هل تطلب منا المسيحية الاستماع للرأي الآخر؟

نسمع كثيراً في هذه الأيام عبارة “وجوب الاستماع للرأي الآخر” وما مثلها من عبارات كتعبير لفعل أخلاقي مطلوب في العصر الحالي، فيما تخلو الأدبيات الكنسية الحاليّة بشكل كامل تقريباً من هذه العبارات. هذه دراسة بسيطة في الكتاب المقدس وبعض الكتب الكنسية للمحاولة على الإجابة على سؤال فيما إذا كان علينا بحسب تعاليم المسيحية أن نستمع إلى الرأي الآخر أو يجب أن نتمسّك برأينا الخاص، لاسيّما إن كنّا نعتقد أن رأينا هو رأي الروح القدس نفسه الذي يقود كنيسة المسيح المقدّسة.

نبدأ أوّلاً من بستان الرّهبان إذ نقرأ من تعليم الأنبا أشعياء للرهبان المبتدئين:

لا تكن معانداً أو متمسكاً بكلمتك لئلا يسكنك الشر. فإن طالبك الأخوة بأمر لا تهواه فارفض مشيئة نفسك وتمم ما يقولونه لك لئلا تحزنهم فتفقدوا السلام في ما بينكم.

و أيضاً:

إذا كنت ساكناً مع أخ وسألك قائلاً: «اطبخ لنا شيئاً» فاسأله عما يجب فإن ترك لك حرية الاختيار فمهما وجدته موافقاً له اطبخه بخوف الله، وكلّ عمل تعملانه اشتركا فيه ولا يطلب أحدكم راحة جسده لئلا يضطرب فكر أخيه.

إذاً الرّاهب المبتدئ عليه أن يستشير غيره وذلك بسبب أنه قليل الخبرة والمعرفة، ولكن ماذا عن الذين وصلوا إلى مراتب روحية عالية، هل هؤلاء أيضاً نقول لهم استشيروا غيركم؟

في سيرة القديس سيرافيم ساروف نقرأ هذه القصة الجميلة:

زار أحد الأساقفة الأب سرافيم ساروف يوماً …

… قال الأب سرافيم عن الأسقف «ينتظره الكثير، ينتظره الكثير من الجهاد ولكنّ لله سيساعده». إلا أن البار ( الأب سيرافيم ) عندما أتى إليه الأسقف أمسك بيده وتطلع إليه بورع وقال : «يا سيد. ها إن الكثيرين من الزوار يأتون إلي أنا الوضيع سيرافيم ويطلبون أن أعطيهم شيئاً لأجل البركة. إنني أعطيهم خبزاً جافاً من طحين أبيض أو أسود وملعقة خمر أحمر. هل أستطيع أن أفعل ذلك؟»

أجاب الأسقف : «يمكنك يمكنك، ولكن كل شيء على حدة. أي من تعطه خبزاً فلا تعطه خمر أحمر لأن الناس البسطاء، كما سمعت، يعتقدون ببساطتهم ويخبرون أنك تناولهم الأسرار المقدسة. ولهذا من الأفضل أن لا تعطي خمراً على الإطلاق. أعط خبزاً يابساً فقط.»

فأجابه : «ليكن أيها السيد الجزيل الاحترام»، وقد طبق هذه الوصية  مدة حياته.

فالقديس سيرافيم الذي استطاع بمواهبه الروحيّة أن يعرف ماذا ينتظر الأسقف الذي جاء يزوره، نراه يطلب مشورته ويتممها.

قد نجد أنّ هذا أمر منطقي حسب ترتيب الكنيسة فالقديس سيرافيم طلب رأي الأسقف لأنّ الأسقف يحمل رتبة كنسية أعلى منه، وهنا نسأل؛ هل يستمع رجال الدين لمن  هم أقل منهم شأناً من ناحية الرتبة الكنسيّة؟

لنقرأ هذه القصّة من سيرة حياة القدّيس نكتاريوس:

مرة ذهب إلى القديس ( نكتاريوس وهو أسقف المدن الخمس ومدير معهدٍ للاهوت ) أحد طلبته وكان شماساً…

… طرق الباب ففتح له القديس:

- ماذا تريد أيها الشماس؟

- اسمح لي أيها المدير المحترم أن أزعجك بخصوص هذه اللعبة الجديدة…

- أية لعبة جديدة؟ انا لا أذكرها.

- إنها هذه اللعبة التي تستخدم فيها طابة من الكاوتشوك، يطلق عليها اسم “كرة القدم”.

- وما هي هذه اللعبة بالتحديد؟

- يبدو أنها تقوم على مجموعتين متنافستين من اللاعبين. ويحبها التلاميذ كثيراً. إنهم مشغوفون بها. وأرى أنها تسليهم.

- آه نعم تذكرت الآن. “كرة القدم” … إنها لعبة إنكليزية الأصل. وأعتقد أن اللاعبين يركضون كثيراً، ويتعرقون، ويصرخون، ويركلون دون توقف… ويصبح فكرهم محصوراً في أقدامهم. وأعتقد أني منعت هذه اللعبة منذ بعض الوقت.

- لكنهم يستطيعون أن يلعبوا دون صراخ. وأنا لا أجد هذه اللعبة خطيرة. فلماذا لا تسمح لهم يا سيدي بقليل من المتعة وببعض التسلية، طالما أنهم مازالوا على مقاعد الدراسة؟ … أتوسّل إليك من كل قلبي أن تسمح لهم بممارسة هذه اللعبة من وقت لآخر، بعد درس الرياضة.

رفع نكتاريوس رأسه وتأمل هذا التلميذ ملياً وابتسم ابتسامته المعهودة، ثم تمتم :

- أنا موافق يا جرفاسيوس، إذا كنت أنت شخصياً تكفل زملاءك.

-       أجل أنا أكفلهم أيها المدير المحترم.

لكن مع هذا القصّة التي تظهر لنا القدّيس نكتاريوس يستمع لأحد طلبته بأمر كان يجده شخصياً غير جائز وغير مناسب، يُطرح سؤال أيضاً عن رجال الله القدّيسين الذين وهبهم الله مواهب روحية فائقة مثل معاينة الملائكة، فهل يحتاج هؤلاء إلى أخذ رأي آخرين؟ أليس رأي الملائكة أصلح من رأي البشر؟

نقرأ هذه القصّة في بستان الرهبان:

… كان شيخ قديس، إذا قام بخدمة القداس الإلهي، يرى ملاكين واقفين، واحدا عن يمينه والآخر عن يساره، هذا كان قد أخذ نسخة القداس، من واحد من ذوي البدع في الإيمان، وإذ كان ساذجاً، لا يعرف تحرير الآراء الإلهية في تقديسه بسذاجة، فقد كان يقول كما في النسخة، ولا يعلم أنه يغلط، وبتدبير من الله، زاره شماس، راهب، عالم، فلما خدم الشيخ القداس بحضرته قال له : «هذا ليس قول اصحاب الأمانة الصحيحة»، وإذ كان الشيخ يبصر الملاكين في قداسه ، فإنه لم يلتفت إلى قول الشماس.

أما الشماس، فإنه لبث يقول له  «غلطتَ يا أبي، والكنيسة الأرثوذكسية، لا تقبل هذا القول» ولما رآه الشيخ لا يكف عن توبيخه، التفت لى الملاكين، وقال لهما : «ما معنى قول الشماس؟» فقالا له : «اقبل منه، فقد قال لك الصواب»، فقال لهما الشيخ : «وأنتما، ما بالكما لم تقولا لي؟!» فقالا : «إن الله رسم هذا التدبير، أن يصلح الإنسان، إنساناً مثله»، فانصلح رأي الشيخ من ذلك اليوم، وشكر الله تعالى، والشماس.

طبعاً يجب ألا نستغرب ذلك، القديس بولس الرسول يقول: «إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما» ( غلاطية 1 : 9 ).

وبالحديث عن بولس الرّسول لاسيما بعد قراءة الآية السّابقة، ألم يتميّز بولس الرّسول بالتمسّك الشديد بآرائه، هو الذي لم يتلقّ البشارة عن بشر بل عن وحيٍ من يسوع المسيح ( غلاطية 1 : 11 – 12 )؟

لكن مع ذلك وبالاستمرار بالقراءة في رسالته إلى غلاطية نجد أنّه بوحيٍ من الرّوح القدس صعد إلى أورشليم وعرض على المعتبرين فيها البشارة التي يبشر بها لئلاّ يكون سعى أو يسعى باطلاً ( غلاطية 2 : 1 – 2 ). المعتبَرين طبعاً يقصد بهم كبار الرسل بطرس ويعقوب ويوحنّا، أمّا عن بطرس فهو رأس الرسل الذي قال فيه السيّد «على هذه الصّخرة أبني كنيستي»، ونجد في تكملة قراءة الرسالة إلى غلاطية أيضاً أن بطرس نفسه احتاج إلى رأي بولس ليقوّم تصرّفه «لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامةٍ حسب حقّ الانجيل قلت لبطرس قدام الجميع إن كنت وأنت يهودي تعيش أممياً لا يهودياً فلماذا تلزم الأمم أن يتهوّدوا؟» ( غلا 2 : 14 ).

لكن ماذا إذا كنا متأكّدين من أمر ما أنّه مشيئة الله، فهل يجوز هنا أن نستمع لرأي الآخرين؟

في سفر الأحبار ( اللاويين ) ( 10 : 16 – 20 ): «… وسأل موسى عن تيس الخطية، فإذا هو قد أحرق، فغضب على ألعازار وإيثامار ابني هارون الباقيين وقال : «ما بالكما لم تأكلا ذبيحة الخطيئة في الموضع المقدس، وهي قدس أقداس، وقد أعطاكما الرب إياها لتحملا وزر الجماعة تكفيراً عنهم أمام الرب. فها إنّ دمها لم يؤت به إلى داخل القدس، وقد كان يجب ان تأكلاها في المقدس، كما أمرت». فقال هارون لموسى: «إنهما اليوم قد قدما ذبيحة خطيئتهما ومحرقتهما أمام الرب، وقد أصابني مثل هذه المصائب. فلو أكلت اليوم ذبيحة الخطيئة، هل كان ذلك يحسن في عيني الرب؟» فلما سمع موسى ، حسن ذلك في عينيه.»

يبدو هنا جلياً بأن النبي موسى أخذ برأي هارون المخالف لرأيه والمخالف حتى لما كان اعتقده موسى بأنه مشيئة الرب، هذا مع أن موسى النّبي نفسه كان يتلقى تعليما حول كل ما يجب فعله من الله نفسه من فمه حسب الكتاب المقدس.

فإن كان الرّب يسوع قدوتنا التي نسعى إلى البلوغ إليها، فهل كان يستمع أيضاَ لآراء الآخرين؟

في حادثة شفاء ابنة السوريّة الفينيقيّة (الكنعانية) قال السيّد للمرأة «دعي البنين أوّلاً يشبعون، فلا يجوز أن يؤخذ خبز البنين ويرمى للكلاب!»، فقالت المرأة «يا سيّدي حتّى الكلاب تأكل تحت المائدة من فتات البنين»، فقال لها: «اذهبي، من أجل قولك هذا خرج الشّيطان من ابنتك» ( مرقس 7 : 27 – 28 ).

غنيّ عن القول هنا أنّ الرب كان يعرف مسبقاً بم ستجيبه المرأة الكنعانية، لكنّه أراد إظهار أنّه يستمع لنا ولرأينا، إذا كنا متواضعين، وهكذا كانت المرأة فما من إنسان متكبّر يقبل بأن يقال عنه أنّه مثل الكلاب يأكل الفتات الواقعة من مائدة أهل البيت، وهكذا كان أيضاً أهل نينوى الذي تابوا واتضعوا بعد سماعهم لمناداة يونان النّبي فتوقف الربّ عن عقابهم، حتّى أنّ أحد الشيوخ الرهبان يقول «التواضع يقلِب الله» بمعنى أنّه يغيّر حكم الله، وكذلك بهذه الآية يعلّم يسوع تلاميذه ويعلّمنا بأنّه لا ينبغي رفض سماع رأي أي إنسان مهما كانت مرتبته حقيرة.

في النّهاية تبقى الغاية معرفة مشيئة الرّب في كلّ أمرٍ نفعله، وبهذا يقول القديس يوحنا السلمي: «على الطالبين معرفة مشيئة الرب أن يميتوا مشيئتهم أولا، وبعد أن يصلوا إلى الله بإيمان وبساطة خالية من الخبث ويسألوا آباءهم أو إخوتهم بقلب متواضع وفكر غير مرتاب، أن يقبلوا ما يشيرون به عليهم كأنه من فم الله، حتى ولو كان منافياً لرغبتهم أو كان الذين سألوهم غير متقدمين في الروحانيات. وذلك أن الله ليس ظالماً حتى يضل نفوساً قد رضخت بإيمان وطهارة لمشورة قريبها وحكمه. لأنه حتى إن كان الذين استشيروا أغبياء إلا أن الله اللاهيولي واللامنظور هو الناطق فيهم.» ( السلم إلى الله، المقالة 26 عدد 111 ).

إذاً أيّاً كانت مكانة الشخص الروحية والكنسية يجب عليه أن يصغي وأن يستمع لرأي الآخرين حتّى لو لم يكونوا متقدّمين في الرّوحيّات. في حين نرى أن كثيرين يبادرون إلى المجادلة وإلى المخاصمة معتقدين أنّهم يعرفون مشيئة الله، نجد أن بولس الرسول يقول «أرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء، فما الله إله فوضى بل إله السّلام.» ( 1 كو 14 : 32 – 33 ).

المشكلة الكبيرة في كنيستنا اليوم ليست أنّ لا أحد يستمع للرأي الآخر فحسب، بل أكثر من ذلك هناك من يفاخرون بأنّهم يفرضون رأيهم على الآخرين بالتذاكي أو القوة أو الاحتيال، ومنهم آباء روحيون ينشرون هذا الاتجاه بين الكثير من النّاس، لكن هذه ليست أخلاق مسيحيّتنا، ولربّما انتشرت فينا تأثراً بجوٍّ محيط أو بسبب توانينا.

المهم أن نعلم ونعي أنّ هذا توجّه خاطئ ويعارض مشيئة الرّب. نحن لا نرى أحد ضمن الكنيسة يفاخر بأنّه يزني أو يختلس أو يشهد بالزور …الخ، لأنّ هناك وعي عام بأنّ هذه الأمور خاطئة، وهكذا يجب علينا أن نسعى لكي ننشر فكرة أنّ الاعتداد بالرأي والعناد هو نقيض التّواضع وهو أمر خاطئ وليس من شيم المسيحية.

Post to Twitter Post to Delicious Post to Facebook Post to MySpace

2 تعليقات على “هل تطلب منا المسيحية الاستماع للرأي الآخر؟”

  1. رامي أضاف بتاريخ

    الديانات كلها تسمع من الاخرى

  2. ربيع أضاف بتاريخ

    شكراًرامي على هذا المقال ينبغي لي ان اوشير الى انه يوجد هناك كتابات مسيحية ارثوذكسية تعنى بالآخر و كمثال عنها ” الأديان نظرة متبادلة ” لمجموعة من المؤلفين اصدار النور على ما اعتقد كما يوجد كتاب عنوانه “سر الأخ” كما يوجد هنا وهناك أحاديث للمطران جورج خضر تتكلم عن الآخر و الشريك في الحياة بالطبع اجد ان المقاربة التي انتهجتها كانت مميزة و مبنية على فكرة اساسية في الروحانية الارثوذكسية ألا وهي التواضع هذه الحالة التي فيها شاهد يسمعان اللاهوتي الجديد النور غير المخلوق و بدونها فقد هذا النعيم وبها وليس بغيرها شاركنا الله في بشريتنا لما تواضع آخ صورة عبد

شارك بتعليقك