يوحنا وليبيانوس

من هو يوحنا؟ إنه يوحنا الذهبي الفم الغني عن التعريف أشهر واعظ ومفسر في تاريخ الكنيسة.

إذاً من هو هذا ليبيانوس؟ إنه أيضاً واعظ شهير وكان معلماً للبلاغة قضى حياته في التعليم، لكنه بخلاف يوحنا كان وثنياً.

فما علاقة يوحنا بليبيانوس؟ الجواب بسيط، ليبيانوس كان أستاذ يوحنا وهو الذي علم يوحنا كيف يكون واعظاً وبليغاً!

سبب كتابتي لهذه المقالة أنني قرأت بالمصادفة منذ مدة محاضرة عن ليبيانوس تتحدث عن أهمية هذا الشخص ودوره والجهد الكبير الذي بذله في تعليم الوعظ وأصوله. آخر عبارة جاءت في المحاضرة أن ليبيانوس سئل من هو خليفتك فقال « كان ليكون يوحنا لو لم يسرقه المسيحيون ».

ما لفت انتباهي في هذا هو أن كون يوحنا واعظ مفوه لا غبار على براعته الأدبية في إيصال الأفكار إلى الناس وإقناعهم بها؛ لا يعود إلى قداسة يوحنا ( وهذا أمر غير مشكوك فيه أيضاً ) ولا إلى موهبة ربانية أغدقت عليه مجاناً، بل إلى كونه قد تعلم الوعظ والبلاغة على يد أشهر واعظي الرومان، الذي كان وثنياً ولم يكن مسيحي.

اليوم في عصرنا الحديث وهناك تقدم بكافة مجالات العلم من حولنا، هل يحاول من يعمل في مجال ما في الكنيسة أن يحصل على العلوم اللازمة لعمله ولمسؤوليته أم يقول ببساطة إن العلوم الدنيوية غير لازمة والمهم هو “البعد الروحي”؟ وهذا يجعلني أتساءل هنا فيما إذا كان الكسل أحد عناصر هذا البعد الروحي، لأنه لا يبدو غير الكسل سبباً في ألا يسعى شخص للتعلم وتطوير نفسه في مجال عمله ومسؤوليته ( وفي أغلب الأحيان يكون هو مجال اهتمامه وهواياته والعمل الذي يحبه ).

هل هناك مشكلة في أن يقرأ الكاهن الواعظ مواعظ القس مارتن لوثر كينغ مثلاً ويتعلم منه كيفية ترتيب الأفكار وإيصالها إلى الناس وتحفيزهم على أخذ المبادرة؟ هل يقرأ المرشدون في التعليم الديني مثلاً عن مشاكل الإدراك المعروفة لدى الأطفال وكيفية التعامل معها؟

الإدارة في الكنيسة أيضاً إحدى الأمثلة، فعلم الإدارة من العلوم التي تطورت كثيراً في الفترة الأخيرة، وهو ليس علماً صعباً ( لا يحتاج إلى قدرات ذهنية عالية ) ولهذا يقدر معظم الناس على تعلمه بغض النظر عن الخلفية العلمية أو العمر. نعم إنه يحتاج ويستند إلى الخبرة العملية لكن إدارة عمل كبير يدخل في إطاره عدد كبير من الناس تحتاج إلى التعلم من خبرة الآخرين وبعبارة أخرى تحتاج إلى العلم.

أعلم أن أحد الأسباب التي تجعل البعض يحجمون عن الاطلاع ودراسة علم الإدارة بالرغم من كونهم في مناصب إدارية هو شعورهم بأن الإدارة العالمية لا تناسب الكنيسة التي بنظرهم ليست مجرد مؤسسة مثل المؤسسات العالمية. ربما أحد أسباب هذا الاعتقاد هو الجهل بماهية علم الإدارة والجهل أيضاً بمعنى مؤسسة.

إن علم الإدارة لا يفرض ولا يقترح هدف المؤسسة أو توجهها، ولا يقول أن المال هو الموجه الرئيسي للعمل كما يعتقد البعض، كذلك لا يقول علم الإدارة بوجوب وجود سلوكيات غير أخلاقية، بل هو يعلمنا الطريقة الصحيحة حتى تحقق المؤسسة أهدافها، إنه يعطينا الوسيلة وليس الهدف، تماماً كما أن يوحنا لم يتعلم من ليبيانوس ما يجب قوله لكن تعلم كيف يوصل ما يريد قوله إلى الناس ويقنعهم به.

سأعطي مثلاً على ذلك وهو إدارة الاجتماعات. الاجتماعات طالما كانت جزءاَ أساسياً من العمل الكنسي، مدة الاجتماع غالباً محدودة ويشترك فيها عدد كبير من الأشخاص قد يكونون ذوي آراء مختلفة. هل يعرف من يدير الاجتماع كيف يضع هدف الاجتماع ويستفيد من وجود وآراء الأشخاص المشاركين فيه لتحقيق الهدف والوصول إلى نتائج ضمن الفترة الزمنية المحدودة؟ هذا يحتاج إلى شيء من العلم، وهناك مصادر كثيرة متوافرة من كتب ومصادر على الإنترنت يمكن أن تساعدنا في هذا المجال فلنبحث عنها ونتعلم منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *