينة سوف أتعرض لما يسمى تابع الانتماء (الانتماء إلى مجموعة ضبابية).

تحذير … هذه التدوينة تحوي معادلات رياضية فيها شيء من التعقيد، ينصح بعدم قراءتها من كل من يشعر بالرعب من الرياضيات!

كما وجدنا المنطق الضبابي يتعامل مع قيم صحّة غير حدية بالضرورة، أي ليست فقط خطأ (0%) أو صواب (100%) بل قد تأخذ قيمة الصحة أية قيمة تقع بين هاتين القيمتين. مثلاً إذا كان طول باسل 170 سم فالقضية “باسل طويل” ليست صحيحة مئة بالمئة وبالمقابل من غير الممكن وصفه بأنه غير طويل أي قصير، بل يمكن القول أن باسل طويل بنسبة 75%. السؤال هو كيف نحدد القيمة 75% وعلى أي معيار يكون ذلك؟ فلم تكون 75% وليس 68.5% مثلاً؟

في الحقيقة للإجابة على هذا السؤال يجب أن ننتقل من عالم الرياضيات النظرية البحتة إلى عالم الرياضيات التطبيقية، التي تشمل بعض فروع الرياضيات مثل علم الإحصاء الذي يقوم بمحاولة للمطابقة بين توابع رياضية والمقاربة البشرية لوصف ظواهر طبيعية أو اجتماعية، وهنا سنقوم بنفس الأمر، سنقوم بمحاولة وضع صيغ لتوابع تعبر بشكل جيد عن المقاربة البشرية في وصف الظواهر المختلفة.

إنّ أبسط طريقة لوضع قيم قيمة الصحة لظاهرة ما هي في تقسيم الظاهرة المراد دراستها إلى مجالات ووضع قيمة صحّة لكل مجال من هذه المجالات، مثلاً يمكن القول أنه إذا كان الرجل البالغ طوله 50 سم فأقل فهو ليس طويلاً بالمرة أي طويل بقيمة0%، أما إذا كان بين 50 سم إلى أقل من 150 سم فهو طويل قليلاً جداً، مثلاً طويل بقيمة 20%. أما إذا كان بين 150 و165 سم فهو طويل قليلاً وقيمة صحة القضية 40%، إذا كان بين 165 و175 سم فهو متوسط الطول قيمة صحة القضية 60%، أما إذا كان بين 175 و185 سم فهو طويل بشكل جيد وقيمة صحة القضية 90% أما أكثر من 185 فهو طويل وقيمة صحة القضية 100%. انظر المخطط البياني.

المخطّط البياني لتابع الانتماء بالمجالات ( المحور الأفقي يمثّل الطول والمحمور العمودي يمثّل قيمة صحّة القضيّة )

المخطّط البياني لتابع الانتماء بالمجالات ( المحور الأفقي يمثّل الطول بالسنتمتر والمحور العمودي يمثّل قيمة صحّة القضيّة )

للأسف هذه الطريقة تجعل المنطق الضبابي يرث مشكلة من المنطق التقليدي يفترض به أن يتجاوزها، وهي مشكلة الحدّيّة، أي إنه إذا كان طول الشخص 174.995 فإنه يكون في فئة طول معينة، بينما إذا كان طوله 175.005 فإنه يصبح في فئة طول مختلفة، والطريقة البشرية المنطقية في النظر إلى الأمر لا يوافقها هذا، فالفرق بينهما هو 0.01 سم، أي واحد على عشرة من المليمتر ومن غير المقبول أن يكون هذا كافياً للتفريق بين فئتين، حتى أن هذه الطريقة يمكن الاستعاضة عنها بالمنطق التقليدي عن طريق تعقيد القضية قليلاً، فبالنهاية إما أن يكون طول الشخص ضمن فئة معينة أو لا يكون، وبوضع مجموعة محدودة من القضايا يمكن باستخدام المنطق التقليدي التعبير بدقة عن طريقة التقسيم أعلاه.

إن هذا يجعلنا نعتقد أن تابع الانتماء يجب أن تكون له صفة مستمرة أي أن قيمته تتغير باستمرار بتغير قيمة القياس.

أبسط صيغة للتابع المستمر هي التابع الخطّي ويمكن تطبيقها في حالتنا هنا بالشكل التالي، لنفرض أن الطول الذي هو 50 سم فأقل يعتبر بالغ القصر أو عديم الطول، أما ما بلغ 210 سم فأكثر فهو بالغ الطول، عندئذ أي طول هو 50 سم فأقل تبلغ قيمة صحة القضية عنده 0% وأي طول يبلغ 210 سم فأكثر تبلغ قيمة صحة القضية عنده 100% وبين هاتين القيمتين تكون صحة القضية بحسب قربها وبعدها عن هذين الحدين، أي تكون

قيمة صحة القضية = ( الطول المقاس – 50 سم ) ÷ ( 210 سم – 50 سم )

وبتعبير رياضي آخر تساوي

قيمة الصحة = الطول\160 – 0.3125

وهو تابع خطّي، وفي الرسم البياني يظهر بشكل خط مستقيم.

مخطط بياني تابع الانتماء الخطّي

المخطط البياني لتابع الانتماء الخطّي

تبدو هذه الطريقة مناسبة للوهلة الأولى، لكن .. مثلاً ماذا لو كان طول أحدهم 300 سم؟ لا شك أنه طويل للغاية ولكن هل يمكن وضعها في نفس الخانة مع الذي طوله 210 سم؟ إن طفلاً صغيراً سيرى ببساطة العيب في هكذا مقاربة، فصحيح أن كلاهما طويل ولكن لا يمكن القول أن صحة قضية طول كل منهما متساوية.

نحتاج إذاً إلى تابع رياضي يقترب من الواحد ولكن لا يصل إليه أبداً، فكلما ازدادت القيمة المقيسة يجب أن يزداد مقدار صحة القضية ولو بمقدار قليل.

لن أطيل كثيراً وسأورد التابع الذي يعطي هذا الناتج وهو بالشكل التالي:

image003

حيث x هي القيمة المقيسة، e هو العدد النيبيري المعروف في الرياضيات ويساوي تقريباً 2.718، λ عدد موجب وهو يؤثر على مدى انحناء الخط البياني.

طبعاً يمكن استخدام أي عدد موجب غير e في هذا التابع وسيعطي نفس النتيجة مع تغيير العدد λ، إلا أنّ الرياضيين يؤثرون استخدام العدد e في التوابع الأسية وذلك لأسباب لا مجال لذكرها هنا.

العدد λ يمكن تحديده من تحديد نقطة على الخط البياني، مثلاً إذا كان طول باسل 170 سنتمتر، وقلنا أن صحة القضية عندها 0.75 ( أو 75% ) فعندئذٍ يمكن حساب λ من المعادلة السابقة بالشكل:

image004

إن أهمية λ العملية تكمن في أنه يمكن استخدامها لجعل النتيجة غير متعلقة بواحدة القياس المستعملة، فمثلاً إذا كانت x في المعادلة السابقة وفي مثالنا تحسب بالمليمتر بدل السنتمتر فما علينا سوى قسمة λ على 10 ونحصل على نفس قيمة الصحة لنفس الطول.

المخطّط البياني تابع الانتماء الأسّي

المخطّط البياني تابع الانتماء الأسّي

لقد قدّمت المثال أعلاه عن الطول والتابع المناسب للتعبير عنه لأن هنالك الكثير من الظواهر الفيزيائية التي نفس الخاصية في أنها تبدأ من الصفر وليس لها حدود محددة لأعلى قيمة يمكن أن تصل إليها، مثل درجة الحرارة ( التي تبدأ من الصفر المطلق، الوزن، القوة، السرعة، شدة الإضاءة … الخ )، لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن وضع صيغ أخرى لهذا التابع تناسب حالات مختلفة.

2 تعليقات على “المنطق الضبابي (3) – تابع الانتماء”

  1. صفية عبدالله أضاف بتاريخ

    موضوع ممتاز اعطى فكرة شاملة عن الموضوع
    ارجو تقديم موضوع تطبيق المنطق الضبابى فى الاحصاء تحديدا السلاسل الزمنية

  2. ghada أضاف بتاريخ

    لقد قرات موضوعك حول المنطق الضبابي وانا كذلك اختصاصي رياضيات هل لديك الرغبة بالاشتراك معي ببحث حول هذا الموضوع مع الشكر. اذا احببت الفكرة ارجو مراسلتي على ايميلي.

شارك بتعليقك