الإعاقة من وجهة نظر مسيحية

(نشرت هذه المقالة في نشرة العربية من إصدار مطرانية السويداء للروم الأرثوذكس)

الإعاقة في اللغة تعني تثبُط وتأخر وعجز الشخص عن فعل عمل معين، وتطلق عادة على عدم قدرة شخصٍ ما على فعل شيءٍ ما يستطيع كل إنسان على فعله، وبهذا المعاق ليس هو فقط المعاق جسديّا أو عقليّاًً، بل المعاق أيضاً بسبب الوضع الاجتماعي، أو الاضطهاد السياسي أو الحالة المادية أو الوضع النفسي الداخلي للشخص، هؤلاء معاقين جميعهم.

حسب تعريف منظمة الصحة العالمية، الإعاقة هي “أي فقدان أو انحراف عن الأداء في البناء النفسي، أو الفسيولوجي أو التشريحي، أو أي عجز ناتج عن قصور في القدرة على أداء نشاط ما بشكل يعتبر طبيعياً للكائن الحي البشري، أو أي ضرر لفرد ما نتج عن قصور أو عجز يحد من، أو يحول دون، قيامه بالدور الطبيعي، بالنظر إلى العمر والجنس والعوامل الاجتماعية والثقافية لذات الفرد.”

بمنطق العالم والذي يمجد القوة الجسدية ( بكافة أشكالها العضلية والعقلية والنفسية ) والجمال الجسدي، لا يمكن أن ينُظر إلى المعاق إلا بنظرة فيها شيء من الاستخفاف، أمَّا بوجهة نظر الكنيسة فالأمر مختلف، فالمعاق مخلوق على صورة الله ومثاله، وكونه معاقاً لا يشوّه صورة الله فيه، بل بالعكس يجعلها أكثر نوراً وأكثر لمعاناً! يعرف هذا كل معاق إن كان يحبّ الله وأكثر المعاقين هكذا، وأيضاً كل الأشخاص القديسين الذين صرفوا وقتاً، جهداً أو مالاً من أجل رعاية الأشخاص المعاقين والاهتمام بأمورهم.

المشكلة الكبيرة السائدة في مجتمعنا هي أننا لا نتبنى الموقف الكنسي الواضح في الكتاب المقدس وننظر إلى الإعاقة وليس إلى الشخص، ونعامل الشخص المعاق – سواء كانت معاملة مساعدة أو تعامل يومي عادي أو حتى سخرية أحياناً – بالنظر إلى إعاقته فقط لا إلى أنه مثل غيره على صورة الله ومثاله.

في العهد القديم نجد قصصاً كثيرة عن أشخاص كانوا معاقين جسديّاً، وأوّلهم كان موسى النبي الذي كان يعاني من ثقل في اللّسان ( خروج 4 :10-12)، ولكن الرب اختاره مع ذلك ليحدّث الشعب بكلامه! إن فكرنا البشري سيحدّثنا هنا بالتأكيد “لما لا يشفي الربّ موسى وقد أعطاه سلطاناً لأن يصنع عجائب كثيرة “، إنما فكر الرب كان مختلفاً، فقد أعطاه تدبيراً لإيصال الكلام للشعب وإن لم يشفه من دائه، وإذ لم يكن يقدر النبي على الكلام مع الناس فقد أعطاه الرب نعمة التكلم معه!

نجد أيضاً في العهد القديم قصة النبي ارميا الولد الخجول والذي كان لا يستطيع أن يعبر بطلاقة عما يريد “آه أيها السيد الرب هاءنذا لا أعرف أن أتكلم لأني ولد” فكان أن اختاره الرب ليوصل كلامه لشعبه ” ثم مد الرب يده ولمس فمي وقال لي : هاءنذا جعلت كلامي في فمك “ ( ارميا 1 :4-9).

في رسالة القديس بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس ( 2كور 12: 7-10 ) نجد أن القديس بولس كان أيضاً بشكلٍ ما معاق. وإذ كان همّه الأول أن يبشّر؛ طلب من الله بإلحاح أن يشفيه من الشوكة التي فيه، والتي ظهرت أنها قد تعيقه عن التبشير، هذا فكرنا البشري هكذا، إنما كان رأي الرب مختلفاً، إذ أجاب الربُّ بولسَ ” تكفيك نعمتي لأن قوتي بالضعف تكمل “، أي أن التبشير هو بفعل نعمة الربّ وليس هو بسبب القدرة الجسدية أو العقلية وهذا ما يركز عليه دائماً بولس الرسول في كل رسائله، بل إن بالضعف تظهر عظمة الله بالحري لأن الضعف سيؤدي إلى معرفة عجزنا فيتمجد الرب بنا.

نجد أيضاً في إنجيل الأعمى ( يو 9 : 1 – 38 ) ” هل هذا أخطأ أم أبواه حتّى ولد هكذا؟ “ سأل التلاميذ الرب، إنها نظرة احتقار للمعاق، وهو أخف قليلاً من قول الفريسيين لهذا الأعمى ” أتعلّمنا أنت وقد ولدت كلك في الخطايا؟ “، لكن رأي الرب كان مختلفاً ” لا هذ أخطأ ولا أبواه، ولكن كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله “!.

إنما هي كلمة موجهة و مقصود بها كل إعاقة جسدية أو حتى غير جسدية في الدنيا، يكفي أن ننظر إلى شخصٍ معاق فرِحٍ يضحك لننسى همومنا كلّها وليتجدد رجاؤنا بالرب.

إنّ الإعاقة الجسدية ليست هي المشكلة، بل إعاقتنا الروحية، وهذا ما يظهره إنجيل الأعمى بوضوح كبير، إذ أنّه يُظهر عمى الفريسيين الروحي والذين حاولوا إقناع الرجل الأعمى بأن الرب خاطئ! أما هو فقد آمن به مع أنه لم يره بعينيه الجسديتين.

ليس الشفاء الجسدي مهمّاً فعلاً، كما نجد في حادثة شفاء المخلّع الناكر الجميل ( يو 5 : 2 – 16 )، الذي بقي ثمانٍ وثلاثين سنة وليس له من أحد يرميه في البركة، وعندما شفاه الرب قال له الرب ” لا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشرّ “ فما أن شفي حتى ذهب فوراً ووشى بالرب أمام اليهود، المهم كما يعلمنا الإنجيل هو الشفاء الروحي.

قصص كثيرة نسمعها في العالم أيضاً عن معاقين صنعوا عجائب فكانوا إعلاناً لمجد الرب القدّوس.

في قصّةٍ قريبة العهد جدّاً رسامة عمياء كانت تبيع لوحةٍ لها بـ 200 دولاراً قبل أن يصيبها العمى، صارت عمياء فأضحى سعر اللوحة لها 10000 دولاراً! يتحدث زوجها عنها بقناعة: ” أؤمن بلا أدنى شك أن هنالك موهبة إلهية سماوية تعينها “ وقد تم عرض المقابلة على محطةٍ تلفزيونية فضائية غير دينية. وبالحقيقة نتساءل كيف لا يمجَّد الرب عندما يُرى رسامٌ أعمى بارعٌ في عمله أو موسيقيٌ أصم ومن أشهر الموسيقيين وأطفالاً يبرعون بما يعجز عن فعله الكبار حتى المحترفين منهم؟

قد يكون من المفيد أيضاً أن نقرأ ما تقوله قوانين الرسل القديسين حول انتخاب شخص معاق للكهنوت أو للأسقفية:

في القانون 77 من قوانين الرسل القديسين:

” أي شخص أعور أو أعرج ولكنه مستحق من كل وجه آخر لأن يكون أسقفاً فليشرطن لأن النقص الجسدي لا يدنس أحداً بل النقص الروحي ”

إن الشريعة القديمة كانت تمنع كل من به عيب أو نقص جسدي من أي يصير كاهناً ” إن كل رجل به عيب لا يتقدم، الأعمى والاعرج والأفطس والأشرع … “ ( لاويين 21: 18-20) وحتى من أصيب بهكذا عيب بعد قبوله في الكهنوت كان يتوجب عليه التوقف عن الخدمة. أما الشريعة الجديدة فقد حددت أن الموانع هي عيوب النفس وربما أن الله أعطى الشعب هذه الشريعة قديماً حتى يفهم الشعب من خلالها وباللغة التي يستطيع فهمها قدسية خدمة الهيكل وأهمية هذه الرتبة.

أما القانون 78 فيضيف:

” أما إذا كان الرجل أصم أو أعمى فلا يجوز أن يصير أسقفاً ليس لأنه تدنس بسبب ذلك بل لئلا تتعطل مصالح الكنيسة ”

و قد ارتأى كذلك القانون أن هناك ضرورة لوضع هكذا نص:

” أي اكليريكي سخر من أعرج أو أصم أو أعمى أو مقعد فليقطع من الشركة وبمثل ذلك يعاقب العامي أيضاً “ ( القانون 57 من قوانين الرسل القديسين ).

الرسول بولس يمدح الغلاطيين لأنه لم يحتقروه بسبب ضعفه الجسدي بل قد شاهدوا فيه صورة للمسيح: ” ولكنكم تعلمون أني بضعف الجسد بشّرتكم في الأوّل، وتجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها بل كملاكٍ من الله قبلتموني؛ كالمسيح يسوع “ (غلا 4 : 13-14)

كوننا ننظر إلى المعاقين نظرة دونية هذا يعني بأننا ما زلنا نعاني من الكبرياء العالمي، ونفتخر بمقدراتنا الطبيعية معتقدين أننا بسبب مقدراتنا الطبيعية نحقق الإنجازات، متناسين بذلك قول يسوع “بدوني لا تستطيعون أن تعملوا شيئاً” ( يو 15 : 5 ) و غير واعين أو فاهمين لقول الرسول “أستطيع كل شيء بالرب الذي يقويني” ( فيليبي 4 : 13 ).

فالمعاق في المسيح ليس معاقاً بل قادر على كل شيء.

أخيراً أرجو أن تسمعوا هذه القصّة الغريبة، سمعتها عندما بلغت تقريباً عامي الخامس ومازلت أذكرها لشدّة تعلقي بها.

في حيينا كان يوجد رجلٌ مسنٌّ أعمى اسمه « حنّا » يعمل في تقشيش الكراسي، كان يُحكى عن طيبته ومحبوبٌ من أهالي الحيّ، عندما توفي كنت في عامي الخامس تقريباً وحكى لي أهلي وقتها هذه الحكاية عنه:

كان في مدينة بيروت مرّة من أجل غايةٍ ما، وهناك ذهب إلى ما يدعى « ساحة البرج » وغنيٌّ عن القول ما كان في تلك المنطقة من زحمة سيارات خانقة. إذ رغب أن يقطع الشارع للجهة المقابلة أحس بوجود شخص قربه، فأمسك بذراعه وطلب أن يساعده لعبور الشارع، وافق الشخص الآخر فوصلا إلى الجهة المقابلة بأمان، فقال للشخص الآخر: ” أشكرك جدّاً إذ أنك ساعدتني على العبور فأنا كما تلاحظ رجلٌ أعمى وليس معينٌ لي في هذه الدنيا “، فيجيبه الشخص الآخر بعد برهة من الصمت ” أأنت فعلاً أعمى؟! أنا الذي يجب أن أشكرك لأني أنا أعمى أيضاً! “.

فنعمة الرب هي تساعدنا وليس أي شخصٍ لآخر، وتظهر نعمة الرب دائماً إذا كنّا ضعفاء وبحاجة إلى مساعدة.

لقد صُدمتُ عندما علمت مرة بالصدفة بأنه لا يوجد في التقويم الأرثوذكسي يوم مخصص للمعاق، بينما يوجد يوم عالمي للمعاق، أعتقد أنه من الضروري إنشاء يوم مخصص للمعاق فيكون مناسبة للتأمل بموقف الكتاب المقدس والكنيسة من المعاقين، والصلاة من أجل كل شخصٍ معاق جسدياً ومن أجل نفوسنا لأننا نحن معاقين روحياً، وتشجيعٌ على العمل في خدمة المعاقين وتسهيل أمورهم، وأخذ المبادرة لتقبّلهم وإعطاءهم دورهم الفعال في المجتمع وفي الكنيسة. و الله هو الذي يقوينا وهو علة أي عمل صالح قد نعمله سواء أكنّا معاقين جسديّا أم لا.

4 تعليقات على “الإعاقة من وجهة نظر مسيحية”

  1. جريح أضاف بتاريخ

    أشكرك من كل قلبى على هذا الموضوع الذى أنار لى جزء كبير من الظلمة والوحدة التى تجول داخل حياتي … ولكن لى سؤال ( هام بالنسبة لى ) وهو هل ممكن أن يعاقب الله أنساناً بأنسان آخر ؟ دعنى أوضح لك قليلاً : سؤالى بمعنى هل يمكن لله أن يعاقب أب سئ بأبن يولد معاق ؟ وما هو ذنب هذا المولود بأعاقة تحرمه من أمور كثيرة ؟ أرجو الرد

  2. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    شكراً على مشاركتك

    بالتأكيد لا يمكن لله أن يعاقب إنساناً بإنسان آخر فكل إنسان يحظى بكامل محبة الله وعنايته ومن غير الممكن لمحية الله أن تجعل حياة إنسان بكاملها تحت وطأة خطأ إنسان آخر ( إذا فرضنا أنه أخطأ ) وهذا ما يقوله الرب في المقطع الإنجيلي المذكور في التدوينة ” لا هذ أخطأ ولا أبواه، ولكن كان ذلك لتظهر فيه أعمال الله “.

    تقول وما ذنب هذا المولود، أعتقد أن الجواب هو أنه لا يوجد ذنب لأن الإعاقة أصلاً ليست عقوبة بل هي بالحقيقة نعمة لمن يرى فيها رحمة الرب، لست بمعرض التنظير هنا فقد عشت فترة طويلة من حياتي مع إعاقة أقل ما يقال عنها أنها تعيق الحياة الاجتماعية بكل نواحيها ومازلت أعاني منها حتى الآن لكني لا أعتبرها عقوبة ولا لعنة بل أرى فيها في أحيان كثيرة نعمة. لكني أعلم هذا أيضاً، المعاق بحاجة أحياناً لمساعدة الآخرين وسوى ذلك لا توجد أي مشكلة في الإعاقة بل بالعكس يظهر فيها مجد الله.

    كذلك حسب الإيمان المسيحي إن الإنسان يقدم حساباً عن أعماله لا في هذه الحياة ولا في حياة أبنائه بل في الحياة الأخرى وهنا الحساب ليس عقوبة بمعنى انتقام من الرب بل بمعنى وجود الإنسان في المكان الذي يختاره بنفسه.

  3. محمد عبد الخالق أضاف بتاريخ

    انا موظف معاق ولان جهازى التعويضى انكسر تمت معاقبتى من الادارة بخصم جزء كبير من راتبى حيث اننى عندما ينكسر الجهاز كنت اعجز عن الوصول الى العمل وحدث هذا 6 مرات خلال هذا العام و قد عوقبت بلا ذنب وذلك لاننى ارتدى جهاز وبدون رحمة ت\ 01521575717

  4. اسامة أضاف بتاريخ

    شكرا على الموضوع.. كنت ابحث في هذا الموضوع. لكنك لم تعلق على لاويين 22 فاصحاب الاعاقات محرومين من خبز الرب على اعتبار انهم مدنسين لمقدس الرب .. لكن الى الحجاب لايأتي والى المذبح لا يقترب لان فيه عيبا لئلا يدنس مقدسي .. قرأت بعض الردود لكن للان غير مقتنع ابحث عن شي اكثر اقناعا

شارك بتعليقك