أين دور المثقفين … مين سمير؟

تفاجأ العالم عندما أعلنت مجلة تايمز الأميريكة عن شخصية العام 2006، فقد ناقضت توقعات الكثير من المحللين، وجاءت بكلمة من ثلاثة حروف: “You”، “أنت”!

ومن يريد أن يقرأ تعليل محرري مجلة تايمز يجده على الرابط http://www.time.com/time/magazine/article/0,9171,1569514,00.html

وأذكِّر أن تلك السنة شهدت شهرة كبيرة لموقع اليوتيوب الذي كان العامل الأساسي في تحديد اسم شخصية العام، بينما موقع الفيسبوك كان لا يزال في بداياته، وبالمناسبة مارك زوكربرغ مؤسس الفيسبوك احتل مركز شخصية العام 2010.هذا الطرح حسب محرري التايمز وحسب رأيي الشخصي أيضاً لم يكن يعبّر فقط عن موضوع اختيار شخصية للعام 2006 فحسب بل عن بدء مرحلة جديدة في تاريخ الثقافة والفكر والمجتمع البشري، وقبل أن أناقش هذه المرحلة أحب أن أناقش المرحلة التي سبقتها، خصوصاً أننا في البلاد العربية دائماً متأخرين بضعة مراحل عن غيرنا.

سأعطي مثالاً عن جيل والدي راوول فيتالي رحمه الله الذي يكبرني بخمسين سنة، ولذلك يمكن القول أنه يكبرني بجيلين لا بواحد.

والدي كان من ضمن نسبة قليلة في مدينة اللاذقية بين أبناء جيله استطاعت أن تحصل على شهادات جامعية علمية عالية، وكان يعتبر من مثقفي اللاذقية فيلقي المحاضرات ويُدعى إلى الندوات وينشر الأبحاث وتُكتب عنه المقالات في الصحف المحلية، ولن أتكلم أكثر حتى لا أظهر أني أحاول أن أقوم بدعاية لنفسي من خلال تاريخ والدي.

لكن إذا نظرنا إلى جيل اليوم من الشباب الذين هم في العشرينات والثلاثينات من العمر في مدينة اللاذقية نجد أن النسبة العظمى منهم حاصلة على شهادات جامعية علمية وأدبية مرموقة، هذا بالإضافة لكونهم أكثر اطلاعاً بكثير من الجيل أو الأجيال السابقة بنتيجة الانتشار غير المسبوق لوسائل الإعلام المختلفة والإنترنت، وحتى الذين ليسوا حاصلين على شهادات جامعية هم مطلعون أكثر بكثير جداً من أجيال آبائهم وأمهاتهم، ولهذا يمكن وصف الكثير منهم بلقب مثقفين بمعايير أجيال سابقة.

إن هذا الأمر لا يمكن أن يكون بدون تأثير، ولكن للأسف السياسات الإقصائية في الدول العربية حاولت وتحاول وقف هذا التيار سواء من خلال تقييد الإعلام وتقييد النشر الفكري، أو من خلال عدم فتح الباب أمام المشاركة السياسية الفعالة في المجتمع، إنما من الواضح أن هذين الأمرين لا يستطيعان الوقوف في وجه هذا التسونامي الجديد، وهذا جزء هام من الأسباب التي أدت إلى الثورات والاحتجاجات في العالم العربي.

لكن لو توقفنا هنا لن يكون الفرق كبيراً عن التغيير والإصلاح الديمقراطي الذي سبقنا في الدول المتقدمة، بعضها منذ سنوات وبعضها منذ عدة عقود، فقد سبقونا في التعليم والفكر فسبقونا بالتالي في الديمقراطية، إنما اليوم هناك مرحلة جديدة مختلفة تتخطى المرحلة السابقة وأسبابها شبكة الإنترنت، بل الإنترنت 2.

الإنترنت بدأت شبكة لنشر المعلومات الجاهزة، وأكثر المستخدمين كانوا قراءاً لا أكثر، ومع الوقت بدأت ظواهر التشاركية تظهر أكثر فأكثر، إلى درجة أن كل شخص اليوم أصبح قادراً على إنشاء موقع خاصة به أو على أضعف تقدير صفحة ضمن شبكات التواصل الاجتماعي، والمهم في هذا الأمر أن كل شخص أصبح قادراً على إحداث تغيير حقيقي في المجتمع حوله، ومن هنا أصبح كل شخص هو شخصية العام تماماً كما قالت مجلة تايمز.

وسأتكلم هنا عن خبرة شخصية فقد بدأت في التدوين منذ بضعة سنوات، وعندها كنت من بين عدد صغير جداً من المدونين في مدينة اللاذقية، وبدأت بالتدوين لأني شعرت أنه المجال الوحيد لنشر أبحاثي ودراساتي خصوصاً أن المجلات والدوريات التي تنشر في سورية ولبنان تعاني من البيروقراطية وغير مستعدة لنشر فكر لا يوافق توجه إدارة التحرير ورؤيتها ( بغض النظر عن الادعاء بغير ذلك )، وكنت أكتب مثل الذي يرمي في البحر ولا أعرف مدى تأثير كتاباتي خصوصاً أن مجالها مختص قليلاً ولا يقع ضمن دائرة اهتمام أكثر الناس.

لكني تفاجأت أن كتاباتي كان لها تأثير أكبر بكثير مما توقعت، وكثيراً ما كنت ألتقي بأشخاص أعرفهم أو لا أعرفهم يقولون لي أنهم قرأوا شيئاً كتبته وأثار اهتمامهم، لم ألحظ إلا بعد فترة أن الكثير من تدويناتي كانت تنسخ وتلصق في عدد كبير من المواقع الإلكترونية، أحياناً مع الإشارة للمصدر وفي أكثر الأحيان بدون إشارة، لم أكن أتوقع أن يستشهد مقال أساسي في موسوعة الويكيبيديا ( موضوع “المسيحية” ) من الواضح أنه اشترك في كتابته عدد كبير من الأكاديميين، أن يستشهد بتدوينة من مدونتي.

ولم يقتصر الأمر على مدونتي، فكنت أبعث بمقالات إلى مواقع إخبارية مثل “سيريا نيوز” الذي يعتبر من بين الأكثر مشاهدة من السوريين، وكانت بعض هذه المقالات تحاول تجاوز الخطوط الحمر وقتها، وأحد هذه المقالات حول قانون الأحوال الشخصية كان ينتقد ولكن بشكل غير مباشر قانون أعده رئيس الوزراء، ويتعرض إلى أحد التابوهات في المجتمع السوري وهو حرية تغيير الدين، وسيريا نيوز لم تنشر مقالي إلا بعد أن نشرت مقال يخالفه في الرأي، ورغم أني لم أتواصل شخصياً مع المشرفين على الموقع إلا أني شبه واثق أن هناك مقالات عديدة في ذات الموضوع قد أرسلت إليهم ولم يتمكنوا من نشرها، وحين نُشر مقالي كُتبَت ثلاثة مقالات رداً عليه، وأحد الكاتبين نشر الرد الذي كتبه في عدد كبير من المواقع الإلكترونية المختلفة، فأدركت وقتها أنه كان لمقالي تأثير، وحين صدر قانون الأحوال الشخصية بعد ذلك جاء في قسم كبير منه موافق للأفكار التي وضعتها في مقالي، وبالرغم من أنها لم تكن أفكاراً جديدة إلا أني ما زلت أجهل تماماً إن كان لنشر مقالي تأثير في القانون ولكني أتوقع ذلك، هذا كله يدفعني للاستغراب لأني كنت ومازلت خارج أية تسمية نخبوية وأرفض ذلك، بل حتى ليس لدي إلا اطلاع ضعيف جداً في مجال الحقوق أو الأدب أو العلوم السياسية، تلك الأشياء التي تجعل الشخص يدعى مفكراً أو مثقفاً.

الأحداث الحالية في سورية تزامنت بدايتها مع فتح موقع الفيسبوك، وبالرغم من أن السوريين كانوا يدخلون على الموقع بطرق تقنية مختلفة إلا أن فتحه بشكل مطلق كان له تأثير كبير، وحوله سورياً إلى موقع للحوار السياسي أكثر منه موقعاً للتواصل الاجتماعي، وهذا يذكرني بأن فتح المجال أمام الصحف والمجلات الخاصة في سورية تزامن مع انتشار الإنترنت فكانت النتيجة أن أكثر المؤسسات الإعلامية الخاصة اختارت طريق النت مباشرةً فقامت بإنشاء مواقع إخبارية، بينما معظم دول العالم ( حتى المتقدمة منها ) تأخرت في هذا المجال بسبب الصعوبة البيروقراطية للتحول الإداري من جريدة أو مجلة إلى موقع إخباري.

ومع انتشار النقاشات السياسية بشكل حاد على الفيسبوك تفاجأت كما أعتقد أن كثيرون غيري تفاجأوا بأن معظم من كانوا يدعَوْن نخباً مثقفة أو مفكرين كانوا على درجة أقل بكثير على مقياس تحليل الواقع أو طرح طروحات جريئة وعملية أو إتقان فن الحوار من شباب كنت أنظر إليهم قبلاً بشيء من الاستخفاف، وقليل من المفكرين أو السياسيين المعروفين استطاعوا أن يدركوا قوة الشباب وإمكانياتهم ويعاملوها بطريقة تليق بها، وهذا الأمر لا يقتصر على سورية، فعلى سبيل المثال منذ بضعة أيام نشر أحد الشباب المصريين من مواليد 1988 مقالاً كان رداً على المفكرين والسياسيين الذين أخذوا يتجادلون فيما إذا كانت “الانتخابات أولاً” أو “الدستور أولاً” فكان عنوان المقال ببساطة “الفقراء أولاً … يا كلاب!“، وأحدث هذا المقال ضجة كبيرة جداً في الشارع المصري.

هذه رسالة موجهة إذاً لكل من يعتقد أنه يستطيع أن يوجه الشباب كما يريد، اليوم السياسي الواقعي هو الذي يعرف كيف يستفيد من طاقات الشباب وأفكارهم، وإن كان من عمل للسلطة اليوم فهو إدارة وتنسيق طاقات الناس وخصوصاً الشباب وليس توجيهها.

إذاً لكل من يتساءل عن دور المثقفين في ما تشهده سورية أو العالم العربي، خصوصاً من يقصد بالمثقفين نخب معينة وأسماء مفكرين مشهورين، أجيبه بعبارة مستعارة من الشباب السوري على الفيسبوك: مين سمير؟

تعليق واحد على “أين دور المثقفين … مين سمير؟”

  1. George daher أضاف بتاريخ

    Rami… cheers

شارك بتعليقك