علاقة العلم بالدين حسب كتابات راهب أرثوذكسي من القرن الرابع عشر

هذه التدوينة عبارة عن دراسة حول كتابات القديس غريغوريوس بالاماس المتعلقة بالعلاقة بين العلم والدين، وأقدمها للتحميل المجاني على شكل كتاب إلكتروني من موقع المدوّنة.

هام: إن نشر هذا الكتاب مجاناً لا يعني بأي شكل من الأشكال أن حقوق المؤلف غير محفوظة.

إن جميع حقوق التأليف والتوزيع والنشر محفوظة للمؤلف ولذلك يحظّر على سبيل المثال لا الحصر، إجراء أي تعديل في النص أو العنوان، أو إعادة نشر الكتاب كاملاً أو مجتزءاً، بطريقة ورقية أو إلكترونية، مجاناً أو مقابل أجر، إلاّ بإذن المؤلّف، أو نسبة الكتاب إلى غير مؤلفه.

إن حفظ الحقوق لا يمنع قيام القارئ بإنشاء نسخة إلكترونية أو ورقية من هذا الكتاب للاستخدام الشخصي، ولا يمنع الاقتباس بشرط الإشارة إلى المصدر حسب الأصول المعروفة.

أرحب بوضع ارتباطاتك إلى هذه التدوينة، رجاءً لا تقم بوضع في موقعك ارتباط مباشر إلى ملف الكتاب فقد يتغيّر عنوانه، بل استخدم عنوان هذه التدوينة الدائم: http://www.ramivitale.com/?p=251

حمل الكتاب كاملاً على شكل ملف PDF من هنا

مقدّمة الكتاب

القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296 – 1359) راهبٌ مشهور في الكنيسة الأرثوذكسية، حتّى أنّ الكنيسة قد خصصت الأحد الثاني من الصوم الكبير لتذكاره[1]، وهو بالرغم من كونه راهباً عاش السيرة الرهبانية بكل ما تقتضيه من عزلة وتفرّغ للصلاة والصوم، تظهر كتاباته بالإضافة لقيمتها الروحية العظيمة علمه الواسع وقدرته الكبيرة على المحاجّة العلمية المنطقية، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى نشأته قبل الترهّب، فقد ولد في عائلة أرستقراطية، وعندما توفي والده كان غريغوريوس في السابعة من عمره فتعهّده الامبراطور البيزنطي أندرونيك الثاني وتربّى في البلاط القسطنطيني، وحصل هناك على مختلف أنواع الدروس المألوفة في أيّامه ولمع فيها، وفي العشرين من عمره قرّر اعتناق سيرة الرهبنة.

مقالاته التي سنناقشها هنا كتبها في فترة ما بين العامين 1336 و1347 حين كان ناسكاً في جبل آثوس قبل أن يُرسَم مطراناً على مدينة تسالونيك، وقد كتبها رداً على طروحات شخص يدعى برلعام.

المراجع التي تتكلم عن برلعام تقول أنه يوناني الأصل وقد قدم إلى القسطنطينية عام 1330 من كلابريا (جنوب إيطاليا)، وسرعان ما برز في القسطنطينية عالماً وفيلسوفاً، ولكن عندما بدأ بتعاطي اللاهوت كان تعليمه مخالفاً لفكر الكنيسة الشرقية وهنا بدأ الراهب بالاماس بكتابة الرسائل أوّلاً رداً على طروحات برلعام، ولكن حين لم يتوقف برلعام بل بالعكس حاول نشر أفكاره بين المؤمنين والرهبان وبدأ يهاجم الطرق الرهبانية، فحينئذٍ باشر بالاماس في نشر ثلاثياته[2] للدفاع عن الفكر الرهباني.

كانت إحدى طروحات برلعام تتمحور حول فكرة توحيد الفلسفة الدنيوية مع الفلسفة الدينية، وحتى الوصول إلى القول أن الفلسفة الطبيعية بحد ذاتها قادرة أن تطهّر الإنسان وتخلّصه من الخطيئة.

الشيئ المثير هنا والذي لا أعرف إن كان أحد قد سبق له ولاحظه أنّ طروحات برلعام قريبة إلى درجة كبيرة من طروحات فيلسوف شهير عاش في القرن الثاني عشر في إسبانية وهو ابن رشد، ابن رشد رفض فكرة تكفير الفلسفة والفلاسفة الّتي طرحها الإمام الغزالي، ولكن من جهة أخرى لم يفرّق بشكل حاسم بين الفلسفة وبين علوم الدين بل اعتبرهما واحداً تقريباً وبرلعام حاول تطبيق نفس المذهب على الدين المسيحي وهنا لقي معاندة كبيرة في الشرق لاسيما من الراهب غريغوريوس بالاماس.

المعروف أن فكر ابن رشد، والذي يمتد إلى علم المنطق والفقه ومجالات علمية أخرى كثيرة أثّر تأثيراً كبيراً في أوروبة في تلك الفترة، حتّى أنّه ظهر مذهب فكري قوي تمركز في فرنسا وإيطاليا امتد تأثيره من القرن الثالث عشر وحتى السادس عشر أو السابع عشر، أُطلِق عليه “الرشدية” (Averroism) نسبة إلى ابن رشد، وكان هذا المذهب مرفوضاً من قبل كنيسة روما حينها، واعتبره البعض بداية الفكر التنويري الغربي.

من غير المنطقي إذاً أن نفترض أن كون برلعام قد قدم من جنوب إيطاليا في الفترة التي كان فيها لابن رشد تأثير كبير فيها، وأن فكره كان مشابهاً كثيراً لطروحات ابن رشد، أن ذلك كلّه كان مجرد صدفة، بل يمكن القول وبكثير من الثقة أنه كان لفكر ابن رشد تأثير كبير على برلعام.

طبعاً لا يمكن اعتبار كتابات غريغوريوس بالاماس رد مباشر على ابن رشد لكنها رد على من يحاول تطبيق فلسفة ابن رشد على الدين المسيحي، فقد تكون آراء ابن رشد مقبولة في الإسلام بخلاف المسيحية؛ ذلك أن المسلمين (على الأقل أهل السنة) يقولون بانقطاع الوحي الإلهي بعد النبي محمد فهو آخر الأنبياء، وكل فتوى دينية تستند في النهاية على القرآن أو حديث النبي محمد وسيرة حياته، وما لم يذكره القرآن أو الحديث مباشرةً أو شابه حادثاً في حياة النبي محمد لقي جواباً في القياس وغيره من الطرق التي لا تختلف كثيراً عن الطرق المتبعة في العلوم من الاستدلال والتحليل، بالإضافة إلى أسئلة عقائدية كثيرة لم يذكر عنها القرآن شيئاً مثل علاقة الخالق بالخليقة أو خلق القرآن لم يطرح المسلمون أجوبة عنها إلا بالفلسفة العقلية.

أما في المسيحية ليس هناك انقطاع في العلاقة المباشرة بين الله وكل إنسان مسيحي مؤمن، وكل إنسان مسيحي مؤمن وصل إلى درجة معينة من القداسة والتقوى قادر على معرفة مشيئة الرب، فإذا عرّفنا النبي بأنه الشخص الذي يعرف مشيئة الرب وينقلها إلى الآخرين بالكلام أو السلوك فإن كل إنسان مسيحي مؤمن هو بهذا التعريف نبي.

لكن من جهة أخرى يمكن القول أن مؤلفات غريغوريوس بالاماس حول الحكمة تشكّل ردّ المسيحية الشرقية على أهم المسائل الفلسفية التي كانت مطروحة في زمانه وهي علاقة العلم (الفلسفة) بالدين، وقد قدم تفصيلاً في هذا المجال لم يقدمه أحد من قبله، فهو قد تحدّث عن حكمة شيطانية وحكمة طبيعية وحكمة إلهية، وفصل فيما بينها بشكل واضح لا يدع مجالاً للالتباس، وأظهر فائدة وغاية كل منها.

ولا ننس كذلك الجزء من ثلاثيات بالاماس الذي تعرض لموضوع قوى الله وكونها مخلوقة أو غير مخلوقة موضوع معاينة الله، وحوى الكتاب أيضاً مواضيع لاهوتية عميقة مختلفة، لكننا هنا لن نتعرض إلا إلى ماله علاقة بموضوع علاقة العلم بالدين.

أيضاً من المثير في أمر الربط بين رد بالاماس وأفكار ابن رشد أن أفكار ابن رشد المسلم جاءت من الغرب (إسبانية) ومرّت عبر أوروبة كلّها حتّى وصلت إلى الشرق، بينما رد بالاماس المسيحي جاء من رحم اللاهوت المسيحي الأرثوذكسي الشرقي من الشرق، وهذا ما يدل بقوة على أن ربط علاقة الشرق بالغرب دائماً بالعلاقة بين الإسلام والمسيحية على الترتيب هو أمر غير صحيح إطلاقاً، مع ذلك يبدو أنّه يمكننا دائماً المقابلة بين شرق روحاني وغرب عقلاني سواء كان ذلك في المسيحية أم في الإسلام.

أيضاً يجدر التنويه إلى أنّ غريغوريوس بالاماس شخصياً لم يكن غريباً عن الإسلام حيث أنّه أُوقِف حوالي السنة من قبل الأتراك أثناء سفره عام 1354 وأشاد وقتها بحسن معاملة الأتراك وأبدى اهتماماً بالإسلام وانفتاحاً على المسلمين، ويُذكَر أنّه كان يتناقش ودّيّاً مع اسماعيل حفيد الأمير التركي أورخان في مسائل لاهوتية.

لم يكن بالاماس أول مفكر مسيحي شرقي تكلّم عن علاقة الدين بالفلسفة، بل قد سبقه إلى ذلك في القرن الرابع الميلادي القديس الشهير باسيليوس الكبير، الذي يستشهد به بالاماس بغزارة في معرض حديثه عن هذا الموضوع، ويتّفق الاثنان على أن في الفلسفة ما هو جيد وما هو رديء، إلاّ أنّ طروحات بالاماس أقرب إلينا من باسيليوس بسبب اختلاف الزمن الذي طرح كلّ منهما أفكاره فيه، ففي زمن باسيليوس لم تكن الفلسفة البشرية قد تحرّرت بعد من عباءة الوثنية وكان التفريق بين الاثنين أمراً كثير الصعوبة، أمّا في زمن بالاماس وبعد مرور ثلاثة عشر قرناً على ظهور المسيحية فكان هناك شيء واضح مستقل اسمه الفلسفة لا علاقة له بالوثنية. لكن أيضاً زمن بالاماس يختلف عن زماننا، فهو يتكلّم عن فلسفة وعلم فكري بعيد عن التجريب، وإن وجدت تطبيقات علمية عملية في مجالات محددة كالهندسة والفلك (للملاحة) والطب، إنّما لم تكن معروفة الآلات التي تعمل بنفسها ولا المحركات ولا الأدوات الكهربائية والإلكترونية … الخ، لذلك من غير الممكن أن نجد في كلامه شيئاً يتعلّق مثلاً بالمنتجات التقنية، كذلك لم يكن العلم وقتها وصل إلى مرحلة تطرح تساؤلات أخلاقية عميقة كالاستنساخ، ولذلك الكنيسة الشرقية مدعوة اليوم لأن تقدم إجابتها عن المسائل التي تطرحها المستجدات العلمية بوضوح، وطبعاً يجب أن لا يكون ذلك مختلفاً جوهرياً عن طروحات باسيليوس الكبير وغريغوريوس بالاماس، الذين لم تعلَن قداستهما فحسب، وإنّما ركّزت مجامع مقدسة على صحّة تعليمهما وعلى أنّهما من آباء الكنيسة الكبار.

في هذه الدراسة حاولت عرض الأفكار الأساسية التي طرحها بالاماس حول علاقة الدين بالعالم من خلال مختارات من مقالتين من ثلاثياته في الرد على برلعام، المقالة الأولى من الثلاثية الأولى والمقالة الأولى من الثلاثية الثانية، وقد قمت بإعادة ترتيب هذه المختارات بحسب موضوعها بما قد يخالف تسلسل ورودها في الثلاثيات مع إضافة توضيحات بسيطة لهذه الأفكار ومحاولة إسقاطها على واقعنا اليوم.

قبل كل نص مقتبس من ثلاثيات بالاماس يوجد رقمين، الأول يدل على رقم الثلاثية والثاني يدل على رقم المقطع، وهو دائماً من المقالة الأولى سواء في الثلاثية الأولى أو الثانية، نص الاقتباس هو بالخط العريض والتعليقات المضافة بالخط العادي.

اللاذقية في الأسبوع الثالث من الصوم (أسبوع غريغوريوس بالاماس) 2010

حمل الكتاب كاملاً على شكل ملف PDF من هنا


[1] أعلنت قداسته من قبل المجمع القسطنطيني عام 1368 أي بعد تسع سنوات فقط على وفاته، وخصّص الأحد الثاني من الصوم للاحتفال بتذكاره.

[2] وهي ثلاثة كتب يـتألّف كلّ منها من ثلاثة مقالات، وهي منشورة باللغة العربية من قبل دير القديس جاورجيوس – الحرف – لبنان سنة 1995، وهو المرجع الذي اعتمدت عليه هذه الدراسة.

7 تعليقات على “علاقة العلم بالدين حسب كتابات راهب أرثوذكسي من القرن الرابع عشر”

  1. دندنة قيثارة الوجد أضاف بتاريخ

    معلومات جدا رائعة .. فسماحة الدين الإسلامي تجعل أي شخص يدركها لابد أن يشير إلى عدلها .. والعلم في اعتقادي ليس مرتبط بالدين فقط بل هو مرتبط بكل شيء في حياتنا بدء من النونيات (النانو) إلى أكبر شيء .. صافي الود

  2. ربيع خوري أضاف بتاريخ

    سلام المسيح
    لم استطع حمل الملف … هنالك خطأ ما في الموقع

  3. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    نعم أعرف للأسف، لقد تعرض الموقع لاختراق أمني منذ فترة وتمت استعادة الموقع وصار يعمل بشكل طبيعي ولكن ما تزال هناك مشكلة في الملفات، سأحاول إعادتها في أقرب وقت

    شكراً لتنويه

  4. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    لقد تم إصلاح المشكلة ويمكن فتح الملف أو تحميله من خلال الروابط في هذه الصفحة

  5. د/ محمد عثمان عبد الجليل أضاف بتاريخ

    اشكرك بداية علي انجازك لهذا المؤلف ،ويوضع في ميزان حسناتك، ولكني في امس الحاجة لكتاب القديس بالاماس المترجم للغة العربية، لاني اقوم بدراسة في هذه الفترة، فكيف احصل علية كنسخة الكترونية او ورقيه، وحسب التكلفة واكون شاكرا لك جدا. وانا اعمل استاذ في تاريخ العصور الوسطي

  6. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    أهلاً وشكراً على تعليقك

    كتاب القديس بالاماس مترجم إلى العربية من قبل رهبنة دير مارجرجس الحرف – لبنان وهو ثلاثة أجزاء

    يفترض أنه يسهل الحصول عليه من المكتبات المسيحية في لبنان ( مكتبات الأديرة الأرثوذكسية أو المطرانيات أو الكنائس )

  7. Milad Jbara أضاف بتاريخ

    كيفك رامي؟
    بعتذر ع الأزعاج بس روابط ملفات pdf هنا وفي كامل المدوّنة لا تعمل

شارك بتعليقك