قصة السقوط

لقد بدأت منذ فترة طويلة بكتابة سلسلة تدوينات حول قصة الخلق والتكوين في الكتاب المقدس، وتوقفت عند نهاية قصة التكوين (خلق العالم في ستة أيام واستراحة الرب في اليوم السابع) وعند بداية ما يعرف بقصة الخلق الثانية وهي قصة آدم وحواء المعروفة والتي أحب تسميتها للتوضيح والتمييز “قصة السقوط“.

القالب الأدبي لقصة السقوط :

المعروف أن القالب الأدبي لقصة السقوط هو الميثولوجيا، ولكن يوجد أكثر من نوع من الميثولوجيا فهنا ليست هي الميثولوجيا التي تحاول إيجاد تفاسير علمية للكون مثل قصة التكوين، بل الميثولوجيا التي تنتمي لقالب القصة الرمزية التي يقصد الكاتب من خلالها الرمز إلى أشياء أخرى، و هو لا يفترض و لا يتوقع أن يفهم الناس النص على أنه قصة حقيقية.

يمكننا إيراد دليلين على أن قصة السقوط هي قصة رمزية:

1- تحوي أموراً لا يقبل بها سوى السذج إذا أخذناها بحرفيتها و لا نحتاج للعلم الحديث أو القديم لكي نعرف أنها غير واقعية؛ كتكلم الحية و وجود شجرة الحياة و شجرة معرفة الخير و الشر. والقول بأن بعض الأمور في قصة آدم و حواء رمزي و بعضها الآخر لا، هو ببساطة قول غير منطقي.

2- و أيضاً هنالك ضمن النص الكتابي نفسه ما يدل بوضوح على رمزية هذه القصة، و هو الشرح في الوارد في الآية 24 من الإصحاح الثاني ” لذلك يترك الرجل أباه و أمه و يلزم امرأته فيصيران جسداً واحداً ” و التي من الواضح أنها خارج سياق النص و أنها شرح و تفسير لبناء المرأة من ضلع الإنسان و لقول الإنسان ( آدم ) “هذه عظم من عظامي و لحم من لحمي“، ذلك أن آدم لم يعرف الأب و الأم حسب بناء النص لذلك من غير الممكن أن يقول “لذلك يترك الرجل أباه و أمه … “.

أما آباء الكنيسة فطالما شرحوا هذا النص بالذات شرحاً يتجاوز المعاني الحرفية، مثلاً الحية هي رمز للشيطان والأشجار هي رمز للأفكار الإلهية …الخ وأرجو التنبه إلى أني لا أقول هنا أن كل العهد القديم أو حتى أن كل سفر التكوين هو قصة رمزية، بل هنالك قوالب أدبية كثيرة جداً ومتنوعة حتى ضمن سفر التكوين نفسه.

لقد دار نقاش طويل مع أعضاء أحد المنتديات حول كون قصة السقوط رمزية أو غير رمزية، وقد سألت في خضم هذا النقاش، إذا كنتم تقولون أن القصة غير رمزية بل حقيقية بحرفيتها، فأين هي شجرة الحياة أو شجرة معرفة الخير والشر الآن (مع العلم أن شارحوا قصة السقوط متفقون على أن الفردوس أو الجنة هي في الأرض وليست في السماء)، هل هي في مكان مخفي أم أن الله نزعها من الفردوس؟ ماذا عن الحية، وهل الحية تتكلم؟ (مع العلم أن من أغوى حواء حسب كل التفسيرات هو الشيطان) فإذا كانت الشيطان قد تكلم بلسان الحية فلم قال النص عن الحية أنها “أحيل جميع حيوانات الحقول“؟ ولماذا لعنها الرب ولماذا جعل عداوةً بينها وبين المرأة ونسلها؟ وطبعاً لم ألق جواب لأن الجواب الوحيد المنطقي هو أن الحية رمز للشيطان وأن ما جاء في القصة بشكل عام هو رمزي.

من كتب قصة السقوط؟

بحسب علماء الكتاب المقدس تعتبر قصة السقوط من ضمن التقليد اليهوي الذي يعود لتاريخ نشوء دولة إسرائيل خلال وبعد عهد داود. أما اسم الكاتب فهو مجهول إنما لا يمكن إنكار وجود نفحة نبوية متميزة في هذا النص، فقد يكون أحد الأنبياء الكبار المعروفين، لكن هذا يبقى مجرد تكهن لا أكثر.

تأملات في النص :

يبدأ النص بالشكل التالي “يوم صنع الرب الإله الأرض و السماوات، لم يكن في الأرض شيح الحقول و لم يكن عشب الحقول قد نبت لأن الرب لإله لم يكن قد أمطر على الأرض و لم يكن فيها إنسان ليحرث الأرض، و كان يصعد منها سيل فيسقي كل وجهها. و جبل الرب الإله الإنسان تراباً من الأرض و نفخ في أنفه نسمة حياة فصار الإنسان نفساً حيةً. و غرس الرب جنةً في عدن شرقاً و جعل هناك الإنسان الذي جبله “.

رغم الاختلاف البسيط في الترتيب الزمني لمراحل الخلق بين هذا النص و النص السابق (قصة التكوين) حيث يبدو هنا بدون أي ترتيب بينما النص السابق يبدو أكثر ترتيباً وتفصيلا بكثير في ما يخص بخلق الكون، إلا أننا نجد تشابه مدهش في الأفكار والمبادئ الأساسية، فالخليقة إنما كونت من أجل خدمة الإنسان، و قد قام الرب بتهيئة المكان قبل وضع ساكنه فيه. أما الإنسان فقد جبل من تراب الأرض.

إن جبل الإنسان من التراب هنا يظهر أيضاً عدم وجود اختلاف من حيث المبدأ مع نظرية التطور، حيث لم يخلق الإنسان من العدم، بل من الممكن أن يكون قد تطور شيئاً فشيئاً من التراب ليصير إنساناً، هذا من الناحية البيولوجية، و من ناحية أخرى هنالك تشابه مع النص السابق الذي قال فيه الله “لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا” فهنالك تصوير لوجود فعل مميز و عناية مميزة في خلق الإنسان إذ أن الله بعد أن كون الإنسان بيولوجياً نفخ من نفسه الخاص في أنف الإنسان، فالإنسان يتفق مع الحيوان بيولوجياً ولكنه يختلف عنه في أن الرب نفخ فيه استثنائياً من نفسه الخاص، وواضح أن ذلك وقع بعد أن كوِّن الحيوان والإنسان بيولوجياً وهكذا كانت حياة الإنسان من حياة الله، فالمعنى في النصين واحد لكن الاختلاف هو فقط في اختلاف النوع والقالب الأدبي.

و غرس الرب الإله جنّة في عدنٍ شرقاً و جعل هناك الإنسان الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كلّ شجرةٍ حسنة المنظر وطيبة المأكل وشجرة الحياة في وسط الجنّة و شجرة معرفة الخير والشّر. “

لا جدال في أن وسط الجنة مكان مميز توضع فيه أفضل الأشجار، و هنالك جنباً إلى جنب وضع الرب الإله شجرة الحياة الأبدية وشجرة التمييز بين الخير والشر. بنفس السياق يبدو أن الأشجار الأخرى ليس أشجاراً عادية، بل كما هاتين الشجرتين هي نعم ومواهب روحية مختلفة ومتنوعة.

و كان نهرٌ يخرج من عدنٍ فيسقي الجنة ومن هناك يتشعّب فيصير أربعة فروع، اسم أحدها فيشون وهو المحيط بكل أرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد. هناك المقل وحجر الجزع. واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بكل أرض الحبشة، واسم النهر الثالث دجلة وهو الجاري في شرقي أشّور والنهر الرابع هو الفرات.”

هل الكلام السابق رمزي أيضاً؟ بل يبدو أنه واقعي بشكل مبالغ فيه حتى. لقد فسر القديس يوحنا الذهبي الفم وجود هذا الكلام هنا بأنه تشديد الكاتب على أن الله خلق الإنسان على الأرض، هذه الأرض التي نعيش عليها و يبدو من النص أن الجنة تشمل كل العالم بحسب ما يعرفه أهل ذلك الزمان في هذه المنطقة؛ فهنا الفردوس على هذه الأرض و هنا الجنة.

في تدوينات قادمة إن شاء الله سوف ندخل في النص وفي المحاور الأساسية فيه.

5 تعليقات على “قصة السقوط”

  1. يعطيك ألف عافية سيد رامي
    بس إذا في مجال لو سمحت
    يكون في رابط pdf
    لكل مقال عم تنشرو حضرتك
    مشان نقدر نحتفظ فيهم متل ما هنن
    مو قص ولصق
    بكون ممنونك

    والمواضيع كتير أكابر
    الله معك

  2. شكراً سيد عروة على مشاركاتك وعلى تشجيعك

    بالنسبة لملف PDF قمت بتوفيره في بعض التدوينات، أما عن هذه التدوينة بالذات فأنوي أن أجمع كل السلسلة ضمن كتاب رقمي واحد حين الانتهاء منها إن شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *