ليحرثها ويحرسها

أتابع هنا في السلسلة التي بدأتها منذ فترة طويلة عن قصة الخلق في الكتاب المقدس.

نتابع القراءة في قصة السقوط فنجد “وأخذ الربّ الإله الإنسان وجعله في جنّة عدن ليحرثها ويحرسها” ( يختلف النص قليلاً بين الترجمات ) إذاً كما في قصة التكوين التي تعود لتقليد ولكاتب آخر، نجد هنا نفس المفهوم، وهو أنّ الربّ هيّأ المسكن بشكل كامل قبل وضع ساكنه فيه، وهذا يدلّ على محبّة الله وحسن عنايته.

لكن عبارة “ليحرثها ويحرسها” تثير الكثير من التساؤلات، فلماذا يحتاج الإنسان إلى التعب وحراثة الأرض حيث أن الرب قد أنبت للإنسان كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل وشجرة الحياة ( تكوين 2 : 9 )؟ ألم يكن التعب والعمل من أجل أكل الخبر هو عقوبة الرب لآدم بعد السقوط “بعرق جبينك تأكل خبزاً” ( تكوين 3 : 19 )؟

من الواضح أنّ الحالتين متماثلتين، فهنا يحرث ويعمل، وهناك يحرث ويعمل، هنا يأكل وهناك يأكل، ولكن الفرق الأساسي هو في الموقف، الإنسان على الصورة التي خلقه الله عليها كان يعمل لأنّ ذلك من طبيعته وليس بهدف الحصول على الخبز إذ كان يعتبر بشكل طبيعي أنّ رزقه على الله كما يقول الناس المؤمنون.

فالعمل في الجنّة هو نقيض للكسل والتواني وليس إطلاقاً نقيضاً للإيمان والفرق كبير. كثيرون عندما يحاولون تخيل الجنة، أو تخيل الوضع المثالي الأجمل لحياة الإنسان، يتصورون السيادة والغنى بحيث لا يحتاج المرء لأن يعمل بل تحت يديه خدم وحشم يحققون له كل ما يريده، ليس هذا الوضع المثالي الذي يعلّمه لنا الكتاب المقدس، الذي يظهر لنا الإنسان عاملاً فقيراً يعمل في كلّ نهاره “يخرج الإنسان إلى عمله وإلى خدمته حتّى المساء، ما أعظم أعمالك يا رب كلّها بحكمةٍ صنعت” ( مزمور 103 : 23 – 24 ) بل إن أحد أهداف حياته الأساسية هي العمل!

نستطيع أن نسقط هذا على حياتنا، فكلّنا مدعوون لأن نحقق في ذواتنا الحالة الفردوسية، وذلك يكون بأن نعمل بجد وإخلاص من أجل تقديم خدمة للمجتمع والطبيعة المحيطة بنا، فالإنسان بحراثته يخدم الأرض والتراب الذي جبل أصلاً منه، وليس من أجل وبهدف الحصول على المال والطعام فحسب، بل إنّ حصولنا على المال وإن كان مرتبطاً حسب العرف الاجتماعي بالعمل، وإن كان أيضاً ضرورياً لاستمرار الحياة، إلاّ أنّه ينبغي دائماً اعتباره عطية ورزق من الله.

ويحرسها” أيضاً هنا نجد أنّ للإنسان دور مهم وواجب ومسؤولية تجاه المجتمع والطبيعة التي يعيش فيها، فلم يخلق الإنسان من أجل ذاته فقط، وهو وإن كان متسلّطاً على الطبيعة ( تكوين 1 : 26 ) فالطبيعة وما فيها لم تخلق لأجل خدمة الإنسان فحسب، فيكون من حقه أن يدمّر ويخرّب فيها حسب هواه وبدون حساب، إنّما هو الذي خلق من أجل خدمتها وعليه حراستها، إنّها السلطة المرتبطة بالخدمة وبالمسؤولية وليست سلطة المستغل كما يعلّم الربّ “من أراد أن يكون فيكم أوّلا ً فليكن للكلّ خادماً” ( مرقس 9 : 35 ).

يحرسها مما وممن؟ قبل كل شيء يحرسها من نفسه، فلا يخرّب فيها بل يحافظ على نظامها وحسن سير حياتها، وبما أنّ الطبيعة تقدّست بالإنسان الذي هو سيدها، وهو صورة الله ومثاله في الطبيعة، فإنّ محافظة الإنسان على قداسته وعلى نقاء الصورة الإلهية فيه هي حراسة للطبيعة ومحافظة عليها.

تعليق واحد على

  1. العمل يفرح قلب الانسان انه حقا جزء من الحالة الفردوسية شكرا رامي على هلامقالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *