لن تقطعوا هذه الشجرة!

(نشرت هذا المقال في موقع سيريانيوز باسم مستعار)

أصوات آليات وضجة تصدر في الصباح من الشارع، نظرت من البلكون لأشاهد منظراً مقززاً، تراكتور ورجل الظاهر أنّه من عمّال البلدية معه منشار كهربائي كبير يهم بتقطيع أوصال الشجرة الوحيدة في الحارة أمام مدخل بنايتنا. صعقت للمنظر ونزلت راكضاً إلى الشارع.

– صباح الخير، خير ماذا تفعلون هنا؟

– جئنا لتقليم أغصان هذه الشجرة.

طبعاً أعرف أن كلمة تقليم أو كلمة تشذيب ليست عند عمال البلدية هؤلاء إلا كلمة مرمّزة تعني لهم تشويه الشجرة والقضاء عليها، أقول هذا وأنا أتذكر الشجرة الأخرى المسكينة التي كانت تطل على نافذة غرفتي، وما أحدثت بها ذراع التقليم، حيث قضي عليها بشكل كامل وبقي الجذع المائت سنتين قبل أن يزال نهائياً.

– ولماذا تقومون بذلك الآن، هل هناك مخطط لتجميل الشارع؟

– لا ولكن الأستاذ جمال (جارنا في البناية وهو مهندس ) قدم شكوى للبلدية لقطع أغصان الشجرة لأنّها تشكل خطراً على سيارته التي يرصفها أسفل منها!

– طيب، إذا كان الأستاذ جمال يحق له أن يطالب بقطع أغصان الشجرة كونه يسكن في هذه البناية فأنا أيضاً أسكن في نفس البناية ولي الحق أن أطالب بعدم قطعها.

– هو قدم شكوى للبلدية وبالنهاية عملنا هو فقط تنفيذ الأوامر.

– هل إذا ذهبت إلى البلدية وقدمت شكوى سوف تأتون غداً وتعيدوا الشجرة إلى ما كانت عليه؟

في الواقع لم يفهم هذا العامل المعنى العميق في كلامي وكل الذي استنتجه أنني أهبل، فابتسم ابتسامة ساخرة وقال:

– دعنا نمارس عملنا.

وحينها وقفت بينه وبين الشجرة وأجبته بنبرة حاسمة:

– أياً كان لن أدعكم تقطعوا هذه الشجرة!

وقتها أتى الأستاذ جمال بعد أن اخبره أحدهم بما أفعل:

– صباح الخير يا جار، إن شاء الله ما في مشكلة؟

– خير إن شاء الله، سمعت أنكم تقدمتم بشكوى لقطع أغصان الشجرة.

– نعم هذا صحيح فأغصان الشجرة تشكل خطراً كبيراً إذ يمكن أن تقع نتيجة عاصفة على سيارتي التي أرصفها تحتها أو على أي شخص يمر بالشارع، فهي خطر على السلامة العامة.

– يا جار يمكنك ببساطة أن ترصف سيارتك في مكان آخر عندما يكون الجو عاصفاً، وكذلك أي شخص واع لن يمر تحت الشجرة في حال وجود عاصفة.

– أنا لا أفهم ما هي مشكلتك مع هذه الشجرة، أصلاً ثمارها تقع على الأرض وتوسخ مدخل البناية، وتجلب البرغش في الصيف، وتحجب الرؤية عنا،

– رؤية ماذا؟

– رؤية … أي شيء، قل لماذا ترفض قطع أغصان الشجرة؟

في الواقع هنا تحيّرت بماذا أجيب، فلو قلت أن منظر الشجرة يجلب الهدوء والاستقرار النفسي سوف يقول لي “إذا أردت استقرار نفسي اذهب وتزوج” خصوصاً أني العازب الأشهر في البناية، والعبارة الثالثة الأكثر شهرة بين جيران البناية بعد “صباح الخير” و“ألم تروا غسيلنا وأنت تنشرون غسيلكم المبلل فوقنا” هي “أما تزوجت بعد؟” وهي توجه لي بشكل حصري. هل أقول له أن منظر الشجرة جميل وهو يجمّل البناية والشارع كلّه؟ لكنّه عندها سيعايرني بأني لم أقبل المشاركة في تشييد باب كبير مزخرف باللون الذهبي على مدخل البناية وبالتأكيد ليس الوقت مناسباً لمحاضرة عن علم الجمال.

هل أقول له سأشتاق إلى العصافير التي تسكن في الشجرة وتوقظني عند الصباح؟ عندها سأصبح موضوع سخرية البناية للسنوات العشر القادمة، وسيقول لي ببساطة “سأشتري بنفسي لك عصفور وقفص وأضعه على نافذة غرفتك! “ أو أبسط من ذلك “أذا أردت لدي رنة على موبايلي بصوت زقزقة العصافير سأبعثها لك بلوتوث ويمكنك أن تضعها رنة للمنبه! “، لكن هنا خطرت لي فكرة،

– يا جار ليس لدي مشكلة في تشذيب أغصان الشجرة، لكن أريد أن يكون ذلك بشكل علمي صحيح، أنت مهندس وتعرف ماذا أعني.

وهنا توجهت بالكلام إلى عامل البلدية الذي بدأ صبره ينفذ وهو يستمع لحديثنا:

– حتى تقطع أغصان الشجرة أحضر لنا ورقة من أحد مهندسي البلدية فيها مخطط دقيق للشجرة وللأغصان التي يجب قطعها، فليس من الوارد أن تقطعها كيفما كان بطريقة غير علمية!

هنا سكت الجميع وأجابني هذا العامل وبصوته شيء من الانزعاج:

– حسناً سأحضر لك هذه الورقة فقط لتكون راضياً!

وأخذ عدته ورحل.

نظر إلي الأستاذ جمال وهو يهز رأسه، لقد فهم خدعتي، فلا يوجد مهندس في الكون مهما كان ماهراً، يقدر أن يضع مخططاً دقيقاً لشجرة!

وفجأة لاحظت أحد أغصان الشجر من خلف كتفي كأنه يحيط بي ويضمني بحنان، حنان لم أر له مثيلاً في حياتي …

9 تعليقات على “لن تقطعوا هذه الشجرة!”

  1. مخطط للشجرة وأغصانـها .. حلوة هي 🙂
    بس عرفت تدبرها .. سرعة البديهة منيحة بهيك مواقف .

    تحياتي

  2. يلي بيقطع شجرة لازم يقطع إيديه قبل ما يقطعا…..
    بدل ما يقطعها ليش ما بقص الأخصان التالفة والورق اليابس وبرتب منظرها ……

    شكراً لك

  3. ذكرتني بحادثة مماثلة عندما وجب تغيير مخطط إحدى اجمل شوارع مدينتي حلب و الذي كانت تنصفه عائلة من الأشجار تتلاحم مع اهل المنطقة بذكرياتهم و محبتهم لهذا الشارع
    , واستلزم المخطط التنظيمي الجديد على إزالة هذا المنصف الشجري بامتياز ليصبح شارعا كبيرا واحدا باتجاه واحد…
    لن تصدق ان كل سكان الشارع بكوا اشجارهم…. كانت جزءا منهم
    و رغم ان هذا الشارع ما زال جميلا و انيقا و لكنه فقد الكثير من روحه…

  4. للأسف، نمو شجرة يحتاج لعشرات السنين وقطعها لا يحتاج لأكثر من توقيع مسؤول على مخطط على الغالب غير مدروس بطريقة صحيح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *