استشراف واقع التقنية في المستقبل القريب

هذه بعض الأمور التي أتوقع حدوثها في المستقبل القريب في مجال تقنيات المعلومات الاستهلاكية، معظم هذه الأمور بدأت بالحدوث بالفعل بشكل جزئي أو كامل في بعض البلدان المتطورة تقنياً، والبقية يمكن لأي مراقب لواقع تقنيات المعلومات معرفتها ولكني أحب أن أسجلها هنا لمن هو غير مطلع كثيراً على واقع تقنية المعلومات.

من الأمور التي سوف نشعر بها في مستقبل قريب جداً، تحول معظم المحطات التلفزيونية الفضائية إلى الإنترنت وستصبح الإنترنت الوسيلة الرئيسية لمشاهدة البث الإعلامي المرئي، وبعد ذلك بفترة ستلغى المحطات الفضائية وسوف يتغير واقع التلفزيون من حيث المفهوم والاستخدام.

بالحديث عن التلفزيون سوف نشهد قريباً التلفزيون ثلاثي الأبعاد (أي القادر على بث أفلام ثلاثية الأبعاد)، وهذه التقنية أصبحت متوفرة الآن ولكن شركات الصناعة التقنية ما تزال تريد جني عائدات استثماراتها في الشاشات المسطحة. بذلك سيصبح التلفزيون وسيلة لعرض الأفلام (الثلاثية الأبعاد) فقط، وليس وسيلة للإعلام المرئي حيث سيصبح جهاز الحاسوب هو الجهاز الأفضل لهذا الأمر، ولن يكون هنالك بث تلفزيوني ثلاثي الأبعاد إلا بعد فترة طويلة.

سوف نشهد أيضاً عودة قوية نحو صالات العرض السينمائي مع انتشار التقنية ثلاثية الأبعاد، وستغدو استثماراً جذاباً.

بخصوص الحاسوب سوف ينتفي الفرق بين الحاسوب الشخصي والجهاز النقال، وسيصبح لدينا أساساً جهازين، جهاز نقال سوف يحل محل جهاز الخليوي (وهذا قد بدأ بالفعل مع عصر آي فون)، وجهاز الحاسوب الكبير (الذي ندعوه اليوم الحاسوب المحمول حيث سيختفي جهاز الحاسوب المكتبي الثابت في وقت قريب جداً). وسيكون الجهاز النقال قادراً من ناحية الاتصال على تصفح الإنترنت بصورة فعالة بما في ذلك مشاهدة البث الحي للإعلام المرئي.

بالنسبة للبرامج سوف ينتشر نظام أندرويد على الأجهزة المحمولة، وربما سيحل نظام لينوكس محل نظام ويندوز على الأجهزة الكبيرة، نتيجة توافقه مع نظام أندرويد.

تخزين الملفات والبيانات سوف يصبح عالمياً، حيث سيقوم الناس بتخزين ملفاتهم وبياناتهم على الإنترنت للوصول إليها من أي مكان ومن أي جهاز حاسوب، وسائل التعمية (التشفير) هي أكثر من كافية لضمان خصوصية هذه الملفات بشرط الحد الأدنى من الاستخدام الواعي، لكن الدول ستتجه إلى إنشاء وسائط تخزين ضخمة موحّدة في كل دولة لضمان الأمن القومي (لأنه بتخزينها في دولة أخرى يعني تحكم تلك الدولة الأخرى بالسماح بالوصول للبيانات أو المحافظة عليها).

بالنسبة لشبكات الاتصال، المستقبل هو بلا منازع للشبكة اللاسلكية القائمة على نظام الشبكة الخليوية، والتي سيتم عبرها بث كل أنواع الاتصالات، والسبب الأساسي هو مرونتها وقدرتها على تقبل التطوير السريع. شبكة الهاتف الثابت ربما تتطور لوقت قليل وبعد ذلك سوف تلغى.

حتى الآن كانت شركة آبل هي السباقة في استشراف مستقبل التقنية، ولكن يبدو أن الدور الكبير القادم هو لشركة غوغل وأجهزتها الخليوية.

تأثير هذه التطورات من الناحية الاجتماعية

سوف نتذكر بالخير أيام التلفزيون الذي كانت تجتمع العائلة كلها حوله ويتفق الجميع (مرغمين أحياناً) على حضور برنامج واحد، بينما مع التطور التقني سيصبح لكل شخص جهازه الخاص (الحاسوب النقال أو الكبير) بدون الحاجة إلى المساومة على ما يرغب بمشاهدته من برامج، وهذا بالتأكيد سيضعف التواصل الاجتماعي وسيزيد من الشعور بالفردية والأنانية وضعف سلطة الأهل (أو حتى غيابها) على أولادهم، وسوف يصبح الناس أكثر جرأة في الكلام نتيجة تعودهم على إبداء آرائهم بصراحة بالتفاعل مع الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، وأكثر رفضاً لفرض تعاليم عليهم أو تدخل الآخرين في شؤونهم.

تأثير هذه التطورات من الناحية الثقافية

بخلاف ما يتوقعه المرء لأوّل وهلة سوف تضعف الثقافة كثيراً، وذلك يعود لعدة أسباب، الأول هو أن المرء أصبح يختار ما يبحث عنه أو يشاهده وبذلك سوف يبقى في إطار معرفته أو ما هو مشهور، بينما حالياً المحطات والمجلات قد تفتح آفاق المشاهد والقارئ بأمور جديدة. المجلاّت سوف يتحول معظمها إلى مجلاّت رقمية يشترك فيها المستخدم بالبريد الإلكتروني أو بمواقع التواصل الاجتماعي ويحصل على نشرة دورية بالعناوين (مثل هذه المدونة) وستشمل أكثر فأكثر مقاطع فيديو مرئية (بودكاست) ولكنّ تأثيرها الثقافي لن يكون مثل المجلات الورقية لأن المستخدم غير مرغم على متابعتها فيما يستطيع الحصول بسهولة على ما يبحث عنه. السبب الثاني الذي سيجعل الثقافة تضمحل هو انتشار التقنيات المثيرة مثل العرض ثلاثي الأبعاد، الذي سيكون هدفه التسلية فحسب وستصبح التقنيات التي تنشر معلومات علمية وثقافية أقل جاذبية. أيضاً سوف يصبح أي شخص قادراً بسهولة على إنشاء محطة بث مرئي على الإنترنت، وبذلك سوف تمتلئ الإنترنت من إعلام غير علمي وغير مسؤول، وبذلك سوف يصبح المستخدم غير قادر على تمييز العمل العلمي أو الصحفي الموثوق، من الكلام الفارغ.

تأثير هذه التطورات من الناحية الأخلاقية

بالإضافة لانتشار الفردية والأنانية سوف نشهد انتشار غير مسبوق للإباحية يتخطى بكثير ما تقدمه القنوات الفضائية والإنترنت حالياً، والسبب يعود لانتشار التقنيات ثلاثية الأبعاد، التي بدأت تُستغل من قبل الصناعة الإباحية.

من ناحية أخرى (إيجابية) سوف يضعف التشنج الطائفي وتضمحل المذاهب التكفيرية نتيجة التواصل الاجتماعي الأكبر بين أشخاص ينتمون لمذاهب ومناطق جغرافية مختلفة، وسوف يخرج الإرهاب العنفي من ثوبه الديني المزيف وتنكشف عورته للجميع.

بالنسبة للأديان سوف يضعف الإيمان مع انتشار رفاهية اللذة والتسلية، مع حالات رجوع قوي للذين كرهوا حالة الرفاهية المستعـبـِدة.

4 تعليقات على “استشراف واقع التقنية في المستقبل القريب”

  1. gabriel أضاف بتاريخ

    أريد مشاركتك قراءتك المستقبلية دون شعور بالتعدي على حقوقك كونك قمت بنشرها علناً على هذه الصفحة مما يجعلها مادة قابلة للتحاور

    الكومبيوتر والتلفزيون ( التسمية العالمية للأدوات ) بدأت تأخذ شكلاً متقارباً مما يجعلها عرضة لحذف بعضها ، ومن المنطقي جداً أن يحل الكومبيوتر كوسيلة لاستقبال الإشارات الإذاعية والتلفزيونية عوضا عن التلفزيون لكن الأخير لا ينفى باعتقادي على الأقل في سوريا لفترة لا تقل عن ثلاثة عقود من الزمن فما بالك ببقية البلاد التي تسير نحو التمدن خلف سوريا بأشواط ، فمثال قناة bbc تبث إشارتها بواسطة الأقمار الصناعية وواكبت التطور بإضافة خدمة المتابعة على صفحة الموقع ، وأعتقد أن الجميع سيتجه في هذا النهج دون الوصول إلى مرحلة حذف التلفاز بشكل جذري .

    أيضا معادلة ( لابتوب سيحذف الديسكتوب )أعتقد أنها لم ولن ومن المستحيل أن تحدث لا اليوم ولا في المستقبل القريب منه أو البعيد
    يخطئ من يظن أن الكومبيوتر المحمول ( اللابتوب ) صيغة مطوّرة أو محدثة من الديسكتوب
    فمع تحول جهاز الكومبيوتر للخدمة المدنية – أي بعد الاقتصاد من حجمه وسعره وتأمين البديل العسكري له – تم تصنيع الشكلين الثابت والمحمول بشكل متزامن ، إضافة إلى أن الأدوات التي تستخدم في الكومبيوتر الثابت لا يستطيع المحمول مجاراتها بالأداء والمردود وبالتحديد أتحدث هنا عن التجهيزات والشيبسات المبرمجة وعوامل التبريد وكثير من التفاصيل التي تجعل من الأجهزة المكتبية ضرورة لا يُستغنى عنها لفرق الكفاءة
    إضافة إلى واقع الشركات الكبرى التي تعتمد في عملها على الجانب التقني للكومبيوتر لا يمكنها منح موظفيها حرية نقل الأجهزة وتعريض آلية العمل للتوقف أو الخلل .

    أحب التعقيب على البعد الطائفي الذي توقعت ضعفه مع مرور الوقت نتيجة ساحات الحوار والاحتكاك بين مختلف الطوائف
    أرى العكس تماما
    فمن يشعر بالاحتقان تجاه طائفة ما يملك – في جلوسه خلف الشاشة ودخوله إلى الشبكة باسم وهمي من اختياره – القدرة على التعبير عن كل ما يجول في باله دون رقيب أو حسيب والتفريغ من أفكاره التي يخاف أو يخجل من التعبير عنها ومصارحة الواقع بها ، الأمر الذي لا داعي لنقاش نتائجه بحسب النظرية الأولى في الفيزياء ( الفعل ورد الفعل ) .
    وكما هو معروف أن الإرهاب الفعلي الجسدي وبقية أشكال نبذ الآخر ومظاهر غياب العيش المشترك ليست سوى تداعيات أو مراحل متقدمة من النبذ والإرهاب الفكري الذي يبدأ عادةً بشكل فردي . فالإرهاب الفكري والحوارات الطائفية على الشبكة – والتي تشكل نسبة مرعبة من المواضيع المتداولة عبر الانترنت – تساهم وبشكل كبير وفعال وملاحظ على هيكلية وتأطير الممارسات الإرهابية .

    تحياتي لك وعذراً على الإطالة

  2. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    طبعاً الموضوع مادة للتحاور وأرحب بأي رأي

    لي تعقيب وحيد حول موضوع الديسكتوب واللابتوب، لم أقل أن اللابتوب هو الشكل المحدث من الديسكتوب، لكن أجهزة اللابتوب الحديثة صارت من ناحية التقنية والسعر مناسبة لمعظم الناس، صحيح أن الديسكتوب ما زال متقدماً من الناحية التقنية ولكن ما يحدد انتشار تقنية للمستهلك هو رغبة المستهلك أكثر مما هي التكنولوجيا طالما أن التكنولوجيا قد وصلت إلى مستوّى مقبول ( وهذا الدرس الذي تعلمته مايكروسوفت من ويندوز فيستا ) والمستهلك يرغب باللابتوب كجهاز شخصي.

    بالنسبة للأعمال لا شك أن السيرفر لن يلغى ، وكذلك ستستخدم أجهزة ديسكتوب بتقنية عالية من أجل أغراض محددة، مثل النمذجة ثلاثية الأبعاد، لكن حتى في بيئة الأعمال ستحل أجهزة اللابتوب محل الديسكتوب لاستخدام الموظفين وذلك لأنه يمكّن الموظف من العمل في حال السفر، خصوصاً مع انتشار برامج الويب، وبجميع الأحوال الملفات الخاصة بالعمل تخزن على السيرفيرات التي يتم الوصول إليها إما بطريق الشبكة المحلية أو الإنترنت، وكذلك اللابتوب يوفّر حجم ومساحة.

    مكتب عملي فيه أريعة أجهزة كومبيوتر أحدها لابتوب وأفكر بجدية الانتقال إلى أجهزة لابتوب لاستخدام الموظفين مع سيرفير.

  3. George Atanas أضاف بتاريخ

    التكنولوجيا تتقدم مع تقدم الفكر و الأبداع البشري أصبحت تدخل بكل المجالات و لايمكن التخلي عن الآتمتة و نظم و أنظمة المعلومات في أي عمل كان …
    أنا أوفقك الرأي بما طرحت بهذا الحوار العلمي الشيق وليس لي إلا أن أشكرك على هذا الطرح

  4. dida love أضاف بتاريخ

    مما لا شك فيه أن التطور الحاصل الذي تحيا به البشرية الجمعاء من اسهمات ابداعية و إلهامات ربانية ما هو إلا وليد لبحث طويل وخيال واسع تحت راية العقل والعقلانية ولا يختلف اثنان في كون اننا ما وصلنا اليه الآن لم يكن عند الأجيال السابقة حتى بحلم يرونه ففي خيالاتهم الواسعة وها نحن اليوم نرى العٍجب العُجاب في هاته الحقبة في القرن الواحد والعشرين وبين ثنايا الحقيقة ودفات الخيال اضحى شعارهنا او بالاحرى شعارهم ” لا يوجد شيئ اسم المستحيل ” ولكي يكون لنا بصمة ولو بمعتقدات فكرية اضحى لابد أن نُفكر في ما هو جديد قد يكون له دور في مساعدة الأجيال القادمة ولمّ لا …,؟ مادام كل شيئ او كل الامور لا تتوقف في دائرة اليأس ، وما دام خيالي استعوب ما هو كائن فا من البديهي أن يساهم مساهمة تكون سبابا في رقيي من هو قادم فأنا ارى على سبيل التمثيل انا ارى اضحى لابد لنا ان نخترع او نكتشف دواء لكل داء يعني بدون وتخصيص وهذا طبعا حلم يروادني ويروادك ويراود كل من يريد التخلص من الأسقام التي نصنعها اليوم بأدينا هذا عن الطب أما عن المواصلات لإاصحى اليوم أن نفكر في حكاية الطائرةالتي هي بدون طيار والسيارة التي هي بدون سائق ومركبات تواكب كل المنعرجات من بر وبحر وجو اما على صعيد الاختراعات التي اراها في حلم بعيد وحتى ان كان شعارنا حاضر الا اني ارى تحقيقه مسألة وقت لا اكثر وهي ان نصنع بأيدنا انسان آلي يصبح يفكر مثلنا ويساعدنا على الاختراع ويصبح كونه كون الكائنات الاخرى طبعا كل هذه الامور تحت راية الخيال الشاسع واىلواسع الذي ليس له حدود على تقدير انشطاين حينما قال ” خيال الانسان لا يسعى الكون ..” وهذا الأمر يساعدنا ويساهم في الوصول الى مبتغانا كم ما زلت وها انا اردد اننا اليوم نحن العرب ما نحن الا كالدمى التي تتفرج على ما حولها الا غايتنا الآن هي الاستهلاك وانتظار كل ما هو جديد من الغربي وهذا طبعا يتنافى مع كتطلبات الشريعة الاسلاالدعوة الربانية لذا اصبح من الواجب علينا النهوض من قاع الدناءة من اجل شموخ الاسلام ولغة الظاد وفي الاخير ما يسعنا الا نقول ااننا ما دمنا احياء ومادام خيالنا كذلك لا بد لنا ان نبحث على سبل احسن للحد من السلبيات التي ارتكبها ابائنا

شارك بتعليقك