الحيوانات الأربعة في سفر الرؤيا

نجد عادةً على مدخل هيكل كنائسنا صورة لصليب كبير رسم على جهاته الأربع صور الإنجيليين الأربعة أو رموز تمثل كلّ واحد منهم.

هذا الشكل على ما يبدو أنه مستوحىً من سفر الرؤيا[1] « إذا بعرشٍ قد نصب في السماء، وعلى العرش قد جلس واحدٌ … وفي وسط العرش وحول العرش أربعة أحياءٍ رُصِّعت بالعيون من قدّام ومن خلف. فالحيُّ الأول أشبه بالأسد، والحيّ الثاني أشبه بالعجل، والحيّ الثالث له وجه كوجه إنسان، والحيّ الرّابع أشبه بالعقاب الطّائر … » ( رؤ 4 : 2 – 7 ).

فالصليب يمثل عرش السيد، أما الحيوانات الأربعة فهي ترمز بحسب تقليد قديم ( يعود إلى القديس إيريناوس من القرن الثاني الميلادي ) إلى البشارات الإنجيلية الأربعة. الأسد يرمز إلى بشارة القديس مرقس، العجل يرمز إلى بشارة القديس لوقا، الحي الذي له وجه إنسان يرمز إلى بشارة القديس متى، أما العقاب ( وفي بعض الترجمات “النسر” ) فيرمز إلى بشارة القديس يوحنا الحبيب.

إذا قارنا ترتيب ذكر الحيوانات مع ترتيب البشارات في الكتاب المقدس بحسب ما يرمز إليه كل حيوان نجد اختلافاً بيّناً، لكن من جهة أخرى نجد أن ترتيب الحيوانات يماثل ترتيب تاريخ كتابة هذه البشارات بحسب ما يقوله علماء الكتاب المقدس، فسفر الرؤيا يسرد لنا الوقائع بترتيب تاريخي، أما ترتيب البشارات في الكتاب المقدس فيعود إلى الترتيب التاريخي لمحتوى هذه البشارات، فمثلاً بشارة متى تتحدث عن الانتقال من التعليم اليهودي والدين اليهودي إل الدين المسيحي ووجهت لليهود ولذلك أتت أوّلاً مع أنّها ليست أوّل بشارة كتبت. وتدل أيضاً رموز الإنجيليين الأربعة بحسب بعض الشروحات إلى جهات الأرض الأربعة دلالةً على وصول الكرازة إلى المسكونة كلّها.

الحيوان الأوّل ( الأسد ) والفرس الأوّل ( الأبيض )

إذا ما تابعنا قراءة سفر الرؤيا سنجد « وتوالت رؤياي فرأيت الحمل يفضّ أوّل الأختام السّبعة. وسمعت أوّل الأحياء[2] الأربعة يقول بصوتٍ كالرّعد: « تعال! ». فرأيت فرساً أبيض قد ظهر، وكان الرّاكب عليه يحمل قوساً، فأعطي إكليلاً فخرج غالباً ولكي يغلب. » ( رؤ 6 : 1 – 2 ).

يُرمز للقديس مرقس بالأسد ( الحيوان القوي والمسيطر ) لما في إنجيله دلالة على صورة المسيح السيد المعلم والملك.

نجد في هذا المقطع من سفر الرؤيا حديثاً عن فاتح مسيطر سيخرج إلى أطراف الأرض. إذا أردنا أن نربط هذه الرؤيا بجهة من جهات الأرض الأربعة، فالمرشح الأقوى سيكون الشرق، أي البلاد التي في الشرق والتي يمكن أن نقول أنها تمثل قارة آسيا. فهنالك فتوحات كبيرة ظهرت في آسيا وامبراطوريات ضخمة وخلال فترة طويلة من الزمن ( العرب – المغول – الأتراك – السوڤييت … )، واللون الأبيض لون النصر.

إن الرؤيا التي شاهدها القديس يوحنا اللاهوتي ربطت بين هذه الفتوحات والانتصارات الكبرى ببشارة القديس مرقس الذي يصور فيه الرب على أنه المنتصر. إنها رسالة للفاتحين وللشعوب المقهورة على السواء، بأن الرب يسوع المسيح هو المنتصر الحقيقي، فهو الذي قد غلب الموت والخطيئة على خشبة الصليب.

الحيوان الثاني ( العجل ) والفرس الثاني ( الأحمر )

نتابع فنقرأ « ولمّا فضّ الختم الثاني، سمعت الحيّ الثاني[3] يقول: « تعال! » فخرج فرسٌ آخر، أحمر[4]، وإلى الراكب عليه وُكِلَ أن يرفع السّلام عن الأرض، فيذبح النّاس بعضّهم بعضاً. فأعطي سيفاً كبيراً » ( رؤ 6 : 3 – 4 ).

القديس لوقا الإنجيلي تَرمز إليه صورة العجل لأنه يصوِّر السيد في إنجيله بمظهر الذبيحة.

يتحدث هذا المقطع عن الحرب وعن القتل الناس لبعضهم البعض، إن الجهة الأكثر احتمالاً لتعبر عن هذا الوضع هي الشمال ( أوروبة ) ولربما الترجمة بحصان “أشقر” تجعلنا نقتنع أكثر بهذا التفسير، إذ أنه رغم الوضع الحالي التي تبدو فيه أوروبة أكثر المناطق سلاماً في العالم، إلا أن التاريخ الأوروبي هو التاريخ الأكثر دموية على الإطلاق وخلال فترة طويلة من الزمن، منذ الهجمات التي أدت إلى سقوط روما وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية، اللون الأحمر لون الثورة والنار والدم.

الحيوان الثالث ( وجه إنسان ) والفرس الثّالث ( الأسود )

نتابع ونقرأ « ولمّا فضّ الختم الثالث، سمعت الحيّ الثّالث يقول: « تعال! » فرأيت فرساً أدهم[5]، وكان بيد الرّاكب عليه ميزان. وسمعت ما يشبه صوتاً ما بين الأحياء الأربعة يقول: « مكيال قمحٍ بدينار، وثلاثة مكاييل شعيرٍ بدينار، وأمّا الزّيت والخمر فلا تنزل بهما ضرراً » ( رؤ 6 : 5 – 6 ). يّرمز للقديس متى بشكل حيٍّ له وجه الإنسان لأنّه يصور السيد على أنه ابن إنسان.

إن أسعار القمح والشعير بهذا المقطع أسعار مرتفعة جداً، والقمح والشعير هي ضرورات الغذاء الأساسية لا سيما للفقراء. أما الخمر والزيت فترمز إلى الترف والرخاء ومع ذلك لم تمس.

يتحدث هذا المقطع عن ظلم اقتصادي ونظام اقتصادي ظالم أو خاطئ يجعل أساسيات الحياة غالية ونادرة بينما الكماليات متوفرة ورخيصة. قد يكون الحديث يدور عن النظام الرأسمالي الذي ظهر في أمريكا وانتشر تأثيره في الأرض كلّها « وسمعت ما يشبه صوتاً ما بين الأحياء الأربعة »، اللون الأسود لون السرقة والغش، إنه اللون الذي يرمز به دائماً للسارقين وتسمى به السوق غير الشريفة (السوق السوداء) يقارن هنا الوضع بصورة السيد المسيح ابن الإنسان الذي وهو إنسان؛ عاش أفقر الناس، لم يكن يملك شيئاً حتّى أنه قدم ثوبه وجسده على خشبة الصليب لأجلنا.

الحيوان الرّابع ( العُقاب ) والفرس الرّابع ( ضارب إلى الخضرة )

« ولمّا فضّ الختم الرابع، سمعت الحيّ الرّابع يقول: « تعال! » فرأيت فرساً ضارباً إلى الخضرة[6]، واسم الراكب عليه الطّاعون، وكان مثوى الأموات يتبعه، فأُوليا السّلطان على ربع الدّنيا ليَقتُلا بالسّيف والمجاعة والطّاعون ووحوش الأرض. » ( رؤ 6 : 7 – 8 ). يُرمز للقديس يوحنا اللاهوتي عادةً برمز العقاب الطائر لأنه حلق في سماء اللاهوت والعقاب كذلك رمز للموت، فالعقبان تحلّق في السّماء فوق الجثث الميتة لأنّها تتغذى على الجيف، قد تكون الصورة هنا – وهي شديدة الشبه بالواقع – صورة قارة أفريقيا المعذبة. الصورة السائدة هي صورة الموت أكان بالحرب أو بالوباء أو وحوش الأرض، اللون المائل للخضرة لون المرض ولون الضعف ثم الموت، تنقلنا صورة القديس يوحنا لنتأمل بلاهوت المسيح صورة السيد الميت الذي يقبل الموت على خشبة الصليب لأجلنا.

إذاً يربط هذا المقطع كل عذابات الأرض عبر التاريخ وعبر أصقاع الأرض بالعذاب الذي لقيه ( أو بالأحرى حمله ) على خشبة الصليب، وانتصر عليه بالقيامة، فالصليب والقيامة هما الجواب الشافي لكل العذابات والآلام البشرية، ويخبرنا بأن الربّ ليس غير مبالٍ بآلام البشر عبر التاريخ بل هي مذكورة جميعها في الكتاب المقدّس، إن كنت تتعذب ألق همّك على خشبة الصليب وسترى كيف ستنتصر بقيامة الرب.


[1] النص الإنجيلي من العهد الجديد – منشورات دار المشرق 1988.

[2] الأسد

[3] العجل

[4] في أغلب الترجمات، في ترجمة دار المشرق “أشقر”

[5] أسود

[6] هذا في ترجمة دار المشرق، في ترجمات مختلفة « أخضر » أو « أصفر ضارب للخضرة ».

تعليق واحد على “الحيوانات الأربعة في سفر الرؤيا”

  1. اماني أضاف بتاريخ

    سفر الرؤيه هو سفر قائم علي الرموز والتشبيهات ويمكن ان تفك رموزه وشفراته بأوجه مختلفه تباعا للزاويه المقصودة البحث وقد أعطيتنا ملخص مترابط للأحداث السياسيه اعتقد انها متوافقه وتحوي اعلان فشكرا للمجهود

شارك بتعليقك