خلق آدم بين النص الكتابي والعلم (الجزء الخامس – خلق الإنسان)

إذاً في الأيام الستة ( الثلاثيتين ) نجد الثالوثية مرة أخرى، نجد العلة الفاعلة والوجود القادر والروح المحيي، يقول القديس أثناسيوس “لقد خلق الآب كل الأشياء بابنه في الروح القدس. إذ حيثما يوجد الكلمة يوجد الروح أيضاً. وكل ما يخلق بواسطة الآب يتلقى وجوده بواسطة الكلمة في الروح القدس. كما يقول المزمور 32 : بكلمة الرب أبدعت السماوات وبنسمة فمه قواتها جميعاً [1].

و كذلك في اليوم السادس في خلق الإنسان نجد “لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا“، رغم صيغة الجمع لكن الصورة واحدة والمثال واحد.

قد يجادل أحدهم بأن صيغة الجمع في كلمة “إيلوهيم” وكلمات مثل “صورتنا كمثالنا” مع أنها قد تشير إلى جمع إنما هي مجرد جمع تفخيم فحسب، وجمع التفخيم وارد في اللغة العبرية كما في العربية. لكن كلمة “لنصنع” لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تكون جمع تفخيم، فما الداعي لها ومن يتكلم مع من؟ ولا يمكن أن تشير إلى حوار بين الله والملائكة مثلا لأنه حسب العقيدة اليهودية ليس للملائكة أي دور في عمل الخلق وليس في كل الكتاب المقدس إشارة إلى مثل ذلك، وبالطبع ليس هنالك أية إشارة في النص إلى تعدد في الآلهة حيث هنالك فعل خلق واحد لا غير، بل هذه الكلمة فيها الآمر والمصدر ( الآب ) والوجود القادر ( الابن ) والفعل الحي ( الروح القدس ).

الإنسان مخلوق على صورة الله، فهو ثالوثي التكوين أيضاً فالإنسان بيولوجياً هو عقل وجسم ونفس ذات مشاعر، الله خلق الإنسان أيضاً “كمثاله”، أعطاه أن يحكم فيه الآب وأن يكون متحداً بالابن وأن يتحرك بالروح القدس. أعطاه للعقل الضمير وهو نفحة الآب فينا، أعطاه للجسم الكيان الروحي ( النوس[2] ) وهو نفحة الابن فينا وللنفس ذات المشاعر أعطاه الصلاة وهي نفحة الروح فينا، أقانيم ثلاثة نسميها أيضاً “الروح” تعكس الأقانيم البيولوجية الثلاثة : العقل والجسم والمشاعر. التي نسميها باختصار “الجسد”.

خلق الإنسان “ليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء والبهائم وجميع وحوش الأرض“. أعطاه السلطة لا يعني أن يستغل الطبيعة ويدمرها، بل أن يحسن التحكم بها. بما أن الإنسان هو المتسلط على الطبيعة فيكون وجود الصورة والمثال الإلهي في الإنسان هو وجود في كل الطبيعة بواسطة الإنسان، فبالإنسان قدس الله الطبيعة بأسرها، مثلما يكون تكريم مؤسسة عبر تكريم إدارة هذه المؤسسة. الله لا يميز بين خليقة وأخرى فهذا يتنناقض مع عدله ومحبته.

لكنه أعطى المسؤولية للإنسان حصراً، لماذا الإنسان؟ لأن المسؤولية تفترض وجود الحرية، والإنسان خلق حراً، قد يطيع عقله ضميره وقد لا يفعل ذلك، قد يبقى مرتبطاً جسده بالنوس وقد ينفصل عنه[3]، قد يوجه مشاعره نحو الله فيزدري ويمقت الخطيئة ويشتاق إلى الله ويفرح به فيشكره ويمجده إنها الصلاة التي تقدس الإنسان، وقد يوجه مشاعره نحو الشهوات المختلفة أو ما يسمى بالأهواء الشريرة ويعمل بموجبها، إنها الخطيئة التي تدنس الإنسان. إن حرية الإنسان تنبع من محبة الله، فالضمير ينصح العقل ولا يأمره، والنوس يدعم الجسد ولا يأسره، والصلاة توجه النفس ولا تستعبدها.

إن المسؤولية والحرية لا يمكن أن توجدا إلا في خليقة تملك ما يكفي من المنطق الواعي للتمييز بين الخطأ والصواب، لذلك لا يمكن أن توجد في الحيوان الذي تسيره غرائزه.

يمكنني أن أنطلق من هذا وأقول أن أول إنسان على صورة الله ومثاله، هو أول إنسان وكل إنسان تطور بالشكل الكافي ليقبل الصورة والمثال الإلهي، ولذلك لا يجوز لنا احتقار أي إنسان أيا كان جنسه وعرقه ووضعه لأن الصورة الإلهية حتماً فيه، وكيفما كانت الطريقة التي أتى بها الإنسان سواء كان بشكل طبيعي أم نتيجة زنى أو عملية استنساخ …الخ فهو على الصورة والمثال الإلهي.

ماذا يقول العلم هنا؟ يقول العلم أن الإنسان العاقل الأول جاء من أفريقيا، من كينيا غالباً، من المرجح طبعاً أنه كان أسود البشرة!

غايتي الوحيدة من قول هذا أن أبين أنه يحق لنا بدون أي مانع أن نمضي في العلم إلى أبعد حدوده وفي الدين إلى أبعد حدوده بدون أن نخاف من وجود تعارض بين الاثنين.

فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم” نلاحظ هنا أن الصورة الإلهية واحدة. ولا يوجد أي تمييز بين الذكر والأنثى.

و باركهم الله وقال لهم : انموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلّطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض“.

لم يقل للحيوانات “انموا واكثروا” لكن قال ذلك للإنسان. فالإنسان أعطي دوراً عظيما لا يتعلق فقط بالتكاثر النوعي بل يتعلق بإنجاب أناس آخرين على صورة الله ومثاله! يتعلق بإنجاب أبناء لله وهذا لا يمكن أن يكون فقط بإرادة الإنسان بدون الله بل يحتاج إلى تفويض الخالق، حتى يصبح الإنسان مشاركاً للخالق في عملية الخلق.

و أعطى الله الأرض كلها للإنسان بما يكفي مبدئياً له ولجميع ذريته حسب ما يقول النص.

التفريق بالمكانة بين الإنسان والحيوان هو أيضاً في الطعام، فقد خصص الإله البزر والثمار للإنسان، بينما العشب للحيوان، هنا أيضاً تمييز بين مكانة الحيوان الذي يأكل العشب من الأرض بينما الإنسان وحده يتغذى على إنتاج الطبيعة الناضج.

و في هذا اليوم “رأى الله جميع ما صنعه فإذا هو حسن جداً” إذاً ليس فقط “حسن” كما في الأيام السابقة بل “حسن جداً” لأنه بخلق الإنسان اكتملت الصورة والمثال الإلهي في الخليقة.

لنعد قليلاً إلى نظرية التطور، يتحدث العلم عن تطور تدريجي للخلائق تم عبر فترة طويلة جداً من الزمن عن طريق الانتقاء الطبيعي الذي يعتمد على الموت والتوالد، ونتج عن هذا التطور كائنات كثيرة. لكن الإنسان العاقل له وضع مختلف، فببلوغه لدرجة ذكاء وقدرة ذهنية معينة، أصبح تطوره وتكيّفه يعتمد على العقل والإنتاج العلمي وبذلك أصبح بإمكانه العيش في جميع أنحاء الأرض بل وحتى خارج الأرض، ومجابهة مختلف أشكال الظروف الطبيعية. ولم يعد تطور الإنسان العقل مبنياً على الانتقاء الطبيعي، ويعني هذا أنه لم يعد الموت جزءاً طبيعياً من مسيرة التقدم الإنساني، بخلاف ما قاله بعض الفلاسفة من دون وعي.

أما من جهة النص الكتابي فنجد تطوراً موازياً من نوع آخر، فقد تطورت الطبيعة نحو اكتمال الصورة الإلهية فيها من خلال الإنسان، والإنسان نفسه مدعو للتطور ليصل إلى مرحلة التأله، حيث يصبح متألهاً بالكلية. كذلك ليس من الممكن أن يكون كائن مائت على صورة الله ومثاله! سواء قصدنا بذلك الموت الجسدي أو الروحي، فالله لم يخلق الإنسان للموت، بل مدعواً للحياة الأبدية مع الله. وسيكون لنا كلام في هذا الموضوع عند الحديث عن قصة السقوط.

و في اليوم السابع “أكملت السماوات والأرض” و”انتهى الله .. من عمله” وو استراح الله …” نلاحظ كيف أن الكاتب يشرح انتهاء عمل الخلق من جميع أبعاده، فهو إنجاز عظيم كامل.

العدد سبعة هو عددٌ عير جميل وخالٍ من التناظر والانسجام الهندسي بعكس الأعداد الستة التي تسبقه، حيث هو عدد أولي كبير نسبياً.

الله لا يعمل في اليوم السابع، فعمل الله يكون كله في تناسق ونظام وجمال.

و بارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه فيه استراح من كل عمله الذي عمله خالقاً”. لقد ربطت قصة الخلق عمل الله بأيام عمل الأسبوع الستة، ( ولا أدري أيهما أتى قبلاً قصة الخلق أم تحديد الأسبوع بسبعة أيام ) بجميع الأحوال لهذا مدلول طقسي يربط كل يوم من أيام الأسبوع بتمجيد عمل الله في الخلق، وتخصيص اليوم السابع بشكل كامل لعبادة الرب بشكره.

إذاً يقرب النص بين الله والإنسان بتبني أسلوب الحياة البشري في وصفه لعمل الخالق إذ أن الإنسان على صورة الله ومثاله والله قدس ويقدس الحياة البشرية.

هنالك إذاً اتحاد بين الإله والإنسان لا يكسره إلا الخطيئة، ولا يعيده إلا اتحاد جديد بمبادرة من الله سيقوم بها في اليوم الثامن لكن هذه المرة ليس خالقاً، حيث قد انتهى عمل الخلق في اليوم السابع، بل منتصراً على الموت والخطيئة وفاتحاً أبواب الحياة الأبدية من جديد بقيامته المباركة من بين الأموات.

هذا غيض من فيض وبوسع المرء أن يتوسع كما يشاء في هذا النص الصغير بحجمه الهائل بمعانيه الفلسفية والعقائدية العميقة وأعتقد أن السؤال المهم الذي نريد أن نجيب عليه لا يتعلق بمدى الصحة العلمية للنص بل بمدى الصحة العقائدية وهكذا نستطيع أن نعرف ما إذا كان النص بوحي إلهي أم لا! فهل يا ترى كان نص التكوين متخلفاً عقائدياً؟ أترك الجواب للقارئ.

“تلك هي نشأة السماوات والأرض حين خلقت”.


[1] عن كتاب الرؤية الأرثوذكسية للإنسان ص 37

[2] ويترجمه البعض بكلمة “الذهن” ولا أستطيع أن أفهم سبب هذه الترجمة!

[3] يعبر عن ارتباط الجسد بالنوس بعبارة “النوس في القلب” ذلك أن القلب يقصد فيه المكان الذي توجد فيه عضلة القلب وليس شيئاً آخر إذ هو مركز الجسم كما أن العاصمة مثلاً هي مركز الدولة، منه يوزع الدم حاملاً الغذاء إلى كل الجسد وإليه يعود.

تعليق واحد على

  1. هنالك إذاً اتحاد بين الإله والإنسان لا يكسره إلا الخطيئة، ولا يعيده إلا اتحاد جديد بمبادرة من الله سيقوم بها في اليوم الثامن لكن هذه المرة ليس خالقاً، حيث قد انتهى عمل الخلق في اليوم السابع، بل منتصراً على الموت والخطيئة وفاتحاً أبواب الحياة الأبدية من جديد بقيامته المباركة من بين الأموات…….هذه المره ليس خالقا لان كل شيءقد اكمل بالمسيح بل مجددا بالروح القدس ليتم فيه كل الرؤيه الالهيه التي سبق فعينها لنا قبل تأسيس العالم …..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *