أفكار بخصوص الدستور السوري (1)

سوف أعرض في تدوينتين أو أكثر بعض الأفكار حول تعديلات أو إضافات أعتقد أنه من الواجب إجراؤها على نص الدستور السوري، وهي تعبر مبدئياً عن رأيي الخاص في هذا الموضوع.

في هذه التدوينة سوف أعرض أفكاراً تتعلق بحرية العبادة والمساواة، بينما في التدوينة التالية إن شاء الله سأتعرض لموضوع مختلف كلياً وهو فصل السلطات وتداول السلطة.

في الواقع معظم الأفكار التي أطرحها هنا هي إزالة تناقضات موجودة في الدستور الحالي، فبعض المواد تخالف مواداً أخرى، وبالطبع سأحاول طرح التعديل الذي يصب في اتجاه تحقيق حرية الاعتقاد والمساواة بشكل أفضل.

المادة الثالثة

المادة الثالثة من المواد التي أثير حولها الجدل عبر موقع الفيسبوك مؤخراً وحسبما أرى إن طرحها ليس جدلياً كثيراً بخلاف ما يعتقده البعض، فالمادة الثالثة مؤلفة من بندين:

  1. دين رئيس الجمهورية الإسلام
  2. الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع

البند الثاني يتعلق بالصفة الإسلامية لسورية بدون أن يكون النظام السياسي هو نظام ديني، والصيغة كما تبدو مصاغة بعناية ودراية كبيرة، فالفقه الإسلامي هو مصدر لا الشرع الإسلامي، وهذا يعني أنه لا يكفي أن يأتي أحدهم ( إن كان في السلطة مثلاً ) ويقول أن الأمر الفلاني هو من الشرع الإسلامي فيشمله هذا البند تلقائياً، بل هناك فقه، والفقه هو علم واختلاف آراء واجتهادات لذلك يعني هذا ضرورة العودة إلى علماء الدين، وكذلك الفقه الإسلامي هو مصدر رئيسي وليس المصدر الرئيسي الوحيد، وهذا يعني أنه لا مانع من وجود مصادر رئيسية أخرى، وربما أهمها المنطق العملي.

أما البند الأول فلا علاقة له بإسلامية سورية إطلاقاً، والدليل أنه غير موجود في الكثير من الجمهوريات العربية ( التي هي بطبيعة الحال إسلامية )، وهو بالإضافة لكونه يخالف المادة الخامسة والعشرون من الدستور الحالي التي تنص على أن “المواطنون متساوون أمام القانون بالحقوق والواجبات“، هو يخالف مبدأ المواطنة ويُشعر نسبة كبيرة من الشعب السوري بأنهم مواطنين من درجة ثانية، وذلك بدون أي انعكاس عملي، فهناك احتمال بعيد جداً أن يتسلم شخص مسيحي الرئاسة في سورية، وبالمقابل ماذا إن أراد معظم الشعب السوري انتخاب شخص غير مسلم فهل يجب منعه؟ ومن يعرف التاريخ قليلاً يعرف أن هذا البند وضع بداعٍ سياسي وقتها، لذلك أرى شخصياً وجوب إلغاء البند الأول من هذه المادة نهائياً وكذلك الإبقاء على البند الثاني في صيغته الراهنة كما هو.

أعلم أن البعض هنا سيعترض بالقول أن ولاية المسلم هي أمر موجود في الشرع الإسلامي، وهنا أقول هذا موجود في الشرع الإسلامي حسب اعتقادك فلا يعني أنه يجب أن يطبق على الجميع، فمبدأ المساواة وحرية الاعتقاد يعني أنه لا يجوز فرض شريعة طائفة معينة أو دين معين على الآخرين ( والبند الثاني لا ينص على ذلك بهذا المعنى )، فإن كان أحدهم يعتقد في أنه لا يجوز لغير المسلم تسلّم ولاية الدولة فببساطة عندما يكون هناك انتخاب ( أو استفتاء ) لاختيار رئيس الجمهورية لديه كامل الحرية في أن لا يقوم بالتصويت لشخص غير مسلم.

الأحوال الشخصية

بالحديث عن الأديان، في السنوات السابقة صار جدل كبير حول قانون الأحوال الشخصية، وقد أدى في النهاية إلى صيغة توافق الجميع وهي أن يكون لكل طائفة قانون الأحوال الشخصية الخاص بها فيما يخص الزواج والطلاق والنفقة والإرث، وهذا يبدو أنه يحتاج إلى بند خاص في الدستور يثبته كما في الدستور اللبناني بحيث لا يسمح بأن نعود مرة أخرى إلى الإشكال الكبير الذي رافق طرح مشروع الأحوال الشخصية السيء الذكر الذي طرحت مسوّدته في السنوات السابقة.

أيضاً وبالرغم من وجود هذا القانون حالياً وكونه يرضي الجميع ربما يعترض البعض من منطلق إيديولوجي بحجة أن هذا لا يجعل المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون وهذا ما تتطلبه العدالة بالإضافة للمادة الخامسة والعشرون كما ورد أعلاه، ولكن أقول هنا أن التساوي هو بشكل عام وطالما لا يوجد سبب منطقي يتطلب التمييز، فمثلاً لا تعطى للرجل إجازة أمومة مثل المرأة لأن اختلاف الجنس يقتضي وجود اختلاف في هذا الأمر، كما أن الحدث لا يعاقب جنائياً مثله مثل البالغ لأن فرق العمر يعني فرق الوعي وبالتالي المساواة هنا تناقض العدالة في جوهرها، وهكذا اختلاف الطوائف ووجود شرائع خاصة بكل طائفة تتعرض للأحوال الشخصية يقتضي عملياً وجود اختلاف قانوني بما يخص حقوق وواجبات أبناء كل طائفة من الطوائف. قد يطلب البعض هنا الاعتراف بالإلحاد كمذهب خاص وله وضع قانون خاص، هذا ممكن إذا اتفق الملحدون بأكثريتهم على شكل واحد للأحوال الشخصي.

حرية تغيير الدين

يبقى أمر أخير بدون تحقيقه يكون قانون الأحوال الشخصية الخاص بالطوائف كارثة كبرى وهو موضوع حرية تغيير الدين، ولا بد من ذكره بنص دستوري إذا كنا فعلاً نريد أن نصل إلى سورية الديمقراطية التي تكفل حرية جميع أبنائها وحقهم في الاعتقاد.

إن حرية تغيير الدين ينص عليها الدستور الحالي ولكن بشكل غير صريح تماماً عندما يقول في مادته الخامسة والثلاثين البند الأول “حرية الاعتقاد مصونة وتحترم الدولة جميع الأديان”، إنّما عدم وجود نص صريح يضمن حرية تغيير الدين من أي دين إلى أي دين آخر جعل القانون مخالفاً للنص الدستوري في روحه، ولذلك يمكن للمسيحي أن يصير مسلماً ولكن لا يمكن للمسلم أن يصير مسيحياً في سورية وسأناقش هذه الفكرة قليلاً.

إن حرية تغيير الدين ( وكما سبق أن كتبت مراراً ) لا تتعلق فقط بمن يريد بكامل حريته تغيير دينه، فهذا لا يستطيع أحد أن يمنعه سواء بقانون أو بدون قانون فلا أحد يستطيع الوقوف بين المرء وربه، وأعرف بعض الذين غيروا دينهم من الإسلام إلى المسيحية في سورية بدون أن يغيروا خانة الدين في سجلات الأحوال الشخصية وليس عليهم ضيق أو حرج.

ولكن يتعلق الأمر بشكل أكبر وأكثر تأثيراً بكثير بأبناء الشخص الذي غير دينه الذين ولدوا على دين أبيهم الحقيقي بينما في سجلات الأحوال الشخصية مسجلين على دين آخر! فهم مضطرون للزواج مثلاً حسب قانون الطائفة الموجودة في سجلات الأحوال الشخصية وليس حسب قانون الطائفة والدين الذي ولدوا ونشؤوا فيه ومؤمنون به!! وهنا النتيجة العملية هي التضييق على هؤلاء وعلى كل أمور حياتهم الشخصية بدون أن يكونوا قد اقترفوا أي إثم، وأنا أتكلم عن واقع أعرفه من أصدقاء ومعارف لي عانوا الأمرّين بسبب هذا الظلم، هذا الظلم الذي لا يمكن أن يستمر في سورية الديمقراطية التي تريد الحرية لجميع أبنائها.

بجميع الأحوال لا يوجد عاقل يعتقد أنه بحرية تغيير الدين من الإسلام إلى المسيحية سيدخل المسلمون في الدين المسيحي أفواجاً، ومن ناحية ثانية حرية تغيير الدين يجب أن تخضع لضوابط وشروط فلا تتحول إلى فوضى، إنّما هذا يجب أن يصاغ بقانون خاص وليس بالنص الدستوري.

4 تعليقات على “أفكار بخصوص الدستور السوري (1)”

  1. hadi أضاف بتاريخ

    شو باين تركت لب الموضوع ورحتلي عالدين لك أذا معظم الشعب متدين شو دخلكم أنتو
    أنا برأيي الثورة منشان حرية الرأي وتدوال السلطة وما في حدا غير كم واحد متغربين بدهم الشيء اللي حكيته

  2. hadi أضاف بتاريخ

    على فكرة قبل السبعين الأسلاميين هم اللي رشحوا فارس الخوري منشان تعرف أنوه عقلية كل السوريين متفتح وما بتفكر بعقلية طائفية أو دينية بس برأيي حرية الأعتقاد مقدسة

  3. Z أضاف بتاريخ

    يحضرني قول يا أخ هادي : ثورة مين و الناس نايمين , يازلمة من كل عقلك أنو الشعوب العربية كانو نايمين و فجأة فاقو …. واذ نازللون من السما الفيس بوك و مصاري بالرزم …… واذ قرروا بليلة وضحاها قال شو بدون حريّة , ” بس لا هنن ولا يللي عم يطلع معون بيعرف معنى الكلمة ” , و الاحلى عم ببلعون حبوب ليقطعوا اخواتون و قال شو هيك قللون العرعور والفرفور و الكركور , ويارب يسّر ……. وبتقلّي فارس الخوري ….
    اي عقولة نجوى كرم : صحح معلومات اصحابك , ماحدا رشحوا لفارس الخوري , فرنسا عرضت ع فارس الخوري انو يستلم الحكم و بتعوضوا مشان قصّة الأقلية بارسال الجاليات الى سوريا , قام جاوبون هووي : لا ابيع وطني وأخون الهي ل أرضي أبناء ديني …. وعلى أثره تم اغتياله .

  4. Mohamad Al ibrahim أضاف بتاريخ

    جيدة هي الطريقة المتبعة في التدوين ويمكن الإستفادة من تجارب الآخرين أيضا
    أنا اعمل في مجال البحث في حقوق الإنسان والقانون الدولي المقارن.

شارك بتعليقك