دفاعاً عن الخط الثالث ( الأكثرية الصامتة )

لا أعرف لماذا قلمي لم يجف بعد بالرغم من أن الحبر الوحيد الذي أستخدمه هو حبر التأثير العملي الحقيقي مهما كان ضعيفاً.

ومع ذلك أرغب اليوم في طرح ما لم يطرح وقول ما لم يقل بعد حتى يكتمل مشهد الكلام السوري، الذي أتى متنوّعاً بقدر ما بلدنا متنوّع، وبقدر تنوّع الاتجاهات والاعتقادات والتحليلات التي لا يمكن تخطيء أحدها تماماً، إلا طبعاً ما حاول منها اختصار المشهد السوري في كلمة أو عبارة صغيرة، الأمر الذي يمكن أن يعتبر صحيحاً في أماكن وأحداث أخرى كثيرة في العالم، لكن ليس في الوضع السوري.

الأكثرية الصامتة ليست بالفعل صامتة، وأعجبني تعليق أحدهم “أي أكثرية صامتة، يا ليت عندنا أقلية صامتة!“، فالكل يحلّل ويتكلّم، لكن ما يقصد بالأكثرية الصامتة هم من لم يتخذ موقفاً محدداً واضحاً، مع النظام أو مع المعارضة التي تطالب بإسقاط النظام، ويمكن القول بكثير من الثقة أن حتى الكثير ممن خرجوا في مظاهرات مناهضة أو مسيرات تأييد هم أيضاً من ضمن هذه الفئة، وإنّما خرجوا نتيجة دافع اجتماعي أو نفسي معين ولكن ليس تعبيراً عن موقف محدد واضح. والغريب أيضاً في ما يحدث في سورية أننا نحتاج في الكثير من الأحيان لإعادة تعريف المصطلحات مثل مصطلح النظام والمعارضة والثورة والأكثرية الصامتة والمثقفون والشارع ..الخ، بالرغم من أنها مصطلحات معروفة ومحدّدة منذ زمن بعيد جداً في مختلف أرجاء العالم.

أمّا كوني أدافع اليوم عن موقف الأكثرية الصامتة فهو لأنني أعتبر نفسي من ضمن هذه الأكثرية، فلم أعرف حتى الآن أي موقف يجب علي أن أأخذ، وليس لأنني أنتظر من ينتصر فأقف بجانبه، بل لأنني ببساطة لم أعرف، اعتبروني غبياً أو مغفلاً أو ما شئتم، لكنني لم أجد حتى الآن ما يجعلني أقف مع النظام في حربه ضد المخربين والمؤامرة، ولا مع المعارضة في مطالبتها بإسقاط هذا النظام، وهذا أمر قد يتغير في أية لحظة، إنّما هذا الموقف الثالث ليس بالحقيقة عدم اتخاذ موقف بقدر ما هو موقف واضح بذاته، وككل موقف يجب أن يعبر عنه ويبرّر وحتى يناضل من أجله.

ودعوني أبدأ في التوجّه إلى المعارضة في المدافعة عن موقفي هذا، تريدون إسقاط النظام؟ طيب، لكن هناك مليون سبب يجعلني لا أرغب بإسقاط النظام.

أولاً، ما هو البديل؟ أعرف تماماً أنكم ستقولون لي أني خائف من التغيير وستعطوني مثال مصر وغيرها، وتذكروني بالحملة الإعلامية التي قام بها شباب الثورة وغيرهم من المحللين الذي طالبوا مواطني مصر بألا يخافوا من التغيير، مما أدى إلى انضمام الناس إلى الثورة ونجاحها، وهنا أحب أن أقول لكم إنّ هذه أوّلاً حجة سيئة جداً، ولم أر حتى الآن تغييراً أفضل لا في مصر ولا في ليبيا ولا في تونس، إنما أتمنى ذلك، ولكن ومن جهة أخرى الوضع مختلف تماماً في سورية عمّا هو الحال في مصر، مثلاً في مصر وقبل اندلاع حركة الاحتجاج الشعبي بفترة مقبولة ظهر محمد البرادعي على قناة البي بي سي البريطانية ليعلن عن أنّه يريد الترشّح لرئاسة مصر “في حال كان هناك وضع يسمح بذلك من ناحية الديمقراطية وإن كان هذا أمر يشك به”، والذي لم يفهم الرسالة وقتها يجدر به أن يكون قد فهمها الآن، كان البرادعي يقول لشعب مصر لا تخافوا من التغيير فهناك بديل أو بدلاء موجودين، وأعتقد ( ولاعتقادي هذا مبررات كثيرة ) بأن كلام البرادعي كان ضمن جهود تنسيق مع شباب الثورة ومن كانوا يخططون ويحضرون للثورة ولم يكن عبثاً، وبصراحة يبدو أنكم لم تفكروا في هذا الأمر مسبقاً ( أي تقديم بديل مقنع للشعب السوري )، حتى لا أقول أنكم لم تفكروا في أي شيء ولم تخططوا مسبقاً لأي شيء إطلاقاً، ومن يريد أن يحتج بأن اندلاع الأحداث كان فجائياً، أسأله ماذا فعلت إذاً خلال خمسة الأشهر الماضية سوى التحريض وبث روح الكراهية غير المجدية.

البديل هنا أقصد به تحديداً بديل قادر على تولي الملفات الخارجية والداخلية، الدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل فعّال، وبالرغم من أنّه يمكن الاتفاق على ملاحظات كثيرة حول أداء النظام في هذه الملفات، بل أن في بعضها اعترافات صريحة من النظام بفشله في نواحٍ كثيرة منها، مع ذلك لا أرى بديلاً آخر أفضل، وكيف يكون ذلك وأنا أعرف أن الاتجاهين السياسيين المعارضين الأساسيين في سورية هما اثنان، الاتجاه الإسلاموي والاتجاه الشيوعي، وكلاهما قد عفا عن إيديولوجيته الزمن منذ فترة طويلة جداً، وكيف ذلك وأنا أرى الاتجاه الإسلاموي قد قامت لأجله عدة مؤتمرات معارضة ( في الخارج ) وبأنه يحظى بدعم خارجي هائل من جهات معروفة توجهاتها المعادية لسورية ( وليس فقط للنظام السوري )، وكيف ذلك وأنا أسمع أحد أكثر المعارضين الشيوعيين في الداخل شهرةً ينادي بمجانية التعليم والعلاج! حقاً أهذا كل ما تفتق عنه فكره، مجانية التعليم والعلاج؟ أستغرب كيف أن هذا المعارض الذي يعيش في سورية لا يعرف أن سورية تحقق هذين الأمرين منذ زمن بعيد وإلى درجة كبيرة جداً، وأن المشكلة لا تكمن هنا، بل في أن الاعتماد المطلق على مجانية التعليم ومجانية العلاج في سورية أدى إلى وقوع هذين القطاعين في سوء الإدارة والفساد المستشري وهدر موارد الدولة، وأنه لعلاج هذا لا بد من الاتجاه نحو التعليم المدفوع جزئياً والطبابة المدفوعة جزئياً بدون أن يحرم ذلك الفئات الفقيرة وغير القادرة على الدفع من الحصول على هذه الخدمات، وهذا أمر تداركه النظام الحالي وبدأ بخطوات مدروسة في حلّه في الحكومة السابقة واستمرت الخطط السابقة في الحكومة الحالية، وهذا المعارض تسلم بعد ذلك رئاسة اتحاد مجموعة من الأحزاب غير الرسمية التي تعتبر نفسها معارضة، بعضها من الاتجاه اليساري المتطرف وأخرى هي نفسها لا تعرف ما هو توجهها الدبلوماسي أو الاقتصادي.

فالفرق بيننا وبين مصر أنه في مصر كان البديل مطروحاً جنباً إلى جنب الفشل الحكومي الهائل في المجال الدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يتجاوز بأشواط كثيرة أي فشل موجود في أداء النظام عندنا، والخوف كان نفسياً فقط، أما هنا فالخوف ليس نفسياً فحسب فقط بل مبرّر إلى درجة كبيرة.

أيضاً العنف والتصرفات اللامقبولة من قبل بعض المتظاهرين لا تجعلني أطمئن إلى الوضع في حال تم إسقاط النظام، فالديمقراطية لا تأتي بطريق العنف، والحق لا يأتي بطريق الكذب والتزوير، وهنا سينطّ أحدهم ليؤكد لي بأن الحراك الشعبي سلمي 100% وبأنه مع السلمية، حسناً يا عزيزي إن كنت سلمياً فهذا لا يعني أن غيرك يعرف ما هي السلمية، وإن كنت ضد الطائفية فلا يعني أن غيرك ليس طائفياً، وإن كنت لا تقبل بتزوير الفيديوهات والأخبار فلا يعني هذا أن غيرك بريء منها، ولا يمكنك أن تؤكد لي أن الحراك الشعبي سلمي ( أو بالحري سيصبح سلمياً ) مئة في المئة إلا إذا كانت لديك سيطرة كاملة ومطلقة عليه، بل من الواضح أن هذه المعارضة ذات الشكل الهلامي مخترقة من قبل جهات كثيرة، وقد تكون المخابرات السورية إحداها، وإن أتى أحد وقال لي أنه يملك السيطرة على الحراك الشعبي أو على أغلبيته، فسأقول له كلمة واحدة: كاذب.

وحتى لو أتاني أحدهم بدلائل كثيرة على سلمية أغلبية الشارع فأنا لن أصدقه، فمن أين للشعب السوري أن يعرف معنى النضال اللاعنفي ومعنى الديمقراطية وفحوى الاستماع للرأي الآخر؟ هل أتهم الشعب السوري الأبي العظيم بهذه الطريقة الفجة  البشعة؟ أنا بالحقيقة لا أتهم ولست هنا لتقييم الناس، إنما أقوم بالتحليل المنطقي، فعلاً من أين للشعب السوري أن يعرف ما هو النضال اللاعنفي وما هي الديمقراطية؟ وأي مصدر ثقافي يجعله يميل للاتجاه اللاعنفي بدل الاتجاه العنفي؟ ومن ثقف الشعب السوري كيف يدير حملة ويحدد أهدافه فيها ويرسم طريقه لتنفيذها حتى لا أقول ثورة؟

من المسؤول عن هذا، أليس النظام الذي لم يسمح مطلقاً بوجود أي حراك سياسي بل لم يسمح بوجود جمعيات تطوعية لا يكون هو من يقيمها؟ بالرغم من أني هنا لا أسعى لمحاسبة من أخطأ ولكن الحديث عن المسؤولية فيه بعض الفائدة لأنّه يضعنا على الطريق الصحيح في معالجة المشكلة وعدم الوقوع فيها مرة أخرى، فمن هو المسؤول هنا، هل هو فقط النظام؟

بالتأكيد للنظام مسؤولية كبيرة ولن أناقش فيها لأنها بديهية، ولكن أليس الآخرون مسؤولون أيضاً؟ هل كان الخطاب الإسلاموي مثلاً في العقود السابقة يحض على النضال اللاعنفي أو على الديمقراطية؟ وهنا أيضاً سيحتج البعض بأن الاتجاه الإسلاموي ( أي الإسلام السياسي ) لا وجود حقيقي له في سورية، نعم فعلاً، ولكن فكره مؤثر بقوة عن طريق الإعلام الفضائي خصوصاً عبر قناة الجزيرة بالتحديد التي ربّما لم تنشر خبراً منذ نشأتها ليس فيه نفحة إسلاموية أو تحريضية ضد الغرب و( الكفرة )، فشعارها الوحيد كان ( ومازال ) “التطرف والتطرف الآخر” وعندما أقول تطرف فلا أعني تطرفاً دينياً، فالإسلاموية شيء والتطرف الديني شيء آخر تماماً.

وبالحديث عن الدين، وباعتبار أن خطاب رجال الدين هو خطاب مؤثر في وعي وفكر الشعب السوري من جميع الطوائف والأديان، فهل كان خطاب رجال الدين يحض على سماع الرأي الآخر واحترامه، مما يعني ضمنياً السعي نحو الديمقراطية والتعددية والنضال اللاعنفي؟ وحتى لا أتحدث عما لا أعلم أحب أن أشير إلى أنّه وبالرغم من أن احترام الآخرين بند أساسي من بنود الأخلاقيات المسيحية، فمع ذلك لم أسمع في السنوات السابقة خطاباً لرجل دين مسيحي يحض على سماع رأي الآخر واحترامه وتقبله، أياً كان هذا الآخر، بل حتى هناك من يروّج من رجال الدين للانفرادية والدكتاتورية والسخرية من آراء الآخرين، وحتى تحريم العمل الفكري في الدين باعتبار أن أي فكر لا يصدر مباشرة عن رجل دين سيؤدي إلى الهرطقة لا محالة! وحتى أنني اضطررت كمدون مسيحي أن أنشر أكثر من تدوينة حول حرية الفكر في الدين المسيحي وأهمية العمل الجماعي والاستماع للرأي الآخر في المسيحية لأني وجدتها ثقافة غائبة.

أمّا بالنسبة للمثقفين ونخبة هذا المجتمع، فمتى كانت آخر مرة نشر فيها مثقف سوري كتاب أو مقال حول الديمقراطية أو حول الاستماع للرأي الآخر أو حول النضال السلمي؟ بل على العكس عندما كنت أجول في معارض الكتب كنت أرى مئات العناوين ( بدون مبالغة ) التي تنتقد الديمقراطية وتعتبرها سلعة غربية تحاول أمريكا أن تفرضها علينا بمؤامرة عالمية! والكثير من الشباب المثقفين اليوم يعتقدون فعلاً بهذه الفكرة.

هذا ناهيك عن أي شخص يسرق أو يقتل أو يقوم بأية جريمة هو يتحمل المسؤولية مع من حرّض ومن خطط ومن شارك فيها، فالجريمة جريمة، وكل أبناء الشعب السوري يعرفون ويدركون تماماً أن القتل والسرقة وشهادة الزور حرام وأنّها أمور مرفوضة أخلاقياً واجتماعياً ودينياً وقانونياً.

وليس النظام وحده من يتحمل المسؤولية في كل ذلك.

الأمر الثالث الذي يجعلني لا أقف مع المعارضة في مطالبتها بإسقاط النظام هو عدم قدرة الشارع فعلياً على إسقاط النظام، وهذا أمر واضح ومن البديهيات ويعود لأمرين اثنين، أولاً لأن ليس كل الشعب السوري ولا أغلبيته يريد إسقاط النظام، فمنهم المؤيد ومنهم من هو من الاتجاه الثالث مثلي، والسبب الآخر أن قيادات القوى الأمنية والجيش مؤيدة لبقاء النظام. لا يمكن للشارع إسقاط النظام إلا باللجوء إلى الدعم الخارجي ونعرف جميعنا ماذا يمكن أن يعني هذا.

الأمر الرابع هو أنني ( ويا لغبائي ) لم أفهم بعد ما هو المقصود بإسقاط النظام، هل هو تغيير الأشخاص في المراكز العليا في النظام مثل رئاسة الجمهورية وقيادات الجيش والقوى الأمنية؟ وفي حال كان هذا هو المقصود ماذا سيفعل من يأتي بكل القوى المؤيدة للنظام الحالي من السياسيين ومن بين قوى الأمن وغيرهم؟ هل سيتم إقصاؤهم وتغييبهم؟ وكيف سيكون النظام ديمقراطياً وقتها؟ ألا يشكلون هؤلاء قوة سياسية لها وجود معتبر؟ وفي حال لم يتم ذلك هل من الممكن أن نتحدث عن تغيير حقيقي للنظام؟ أليس من الواضح أننا أمام خيارين لا ثالث لهما، وهما إمّا ألا يكون هناك تغيير حقيقي فعلي أو الوصول إلى نظام لا ديمقراطي في أفضل الأحوال؟

أمّا بالنسبة للنظام فكوني غير مؤيد له تماماً يعود لنفس الأسباب التي تدفعني لعدم المطالبة بإسقاطه! فأوّلا كيف أقيّم النظام الحالي بدون مقياس أقيّم وفقه، وبدون وجود جهة أخرى للمقارنة؟ كيف يطلب مني أن أختار بدون أن يكون لدي حرية للاختيار؟ هذا تناقض منطقي.

قام النظام بإصلاحات وتغييرات كثيرة في العقد الماضي، نعم أنا مدرك لهذا بالرغم من أن هناك كثيرين لا يريدون إدراكها، فقد نجح النظام بالتحول التدريجي من النظام الاشتراكي ( بل الشيوعي المتطرف ) إلى نظام اقتصادي أكثر حرية بدون الوقوع في حالات كارثية، مثلما حصل في رومانيا مثلاً حيث تقع الآن في أزمة اجتماعية واقتصادية هائلة بالرغم من أنها بلد زراعي يتألف بمجمله من أراضٍ شديدة الخصوبة ويملك مقومات سياحية عظيمة، ولكن ماذا عما لم يحصل، لماذا نقارن نفسنا برومانيا أو الدول العربية أو حتى الفلبين، ولماذا لا نقارن نفسنا بماليزيا أو سنغافورة اللتين تشابهانا كثيراً في تنوعهما الطائفي، أو دول أوروبا الشرقية المختلفة أو حتى الدول الأفريقية التي صار بعضها يفوقنا في اعتماد التقنيات الحديثة وفي الديمقراطية والتعددية السياسية والتنمية المستدامة وفي العلم ..الخ، لماذا نكون راضين طالما هناك ولو دولة واحدة في العالم أسوأ منا؟ بالعكس يجب ألا نكون راضيين طالما هناك دولة واحدة أفضل منا، أياً كانت.

تحدثت عن العنف والتصرفات اللامقبولة من قبل بعض المحتجين، هل هناك من داعٍ أن أتكلم عن العنف والتصرفات اللامقبولة من قبل بعض عناصر أجهزة الأمن؟ إن كان النظام لا يتحمل كلياً عنف الشارع أفلا يتحمل كلياً وجود ثقافة التجاوز وانتهاك حقوق الإنسان بين عناصر الأمن؟

الشارع غير قادر على إسقاط النظام، فهل النظام قادر على احتواء احتجاجات الشارع؟

لم أفهم ماذا يعني إسقاط النظام، ولكني لم أفهم كذلك ماذا يعني بقاء النظام! فهو إلى متى؟ وهل يصدق أحدهم أنه في هذا العصر ومع كل التغيرات التي تجري حولنا في العالم العربي يمكن الحديث عن حكم جمهوري غير قابل للتغيير أو التداول؟

إذاً ما الحل؟ فإن كان النظام غير قادر على احتواء المعارضة والمعارضة غير قادرة على إسقاط النظام فإلى أين نسير؟ هناك خوف جدي جداً من أن تتحول حركة الشارع إلى حركة احتجاج مسلّحة بكل ما في الكلمة من معنى، وعندها لن تكون ترجمتها في الواقع السوري إلا إلى “حرب أهلية”!

إلا إذا اتخذ كل طرف ما من شأنه تجنب هذه الحالة ولا يتطلب هذا الإذعان والتسليم بالفشل، أصلاً لم يعد أحد يقبل بعد اليوم بذلك.

عادةً عندما يكون هناك طرفان متخاصمان، فبعد فترة معيّنة يعرض فيها كل منهما عضلاته، لا بد من أجل تجنب مواجهة قاسية يخسر فيها الجميع أن يجلسا إلى طاولة واحدة للتفاوض وكلّ منهما يحمل في جعبته أوراق قوّته.

عتقدأأأأعتقد أن مرحلة عرض العضلات قد انتهت منذ فترة لا بأس بها، وكل مبصر صار يعرف تماماً ما هو الحجم التقريبي لكلا الطرفين، فمعارضة الشارع لها قوّتها ولكنها من الصعب أن تسقط النظام، وحتى إن كانت لا تشكل الأغلبية لكنها مع ذلك قوة ما لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهلها.

لكن المشكلة الكبيرة اليوم أن المعارضة غير مؤطرة، وبالتالي لا توجد جهة محددة أو أشخاص محددون يمثلون المعارضة يمكن التفاوض معهم، وما حدث في مؤتمر الحوار الذي أقامته الحكومة، بالإضافة لكونه قام بإدارته أحد الطرفين، ولكونه أنشئ للحوار وليس التفاوض، أنّه جرى بين مجموعتين، الأولى أشخاص يمثلون النظام بنتيجة ولائهم السياسي أو الاقتصادي، والثانية أشخاص لا يمثلون إلا أنفسهم فحسب، وقد رأينا أنه حتى المعارضين المشهورين والذين لم يقبلوا الدخول في هذا الحوار لم يسلموا من انتقادات معارضة الشارع.

لذلك ( في رأيي وتصوّري الخاص ) الحل يقوم على ثلاث خطوات:

  1. توقّف المتظاهرين عن المناداة بإسقاط النظام واستبدال هذه العبارة بمطالب واضحة ومحددة يمكن الضغط من أجل تحقيقها ومراقبة السلطة في مدى تنفيذها.
  2. أن يخطو النظام أيضاً خطوة إلى الخلف، ويتوقف عن استخدام الحل الأمني، فإنه قولٌ حق ويستحق كل قبول أنه بحكمة جعل الله للإنسان يدان، واحدة للقوة والأخرى للحب، إنما هاتان اليدان كلتاهما مصممتان للأخذ والعطاء، ويسعى النظام لتأطير معارضة الشارع، ففي كل بلد ديمقراطي النظام مسؤول عن تأطير المجتمع إن لم نقل أنه هو ليس إلا تمثيلاً تأطيرياً للمجتمع، وهذه ليست مهمة سهلة خصوصاً أن كثيرون سيتكالبون ( عذراً على التعبير ) لامتطاء صهوة السلطة والتمثيل، وإن لم يكن التمثيل حقيقياً فلن توجد أي فائدة، أعتقد أن من الخطوات الصحيحة على هذا الطريق إطلاق سراح كل من اعتقل حديثاً من الشباب المثقف، وفتح مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت للجميع، وجعل التنظيم في كل حارة فيها احتجاجات إلى مستوى المدينة فمستوى الدولة، وأعتقد أن هذا الأمر يجب أن يكون سرياً بدون تغطية إعلامية حتى لا يحوّله البعض إلى مجرّد فرقعة إعلامية خاوية من أي مجال للتأثير الفعّال.
  3. الجلوس إلى طاولة للمفاوضات بين السلطة والمعارضة ( الحقيقية )، وأن تكون الجلسات بإدارة جهة محايدة، لا أعرف من يمكن أن تكون ولكني أعتقد أن الحكومة اللبنانية مثلاً قد تمثّل جهة مقبولة من الطرفين.

هذه أفكار وآراء خاصة بي، تمثّلني ولا تمثّل أي شخص آخر أو أي جهة بالضرورة، وأرجو ممن يقرأ هذه السطور أن يتذكر أني من الاتجاه الثالث، فلست من النظام ولا من المعارضة، ومن يقدم للآخر النصيحة، أأعجبت هذا الآخر أو لم تعجبه، سواء كانت ذكية أم غبية، هو يسعى لأجل الآخر ومصلحته.

7 تعليقات على “دفاعاً عن الخط الثالث ( الأكثرية الصامتة )”

  1. بسام ماوردي أضاف بتاريخ

    السيد رامي المحترم..

    أنا معك في كل ما تقول.. وخاصة بالموضوع الديني الإسلاموي… والذي للأسف شهدته البارحة في حارتنا.. طائفة ضد طائفة .. والحمد لله أن الطائفة الأخرى، لم ترد … لكانت مجزرة خاصة وأنهم لم يترددوا في التوجه نحو المشفى العسكري نصرة للرمل الجنوبي …

    لكن ما يشغلني و يؤرقني هو الخارج .. والخارج فقط .. فلن أصدق أبدا أن إسلامي طرابلس و عفوا على الكلام سيتراكضون لنجدتنا و مساعدتنا … و لا السيد العاهل السعودي ( والذي للمناسبة لا يعرف القراءة ويتعلثم أثناءها كثيرا ) سيعطيني الحرية .. طبعا الأمر ديني بحت .. لأن كل من هو ضد “السنة” هو كافر و شيعي و مجوسي و يلزمه الإعدام … أعود و أذكر أنا أتكلم عمَّن يخاطب الدين لا العقل. .. لأن هنالك من أهل السنة من له عقل ولا يرضى بالحديث الذي يستنهض الدين فحسب ..

    أتمنى أن أراك و أحاورك بشكل مباشر.. أفضل من الكتابة على جدارن لا تسمع …

    شكرا

  2. انتصار حليبية أضاف بتاريخ

    البديل…………………
    الخيار الديمقراطي – صناديق الاقتراع ان لم تكن قد سمعت بهم فلذلك سبب
    تقبل مروري

  3. لا اسم، بدك بيعتقلوني واختفي تحت الأرض؟ أضاف بتاريخ

    بشار أسوأ من استلم حكما في التاريخ الحديث. ترفع قفزا إلى رتبة فريق متجاوزا جميع الأعراف العسكرية والأخلاقية فقط لأنه ابن البابا. وورث الحكم عن البابا بالمرة. وأثبت بعد 11 سنة أنه أفشل من أن يحكم حارة.

    مابني على خطأ فهو خطأ منطقيا. أنت قلتها (الحق لا يأتي بطريق الكذب والتزوير). البناء الخطأ هو سبب التناقض المنطقي الذي تكلمت عنه.

    النظام أو الكيان هو سرطان بمعنى الكلمة مركزه عائلة الأسد. يجب استئصاله حتى آخر خلية وإلا سيموت الجسد اللي هو البلد. أي شيء (((( أي شيء)))) بعد النظام سيكون أفضل.

  4. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    سيدتي معك حق من ناحية الفكرة ولكني سأناقشك عملياً

    هل هناك بدائل حقيقية؟ ممكن ( وأقصد برامج وليس مجرد أشخاص )، ولكني بصراحة لم أر هذه البدائل بالرغم من أنه أتيح المجال لكل المعارضين أن يدلوا بآرائهم وتصورهم للنظام الاقتصادي والدبلوماسي البديل.

    هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لست واثقاً من أن هذه ( الثورة ) إن نجحت في إسقاط النظام ستنتج نظاماً ديمقراطياً وأن صندوق الاقتراع سيكون الحكم الوحيد.

    ثالثاً ظهور تيار سياسي واضح المعالم يستطيع الناس أن يقترعوا على برنامجه الواضح لا يتم في يوم وليلة بل يجب أن يكون نتيجة عمل حزبي وسياسي طويل الأمد وهذا ليس موجوداً في سورية ( بغض النظر عن السبب والمسبب )

    رابعاً وإن كنت أصدق أن هناك بدائل ما ولكنها لم تظهر بعد أو لم تتبلور فهذا ليس واضحاً لكل أبناء الشعب السوري، ويجب على من يقومون بثورة أن يؤدوا وظائفهم ويقدموا للناس البديل حتى يحظوا بتأييد الشعب السوري

    وشكراً لمشاركتك التي أتمنى أن تتكرر

  5. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    سيدي “بلا اسم”

    العبارات الطنانة جميلة ولكن إن كنا نريد التحاور منطقياً فالأمر مختلف، فليس كل ما بني على خطأ هو خطأ، فمن المحتمل أن يبنى على خطأ ويكون صحيحاً ( وأنا لا أدافع عن النظام ولكن أناقش فكرتك ) وهناك أنظمة كثيرة في العالم وفي التاريخ جاءت عن طريق الوراثة لا غير ومع ذلك جاءت بملوك أو حكام عادلين واستطاعوا أن يطوروا بلادهم نحو الأفضل.

    أما فكرة الاستئصال حتى آخر خلية وأن أي شيء سيكون أفضل فاسمح لي أن أقول أنها أفكار ساذجة، فكم ثورة جاءت في التاريخ بعبارات الحرية والديمقراطية والشعب ..الخ ولم تنتج إلا ديكتاتورية وهلاك ووبال على الشعب، من المحتمل أن يكون ذلك صحيحاً ولكن ليس أكيداً.

    وبالنسبة للخوف من أن تعتقل لا تهتم … أصلاً إيميلك عندي
    :)

  6. ahmad أضاف بتاريخ

    أخي رامي
    صحيح القضية جدلية بالموضوع يلي عم تحكيه، لكن للأسف الطريق مجهول المعالم بالنسبة للجميع، وبالرغم أنو أنا مع انو يكون النظام في سوريا مركزي وبل شديد المركزية في الإدارة بحكم أنو أي انزلاق أو عثرة بسيطة ممكن ترجعنا مليون سنو للوراء، إلا أنه (وللأسف) العقلية المنطقية او أساس الحوار بين الطرفين مفقودة، وغير موجودة، ولك حتى النظرة المستقبلية أو الفكر الاستراتيجي السوري غير مدرك من قبل الطرفين، يمككن هذا الشيء ناتج عن ضعف في تجذر الهوية الوطنية (وطبعا هي بحد ذاتها مشكلة) لذلك برأيي أنو المهم بالموضوع، أنو على من هو موجود حاليا بالسلطة تعميق الهوية الوطنية في مقبل الأيام.
    لأنه يلي عم نشوفوا اليوم هو انقلاب على كامل مفهوم الدولة وليس على شخوص او حالات فردية، وهاد الشيء نابع عن فقدان الصلة بين المواطن والوطن (يمكن هاد أحد اهم الأسباب بأعداد الشباب الضخمة الغتربة خارج البلد).
    وللحديث تتمة…

  7. mhnd أضاف بتاريخ

    هل من الضروري أن يكون هناك بديل جاهز حتى يثور الناس على الظلم؟ وخصوصا عندما لا تكون البيئة تسمح بوجود البديل؟ الا يمكن ان يكون البديل (مهما كان ولن يكون أسوأ من الحالي) هو على الاقل البيئة الافضل لوجود البديل؟

شارك بتعليقك