خلق آدم بين النص الكتابي والعلم (الجزء الرابع – الأيام الستة)

بالتمعن قليلاً في النص نلاحظ أن الأيام الستة هي ثلاثيتين متتاليتين متوازيتين حيث الأيام الرابع والخامس والسادس توازي الأول والثاني والثالث على الترتيب، في اليوم الأول خلق النور وفصل النهار عن الظلام وفي اليوم الرابع وضع الشمس والقمر لحكم النهار والليل، في اليوم الثاني فصل بين السماء والمياه تحت الجلد وفي اليوم الخامس خلق الطيور والأسماك لتسكن على وجه الجلد وفي المياه تحته، في اليوم الثالث فصل بين البحر واليابسة وأنبت النبات على الأرض وفي اليوم السادس خلق الحيوانات والإنسان لتسكن الأرض. إذا نجد وجود نظام هندسي متجانس في ترتيب الأيام، ونجد أن الله هيأ المكان المناسب قبل إيجاد ساكنه والحاكم عليه وهذا إظهار لعظم محبة الخالق وحسن تدبيره.

لا يوجد مانع عقائدي في الأخذ بالنظريات العلمية التي تشرح وتفسر بالتفصيل تطور العالم ليصبح على ما هو عليه، لكن عندما يستنتج من ذلك بعض العلمانيين أن الكون والحياة تشكلا بالصدفة فهذا بالتأكيد يخالف النص ويخالف العقيدة الأرثوذكسية، فمهما كانت طريقة التكوين فقد كانت ضمن إطار حسن تدبير الخالق وعنايته، إن نظرية التكوين بالصدفة ليست نظرية جديدة فقد سبق أن تصدى لها القديس باسيليوس الكبير في القرن الثالث الميلادي.

في اليوم الأول خلق الله النور. النور هنا هو النور الطبيعي المخلوق فالله هو خالق النور فهو إذن منزه عن النور المخلوق، ولكن النور “حسن” إذن من الجائز أن نصف الله به بقولنا “الله نور لا ظلام فيه” ( 1 يو 1 : 5 ) والنور الذي يقصده الرسول يوحنا اللاهوتي في رسالته بقوله “الله نور” ليس هو النور المخلوق، دليل ذلك قوله “لا ظلام فيه” وهذا ما لا يمكن أن يقال عن النور المخلوق كنور الشمس مثلاً، إذ في حالة هذا النور ( المخلوق ) نقول أن الظلمة لا نور فيها بينما من الممكن أن يزداد النور بشكل نظري إلى درجات ليس لها حدود وحتى أنه لها في أيامنا واحدة قياس فيزيائية معروفة لقياس شدة الإضاءة. فبالنسبة للنور المخلوق الظلمة هي الوجود البسيط بينما النور هو التعقيد المضاف، أما في حال النور غير المخلوق فالله النور هو الوجود البسيط بينما الظلمة ( الشر ) هي التعقيد المضاف. إذاً الله خالق النور هي إشارة أيضاً إلى أن الله نور.

في صباح اليوم الثاني كان قد انتهى اليوم الأول، فتابع الله الخلق، الله لا يعمل إلا في النور ولا يعمل في الظلام، فهو يظهر عمله فتراه الخليقة بأسرها وتمجده.

قال الله ليكن جَلَدْ“. كان يُعتقد قديماً ولفترة زمنية طويلة بأن الجَلَد هو حجاز متين محاط بالمياه ويشكل القبة السماوية التي نراها، من شقوقه تسيل مياه المطر ومن تصدعه أحياناً نسمع صوت الرعد، طبعاً هذه الاعتقاد عفا عنه الزمن ولا تصح مقاربة الجلد هنا بالغلاف الجوي، إذ أن الغلاف الجوي لم يكن له وجود بنظر الكاتب، ويبدو أن الهواء كان بنظره مرادفاً للخلاء.

إلا أنه في اليوم الثاني بشكل استثنائي بعد أن أمر بوجود الجلد صنع الله الجلد” وأسماه سماءً.

لا شك أن الكاتب أراد أن يظهر لنا هنا عظم قدرة الخالق، وهي الصفة الثانية التي يأتينا بها “الله قدير“.

في اليوم الثالث بخلاف الأيام الخمسة البقية هنالك عملان، أولاً تجميع المياه وظهور اليبس، ثم إنبات النبات والأشجار المثمرة. يقول الكاتب هنا أن الله لا يخلق الأرض صحراء قاحلة، بل ما إن خلقها وضع فيها النبات والثمار أي الخير. وهذا الخير هو “حسن” ولهذا يجوز أن نصف به الله بأنه “خيِّر” وهي الصفة الثالثة هنا فالله خيّر أي الخير غير المخلوق الذي يرمز إليه الخير المخلوق أي نعمة الروح الإلهي.

لا يمكن إلا أن نلاحظ تشديد الكاتب على أن عمل الله في الخلق هو في إيجاد تباين بين الموجودات، الظلام والنور في اليوم الأول والسماء والأرض في اليوم الثاني والبر والبحر في اليوم الثالث، الفكرة الفلسفية جريئة وذكية فعلاً، فالوجود المادي هو في الحقيقة في التباين والاختلاف، وبدون التباين ليس هنالك من وجود حتى. حسب الاصطلاح الفيزيائي الحديث نقول أن الله أوجد انتروبية ( اعتلاج ) عند الخلق.

تنتهي هنا الثلاثية الأولى وتبدأ الثلاثية الثانية، بينما كانت أعمال الله في الأيام الثلاثة الأولى رموزاً لأمور أسمى، فإن أعمال الله في الأيام الثلاثة التالية تشير بوضوح إلى الله خالق الكون وكل ما هو فيه.

في اليوم الرابع صنع الله النيرين العظيمين ( الشمس والقمر ) لحكم النهار والليل ولتكون علامات للمواسم والأيام والسنين.

إذا لقد وضع الله بواسطة هذين النيرين نظام لضبط الأزمنة، بمعنى آخر وضع قانونا ونظاما تسير عليه المواسم والأيام والسنين وما إن وضع هذا النظام وهذا القانون حتى أصبح ثابتا في الطبيعة لا يتغير إلا بإرادة واضعه وحدها.

إذا أردنا أن نوسع هذا المفهوم حسب لغة عصرنا نقول إن الله قد وضع القوانين في الطبيعة، ويطرح هنا مفهوم لاهوتي قد أخذ جدلا واسعا فيما بعد لاسيما بين المفكرين المسلمين، حيث قال بعضهم أن الله يتدخل في الطبيعة بشكل مباشر في كل ظاهرة تحدث، وينكرون بذلك أن للكون أنظمة وقوانين تحكمه، بينما في الكتاب المقدس ومنذ بدايته هنالك وضوح في هذه النقطة لا يقبل الجدل، فالله خلق الطبيعة ذات قوانين تحكم الظواهر التي تحدث فيها.

و هذا ما يشير بوضوح إلى الله قانوناً لكل الخليقة، الله الآب.

لم يسمّ الكاتب الشمس والقمر بأسمائها، بل قال “النيّر الأكبر والنيّر الأصغر” وعلى الأرجح كان ذلك تقليلاً من قيمتهما بسبب أن الشعوب المجاورة كانت تؤلههما.

قد نستغرب هنا خلق الشمس والقمر بعد خلق النور، وكذلك بعد خلق النباتات، إذ إننا ندرك أن النور ليس إلا نتيجة لوجود الشمس، كما أن النباتات كائنات حية بخلاف الشمس والقمر لذلك كان يجب أن تأتي بعدها انسجاماً مع سياق النص الذي يتدرج في الحياة من الأبسط إلى الأعقد، لكن يجب أن نقرأ النص حسب فهم ذلك العصر، فلم يكن من الواضح جداً ربط النور بالشمس سوى بوجود ربط زمني بين ظهور الشمس وظهور النور عُبِّر عنه بالقول أن الشمس كانت من أجل ضبط النهار، كما أن القمر والشمس والكواكب كانت تعتبر أحياء بحكم أنها تتحرك في السماء، بينما النبات كان يعتبر نوع أولي من الحياة أو بين الجماد والحياة بحكم أنه لا يمكنه أن يتحرك.

قلنا أنه في اليوم الثاني كما وجدنا فصل الله بين المياه التي فوق الجلد والمياه التي تحت الجلد، لكن ما هي هذه المياه؟ مازالت حسب النص عبارة عن لا شيء، لا شكل لها ولا وجود حقيقي. في اليوم الخامس وضع الكائنات في المياه التي تحت الجلد ( البحار ) والمياه على وجه الجلد ( الطيور في السماء ) وهكذا أصبح للسماء وللبحار وجود حقيقي. في هذا طبعا إشارة أن لله وجود في ذاته، الله الابن.

و في اليوم السادس تخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها. إذاً في اليوم السادس بحسب النص خلق الله الحياة، ألا نجد في هذا إشارة مباشرة إلى أن الله حي؟ الله الروح القدس.

لكل من يقول أن نظرية التطور تعارض الكتاب المقدس عقائديا أدعوه لمراجعة هذا النص، لم يخلق الله الكائنات الحية خلقا مباشرا بحسب النص بل “أخرجت الأرض ذوات أنفس حية“، ولا نجد اختلاف من حيث المبدأ مع نظرية التطور.

كذلك نجد أن خلق الحيوانات والإنسان كان في يوم واحد، وهذا ما يدل على أن جوهر الحيوان والإنسان بيولوجياً واحد، وهنا أيضاً لا نجد تعارض في المبدأ مع نظرية التطور!

في الجزء القادم ( وإن شاء الله لن أتأخر في نشره ) سننهي نص التكوين بالتعرض لخلق الإنسان ولاستراحة الرب في اليوم السابع

تعليقان على “خلق آدم بين النص الكتابي والعلم (الجزء الرابع – الأيام الستة)”

  1. الله يقويك رامي كويس هل الحكي بس
    أرجو التوضيح في النقطتين اللتين ذكرتهما عن النور و النهار و عن الجلد في المقطعين “قد نستغرب هنا خلق الشمس والقمر بعد خلق النور، وكذلك بعد خلق النباتات، إذ إننا ندرك أن النور ليس إلا نتيجة لوجود الشمس، كما أن النباتات كائنات حية بخلاف الشمس والقمر لذلك كان يجب أن تأتي بعدها انسجاماً مع سياق النص الذي يتدرج في الحياة من الأبسط إلى الأعقد، لكن يجب أن نقرأ النص حسب فهم ذلك العصر، فلم يكن من الواضح جداً ربط النور بالشمس سوى بوجود ربط زمني بين ظهور الشمس وظهور النور عُبِّر عنه بالقول أن الشمس كانت من أجل ضبط النهار، كما أن القمر والشمس والكواكب كانت تعتبر أحياء بحكم أنها تتحرك في السماء، بينما النبات كان يعتبر نوع أولي من الحياة أو بين الجماد والحياة بحكم أنه لا يمكنه أن يتحرك.

    قلنا أنه في اليوم الثاني كما وجدنا فصل الله بين المياه التي فوق الجلد والمياه التي تحت الجلد، لكن ما هي هذه المياه؟ مازالت حسب النص عبارة عن لا شيء، لا شكل لها ولا وجود حقيقي. في اليوم الخامس وضع الكائنات في المياه التي تحت الجلد ( البحار ) والمياه على وجه الجلد ( الطيور في السماء ) وهكذا أصبح للسماء وللبحار وجود حقيقي. في هذا طبعا إشارة أن لله وجود في ذاته، الله الابن.”
    فكيف المياه على وجه الجلد هي الطيور في السماء في المقطع الثاني
    و توضيح النور و الشمس و النهار في المقطع الأول

  2. الجلد كما قلت هو عبارة عن حاجز متين ( طبعاً متين حتى لا ينكسر أو يقع ) وهو حسب اعتقاد القدماء مرادف للقبة السماوية. لقد وضع الله الكائنات في المياه على وجه الجلد والمقصود فيها طبعاً الطيور التي في المساء.

    أما بالنسبة للمقطع الأول، فالموضوع هو أيضاً في اختلاف المفاهيم حيث قد نستغرب أو لا نتوقع الاعتقادات القديمة كوننا تعودنا منذ صغرنا على اعتقادات صارت لنا بمثابة بديهيات. أولاً النور خلق في اليوم الأول، بينما الشمس في اليوم الرابع، نحن نعلم أن النور ناتج عن الشمس، لكن هل كان القدماء يعتقدون ذلك بالضرورة! القدماء كانوا لا شك يلاحظون أن النور يظهر مع إشراق الشمس ويختفي مع مغيب الشمس، لكن هل يعني هذا أنهم كانوا يدركون أن النور الذي يظهر في السماء من أقصاها إلى أقصاها ناتج عن الشمس؟ لا أعتقد ذلك ودليلي هو النص نفسه. لكن بالتأكيد كانوا يربطون بين ظهور الشمس وظهور النور، ولهذا عبر النص عن ذلك بالقول أن الشمس وضعت لضبط النهار.

    بالنهاية هذه مجرد أفكار خاصة بي، وأتمنى أن تغني التعليقات والمناقشات المقالات المنشورة لأن التعليقات والمناقشات هي التي تحدد مصداقية ما ينشر في مدونة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *