محاولة لإعادة تعريف نظام السوق الاجتماعي

في الفترة الماضية صار الجدل حول النظام الاقتصادي في أشدّه، فمنذ سقوط الاتحاد السوفيتي بدأ عدد كبير من الدول الاشتراكية النظام سابقاً بالتحول إلى اقتصاد أكثر حريةً وانفتاحاً بعد وقوعها في حالة مزرية من الفساد وسوء الإدارة، من الجهة الأخرى جعلت عدد من الكوارث الاقتصادية التي حلّت بالاقتصاد الرأسمالي خصوصاً في الولايات المتحدة الأميركية بعض المنظرين الاقتصاديين يعيدون النظر بجدوى النظام الرأسمالي وحاجة بعض أسسه إلى إعادة الصياغة، وهنا بعض الاقتصاديين الاشتراكيين تفلسفوا عليهم قائلين أن تدخّل الدولة من أجل إنقاذ الاقتصاد العالمي كان في حقيقة الأمر عودة إلى النظرية الاشتراكية، وطبعاً الطرف الآخر نفى ذلك، والمهم أن النقاش القديم سيبقى موجوداً وكلٌّ سيحاول إثبات وجهة نظره عن طريق تعداد المشاكل التي أدى إليها تطبيق النظام الآخر وهكذا.

أما نظرة موضوعية للأمور فمن شأنها أن تستنتج أن لكلا النظامين مساوئه، ولذلك بدأت نظريات اقتصادية أخرى توازن بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي بالحصول على شعبية متزايدة ولعلّ أبرزها نظام السوق الاجتماعي وهو ليس حديثاً بل قد نشأ في ألمانيا والنمسا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والذي أظهر عبر تاريخ لا بأس به استقراراً قوياً لا تهزّه رياح الأزمات بسهولة.

للأسف تعريف نظام السوق الاجتماعي ليس واضحاً تماماً، فيقول البعض أنه يقوم على أن الدولة تضمن شروط وآليات اقتصاد السوق، إلا أنها تعمل في ذات الوقت على ضمان التكافؤ الاجتماعي، أي أن نظام حرية السوق هو الأساس، ولكن الدولة تتدخل لتحافظ على المصالح الاجتماعية للعمال والموظفين من حيث الطبابة والتأمين الصحي والمعاشي ..الخ. في النظام الاشتراكي تعتبر حقوق العمال هي الهدف الأساسي، بينما في النظام الرأسمالي حرية السوق هي الأساس، وبهذا يعتبر بعض المحللين نظام السوق الاجتماعي حلقة الوصل أو الحل الوسط بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي، بدون أن يكون مبنياً على فكرة إيديولوجية واضحة، وهذا من شأنه أن يضع أسئلة استفهام كبيرة عند محاولة تطبيقه على الدول التي لا خبرة لها فيه، وكذلك صعوبة مساءلة القائمين على تطبيقه في حال اعتماده، مما يسمح لهؤلاء بالتلاعب وطرح قوانين وقرارات تخدم مصالحهم الشخصية طالما لا يوجد مقياس واضح لقياس مطابقة هذه القرارات لمفهوم النظام الاقتصادي المطبّق.

أعتقد أنّه إذا نظرنا إلى كلا النظامين  الاشتراكي والرأسمالي بنظرة دقيقة واضحة، فيمكننا عندئذٍ أن نحدد الحل الوسط الأنسب بينهما، والذي لا نريد فقط حلاً وسطاً بل خطاً مستقيماً حدوده واضحة ومفهومة، فالحل الوسط بين خطين مائلين أحدهما نحو اليسار والآخر نحو اليمين ليس من الضروري أن يكون خطاً مستقيماً، إلاّ إذا استطعنا تحديد درجة ميلان كل خط من الخطين بدقة.

أولاً النظام الاشتراكي ينطلق من مفهوم عام يمكن تحديده بكلمة واحدة: التخطيط أو التوجيه، فالصفة الغالبة للنظام الاشتراكي أن الدولة تقوم سلفاً بوضع الأسس والقواعد التي يجب أن يعمل بموجبها الاقتصاد، منطلقةًَ بذلك من فكرة أن رؤوس الأموال استبدادية بطبيعتها وستؤدي حتماً إلى قهر أصحاب الدخول المحدودة، ولذلك لا يجوز السماح لها أن تتصرف بحرية.

للنظام الموجّه مشاكل عديدة بحسب ما أظهره تاريخ الدول التي طبقته لفترة طويلة، أولها أنه يفترض أن المجتمع والاقتصاد أشياء مفهومة يمكن تحديد كيفية تفاعلها مسبقاً وبالتالي التأثير الإيجابي بهذا التفاعل، وهذا أمر بالتأكيد غير صحيح، فمهما تقدم العلم البشري باعتقادي لن يستطيع أن يضع تصوّر واضح ونهائي لكيفية تفاعل المجتمع والاقتصاد البشري. أيضاً من مشاكل النظام الموجّه أن يقف عائقاً في طريق التطوّر الطبيعي للمجتمع حيث يعتبر أنه يخضع لقواعد جامدة وثابتة لا تتغير بتغير الظروف التاريخ، وكذلك أنه يقف بوجه الفكر المبدع، فالاستنتاجات المسبقة ليس من الضرورة أن تكون صحيحة وقد يأتي من يصححها ويطوّرها وهذا يفرزه النظام الاشتراكي. ومن الواضح أن فكرة التوجيه هنا لا تقتصر فقط على الاقتصاد بل نرى أنها تستشري في كل نواحي الإدارية للدولة، مما يجعل الدولة المسؤول الأول والأب الذي يعتبر أولاده أصغر من عمر النضج وبالتالي لا بد من توجيههم والتخطيط لأسلوب حياتهم سلفاً.

أما النظام الرأسمالي فيقوم على فكرة إيديولوجية تنص على أن السوق الحر كفيل دائماً بحل مشاكله بنفسه مهما كبرت وهي تنطلق من الإعجاب بقدرة السوق في أحيان كثيرة على إيجاد الحلول بنفسه، وتم توسيع هذه الخبرة إلى إيديولوجية شاملة، وهذا الاستقراء المبالغ فيه أثبت التاريخ عدم صحّته، فغير خافٍ على أحد الكوارث والأزمات العالمية التي سببها، ليست أكبرها أزمة الرهن العقاري الأخيرة ومنعكساتها على الاقتصاد العالمي ككل، وليست أصغرها التسبب بالجوع وعدم توفّر المواد الغذائية الأساسية لأبناء الدول الفقيرة. فالجشع الإنساني من الممكن يصل إلى حدود كبيرة لا تحد وسيحاول دائماً أن يتحايل على قوانين السوق ولا يستطيع السوق دائماً الوقوف في وجهه، ومن أمثلة هذا التحايل المضاربة والاحتكار والاتفاق بين الشركات الكبرى ..الخ. أيضاً من الواضح أن النظام الرأسمالي ليس مجرد نظام اقتصادي بل تسري أفكاره الليبرالية على كل نواحي إدارة الدولة ويدعى لهذا نظاماً ليبرالياً.

إذاً ما الحل الوسط بين النظام المخطط والنظام الحر؟ الجواب برأيي وبكلمة واحدة: النظام المراقب!

أعلم أن هذا المصطلح يحتاج إلى توضيح، فكثيرون يخلطون بين النظام المخطط والنظام المراقب، ويستخدمون المصطلح الأخير لوصف الأوّل، ولكن لا، الفرق كبير جداً بين التخطيط والتوجيه المسبق وبين المراقبة، فالمراقبة لا تكون فاعلة إلاّ عندما تحتاج الأمور إلى التدخل الحاسم لإعادة مسار السوق نحو طريقه المستقيم عندما ينحرف عنها. السؤال هنا، ما هو هذا الانحراف الذي يتطلب التدخل لوقفه؟ الجواب ببساطة وكما في كل القوانين والأنظمة الأخرى في الدولة الحديثة، هو عندما تتعارض مصلحة ضيقة لفئة قليلة من الناس مع مصلحة كبيرة لعدد كبير من الناس، عندها تتدخل الدولة بسلطاتها الثلاث لتحقيق المصلحة الأكبر والتي تدعى اصطلاحاً بالمصلحة العامة.

طالما كانت المراقبة تدخل في تعريف أو توضيح نظام السوق الاجتماعي، ولكن على حد علمي لم يقم أحد بملاحظة أنّ المراقبة تشمل كل فكرة نظام السوق الاجتماعي وتشكل الفكرة الإيديولوجية الشاملة له والتي يمكن تمييزها بفعالية عن التوجيه وعن الحرية مثلما أطرح أنا هنا.

إذاً التصرّف في النظام المراقب يكون بعد ظهور التعدي وليس قبله، ولهذا يجب أن تكون مراقبة مستمرة ودائمة لأنه مهما تطوّرت وحسِّنت القوانين سيظهر من سيحاول أن يتلاعب عليها ويطور وسائله، في الاحتكار أو المنافسة غير المشروعة أو استغلال مصالح العمال وغيرها من الأمور، التي تصب كلّها في خانة تغليب المصلحة الخاصة الضيقة على المصلحة العامة الواسعة.

السؤال هنا ماذا تفعل الدول التي لم تطبق هذا النظام بعد وتريد أن تطبّقه؟ هل تلغي كل قوانينها وأعرافها وأنظمتها وتطلق حرية السوق وتنتظر ماذا سيحدث لتتصرف؟ طبعاً لا، إذ يمكن الاستفادة من خبرات الدول الأخرى، أو من القوانين الموجودة سلفاً، ولكن من المهم بمكان عند محاولة تطبيق هذا النظام، أن نطبّق القوانين والأنظمة التي بنيت أصلاً على أساس خبرة حقيقية حدثت فعلاً وجاءت نتيجة مراقبة السوق وليس التي بنيت على التنظير المسبق.

هذا مشابه للطرق المتبعة في العلوم على اختلاف تخصصاتها، فالعلم لا يدعى علماً إلاّ إذا نتج عن خبرة وملاحظة وأيدته التجارب المختلفة بعد ذلك، فالاقتصاد المراقب هو أكثر الأنظمة قرباً من المفهوم العلمي لعلم الاقتصاد، وإذا كان من اتجاه سياسي واسعة ينسجم مع مفهوم الاقتصاد المراقب فهو العلمية.

هناك سؤال جوهري أيضاً، ما هي الأدوات والوسائل التي يحق للدولة استخدامها لتصحيح مسار السوق؟ أو بعبارة أخرى ما هي الحدود الحمر التي لا يجوز أن تتطرق لها القوانين الاجتماعية والاقتصادية؟ الجواب ببساطة لا توجد حدود ولا توجد مجالات لا يحق للدولة أن تتدخل بها، وهذا ما يتعارض مع فكرة النظام الرأسمالي الحر، ولكن كما قلنا بشرط أن يكون التدخل دائماً نتيجة لانحراف واضح حصل ومحاولة لإصلاح هذا الانحراف، وأن تكون القوانين والقرارات معلّلة بشكل واضح  وكاف بما يختص بالمشكلة الواقعة التي وضعت القوانين من أجل تصحيحها، ولا توضع أي قوانين وقرارات بناءاً على تنظير مسبق مهما بدا ذكياً.

لنعط مثالاً عن الأزمة المالية الأخيرة التي بدأت من مشكلة في الرهن العقاري في الولايات المتحدة وأثرت على كل العالم بدون استثناء. يمكن تحديد المشكلة أساساً في جشع وسطاء الرهون العقارية الذين كانوا يقنعون المقترضين بأخذ قروض أكبر من قدرتهم ومن ثم يقنعون المصارف الكبيرة وتجار القروض بشراء تلك القروض منهم بدون أن يطلعوهم بشكل كاف على مخاطرها، وطبعاً هناك حيثيات عديدة أخرى في هذه المشكلة لا يمكن تفصيلها هنا ولا يمكن استبعاد جشع المصارف والمقترضين على السواء من المسؤولية، لكن بعد وقوع الأزمة تدخلت الدول الكبرى بقوة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد، لم يكن هذا التدخل نابعاً من فكر إيديولوجي رأسمالي ولا اشتراكي، بل الملفت في الموضوع أن تدخل الدولة في الولايات المتحدة تأخر عن مثيلاتها الأوروبية بسبب أن أعضاء في الكونغرس الأميركي رفضوا هذا التدخل لأنهم وجدوه يتعارض مع مبادئ الرأسمالية التي يعتبرونها المحرك الأساسي للاقتصاد الأميركي. وهم محقون دون شك في أن هذا التدخل معارض لمبادئ الرأسمالية، ولكن بغض النظر عن الإيديولوجية هذا التدخل كان ضرورياً جداً ولسان حال القادة كان يقول دعونا ننقذ البلاد الآن وفيما بعد نتناقش حول الإيديولوجية، والحق يقال أنه لو كان للدول الكبرى عقلية التدخل لكان تدخلها ليكون في وقت أبكر ولكانت الكثير من منعكسات هذه الأزمة تم تجنّبها في وقتها.

اليوم في سورية وفي العديد من الدول الأخرى يطرح ما يسمّى بنظام السوق الاجتماعي على أنّه البديل الأفضل للنظام الاشتراكي السابق، ولكن يجب عندما نريد أن نطرح طرحاً جديداً أن يكون واضحاً ومفهوماً حتى لا يحصل التباس بين الجهات المنفذة والجهات التي تراقب وتقيّم عملها، ولذلك أرى أن عنوان الطرح يجب أن يكون بشكل حرفي “الاقتصاد المراقب” وأعتقد أن هذا الطرح يجب أن يشمل أيضاً  كل الدول الأخرى الرأسمالية التي هي بالفعل في الفترة الأخيرة كانت تتدخل بشكل قوي لإعادة التوازن إلى الاقتصاد، مما يجعل النظام الاقتصادي فيها عملياً، اقتصاداً مراقباً.

تعليقان على “محاولة لإعادة تعريف نظام السوق الاجتماعي”

  1. حلوة فكرة النظام المراقب بس السؤال المهم كيف يتم مرلقبة القطاع الخاص , ورجال الاعمال يكدسون ثرواتهم والموظف يعطى راتب بالكاد يكفي حاجته الرئيسة , فالحل هنا نقابات عمال قوية جدا غير مسيطر عليها وغير متهمة بالفساد , لكي يضغطوا على القطاع الخاص برفع رواتب الموظفين والعمالة حسب كفائتهم و خبرتهم العملية لانهم هم المحرك الاساسي لدورة الاقتصاد وليس رجال الاعمال , انهيار الطبقة الوسطى معناه بالتاكيد انهيار الاقتصاد والتحول الى كساد عظيم .
    وهناك اقتراح اخر يجب تخصيص ضريبة على الموال النقدية المودعة بالبنوك حسب الشرائح لان عدم اسثمارها يؤدي كساد ايضا وضياع فكرة الاسثمار .

    مقالة جميلة جدا يا رامي

  2. شكراً حافظ على مشاركتك

    بالتأكيد النقابات وضرورة تفعليها شرط أساسي ومهم جداً

    بالنسبة لكيفية مراقبة القطاع الخاص فهذه ليست مشكلة، فعندما تكون شروط العمل صعبة جداً والرواتب قليلة جداً وربح الشركات ورؤوس الأموال هائلة فهنا يجب أن تتدخل الدولة بشروط العمل وبالحد الأدنى للرواتب لأن ذلك يدخل في إطار عدم تغليب مصلحة خاصة ضيقة ( أصحاب رؤوس الأموال الكبار ) على مصلحة عامة كبيرة ( العمال والموظفين )، في النظام الرأسمالي لا تتدخل الدولة إلا قليلاً، أما النظام الاشتراكي فيقول أن العمال هم يجب أن يكونوا أصحاب الشركة وفي الحالتين لن تحل المشكلة، بل في النظام الاشتراكي الوضع أسوأ بعد لأن تلك النظرة تحول القطاع الخاص إلى شركات خاسرة وبالنتيجة يخسر الجميع، أصحاب رؤوس المال والعمال والموظفون على السواء

    بالنسبة لتخصيص ضريبة على الأموال المودعة فهنا يجب عدم التسرع ودراسة الموضوع وتجربته أو الاستفادة من تجارب دول أخرى في هذا المجال، وهذه هي فكرة النظام المراقب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *