هل يوجد شيء تمكن تسميته “برهان علمي”؟

لقد اعتاد معظمنا على فكرة البرهان العلمي، وذلك يعود خصوصاً إلى مادّة الهندسة التي تدرّس عادة في المرحلة الإعدادية (حتى شهادة البروفيه). وأعتقد أن معظمنا يتذكر تعابير “الفرض“، “الطلب“، “البرهان“، “وهو المطلوب” …الخ

لكن للأسف معظمنا لم يتم إخباره بأن المجالات العلمية التطبيقية (الفيزياء، الكيمياء، العلوم الطبيعية، وحتى الرياضيات عندما نريد تطبيقها على الواقع وغيرها من العلوم) لا علاقة لها بموضوع البرهان، وأن جميع النظريات في هذه العلوم بدون استثناء ليس عليها أي برهان، على الأقل بمفهوم البرهان الرياضي الذي اعتدنا عليه في مجال الهندسة.

تبنى الهندسة الإقليدية وهي الهندسة التي نتعلمها في المدرسة، على فرضيّات تسمى مسلّمات. تُعتبر هذه المسلّمات صحيحة بدون الحاجة إلى برهان، وهي تنحصر في مسلّمة إقليدس التي تقول “من نقطة خارج مستقيم لا يمكن رسم إلا عمود واحد على هذا المستقيم“، وأيضاً على نظريات تطابق المثلثات وهي ثلاث. ويعتمد البرهان الهندسي على المنطق التطبيقي ( المبني على منطق أرسطو ) للوصول من هذه المسلّمات التي يمكن اعتبارها نظريات شاملة، إلى نظريات أقل شمولاً وهي في واقع الأمر تطبيق للنظريات الأوسع على حالات وأوضاع خاصّة.

ليس هناك مشكلة في أن تعتمد الهندسة الإقليدية على مسلّمات، لكنّها تعاني من مشكلتين كبيرتين (ومتداخلتين) وهما أنّها أولاً تعتمد على المنطق الاستنتاجي فحسب، والثانية أنّها علم تجريدي لا علاقة له بالواقع.

هل هناك مشكلة أو خطأ في المنطق الاستنتاجي بحد ذاته؟ بالتأكيد لا، إنّما المشكلة في أنّه ناقص للغاية وغير صالح نهائياً لتطوير نظريات جديدة. لنبدأ بالمثل الشهير على المنطق الاستنتاجي:

كل إنسان فان

سقراط إنسان

سقراط فان

يسمّى السّطر الأول مقدّمة كبرى، والسّطر الثّاني مقدّمة صغرى والسّطر الثّالث نتيجة.

لا أحد يشكّك في صحة الوصول إلى النتيجة من المقدّمة الكبرى والمقدّمة الصغرى، وبالمناسبة يمكن استنتاج أي طرف من الأطراف الثلاثة من الاثنين الباقيين، فلو قلت لك أن المقدمة الصغرى هي “الحديد معدن” والنتيجة “الحديد يذوب في درجة حرارة معيّنة” وأن القياس صحيح، فإنك ستستنتج أن المقدمة الكبرى هي “كل المعادين تذوب في درجة حرارة معينة“. ولو قلت لك “كل الكلاب تنبح” والنتيجة هي “ريكس ينبح” وقلت لك أن القياس صحيح، فستستنتج أن المقدمة الصغرى هي “ريكس كلب“، فالنتيجة لا تدعى نتيجة لأنه يمكن استنتاجها من المقدمتين لكن هذا موضوع طويل لا مكان للدخول فيه هنا.

إنما المسألة الكبيرة هي: من أين أتت المقدمة الكبرى والمقدمة الصغرى؟ من قال أن “كل إنسان فان“؟ ومن الذي وضع تصنيف خاص اسمه “إنسان“؟ وما هو تعريف هذا الإنسان الذي نرى أنه ينطبق على سقراط بحيث نقول أن “سقراط إنسان”؟

في منطق أرسطو اعتبرت هذه الأمور أنها بديهيات لا حاجة للبرهان عليها لكن مع تطور الفكر العلمي لم نعد نقبل بمبدأ البديهيات وكذلك ظهرت نظريات كثيرة لم تكن من ضمن خانة البديهيات وكذلك مع ذلك لا يمكن البرهان عليها.

مثلاً وضع نيوتن صيغة القانون الأساسي في علم الميكانيك:

القوة المطبّقة على جسم = كتلة الجسم × تسارع حركة الجسم الناتج عن تأثير القوة

هل هناك برهان على هذه النظرية؟ التاريخ يخبرنا أن هذه النظرية اعتبرت صحيحة لما يقارب ثلاثمئة عام وبنيت عليها كل تطبيقات علم الميكانيك وكان لها دور كبير جدّاً في الثورة الصناعية في بريطانيا التي ساهمت في جعل بريطانيا إمبراطورية عالمية، بل أوسع الإمبراطوريات انتشاراً في التاريخ، وكذلك بقيت صالحة لدراسة حركة السفن والسيارات والطائرات وحتى الصواريخ والمكوكات الفضائية. في يوم من الأيام جاء أينشتاين وقال أن هذه النظرية ليست صحيحة تماماً حيث أنها لا تعطي نتائج صحيحة في سرعات كبيرة جداً ( قريبة من سرعة الضوء ) وقام بإضافة تعديلات عليها ولاقت نظرية أينشتاين الجديدة قبولاً عالمياً.

ما يمكن استنتاجه بسهولة هنا أن نظرية نيوتن لم تكن مبرهنة إذ لو كانت لما كان يمكن لأي كان سواء أينشتاين أو غيره أن ينقضها، إذاً من أين جاء بها نيوتن وهل كان يضحك علينا فحسب؟ بالتأكيد لا، نيوتن لم يأتي بها إلاّ عن طريق الاستقراء، والاستقراء يعني محاولة وضع قاعدة بسيطة عامّة يفسَّر بموجبها عدد كبير من الظواهر المعروفة بدون أن تنقضها أيّ منها. لقد استطاعت نظرية نيوتن أن تفسّر بجمعها مع نظرية الجاذبية وبشكل دقيق قياسات مسارات الكواكب وسرعاتها وكذلك كل الظواهر التجريبية في مجال الميكانيك. طالما أن النظرية بسيطة وتفسّر الظواهر المعروفة بشكل صحيح فهي إذن صحيحة في المنطق العلمي، وكونها صحيحة لا يعني أبداً أنها تعتبر حقيقة مطلقة!

إذن النظريات العلمية تعتمد على الاستقراء والاستقراء ليس “برهاناً“، فقد نجد يوماً ما ظاهرة طبيعية أو تجريبية لا نعرفها تنقض النظرية أو على الأقل تضطرنا إلى تطويرها وجعلها في صيغة أكثر دقّة تشمل الظاهرة الجديدة أيضاً.

أما الاستنتاج فيأتي دوره في التطبيق العملي للنظرية على حالات محدّدة أو حتّى في استنتاج نظريات أقل شمولاً وخصوصيّة، مثلاً في حال كون القوة معدومة في قانون نيوتن نستنتج قانون مصونيّة كميّة الحركة وهو يشكّل حالة خاصّة من قانون نيوتن. الاستنتاج يمكن عدّه برهاناً صحيحاً بفرض صحّة النظرية العامة التي انطلقنا منها وصحّة طريقة الاستنتاج بحسب منطق أرسطو، ولكن طالما أنّ أي نظرية لا برهان عليها فبالنتيجة أنّه لا يوجد شيء في العلم عليه برهان مطلق.

قد يستنتج أحدهم هنا أن البرهان لا يصلح للعلوم التطبيقية ولكنه يصلح للعلوم التجريدية مثل الرياضيات، هذا صحيح لكن العلوم التجريدية لا فائدة منها إلاّ إذا تم تطبيقها في وقتٍ ما على الواقع، ونعود هنا إلى مثال الهندسة الإقليدية التي أثبتت الفيزياء الحديثة أنّ المسلّمات التي تنطلق منها لا تنطبق على الواقع الفيزيائي في أكثر الأحيان.

رغم أنّ هذه الأمر يجدر به أن يكون معروفاً على نطاق واسع بسبب تصدّي الكثير من الفلاسفة له في القرون الأخيرة إلاّ أنّنا نجد جهلاً به بين الكثير من أبناء المجتمع العربي والإسلامي، ونجد في الكثير من النقاشات حتى منها تلك ذات السوية العلمية الراقية اختلافات حول أن هذه النظرية أو تلك مبرهنة أو غير مبرهنة، مثلاً كثيراً ما أسمع نقداً لنظرية التطوّر في كونها غير مبرهنة! لا يمكن لنظرية أن تكون مبرهنة، ولكن طالما أنّ لها صيغة واضحة وقادرة على تفسير العديد من الظواهر التي نعرفها ( وفي حالة نظرية التطوّر هي المستحاثّات التي يتم العثور عليها باستمرار وكذلك تكيّف البكتيريا والحشرات مع الأدوية والمبيدات …الخ ) فهي تعتبر علمياً “صحيحة“.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *