ما بين “الوسطية” و “الأرثوذكسية”

   هذه التدوينة ليست دينيةً ولا طائفيةً، فالأرثوذكسية مصطلح! ويعني باليونانية أصلاً الطريق المستقيم ويستخدم في معظم اللغات اللاتينية بمعنى الرأي الصحيح.

   هناك مسيحيون يدعون أنفسهم أرثوذكس ويهود يدعون أنفسهم أرثوذكس ..الخ وفي القرآن الكريم يرد “اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين” والصراط المستقيم في التفسير هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.

   عندما يكون هناك طريقان، واحد يميل إلى اليمين وآخر إلى اليسار بدون مبررات قوية، فلا شك أن هناك أمر خاطئ لأن الطريق الأقصر ( وبالتالي الأصلح ) هو الطريق المستقيم.

   ولكن يخطئ كثيرون في تعرّف هذا الطريق فيعتقدون أن مجرّد سلوكهم حلّاً وسطاً بين رأيين متطرفين يعني كونهم قد تعرّفوا على الطريق المستقيم، وهذا منطقياً خاطئ، فإن حاولت مثلاً رسم خطٍّ بين خطّين منحنيين باتجاهين مختلفين بحيث يكون دائماً في المنتصف بينهما فهذا لا يعني أبداً أن يكون خطّك مستقيماً، فإذا انحنى أحدهما أكثر من الآخر قليلاً انحنى خطّك معه، وفي حال كانا كلاهما منحنيين باتجاهٍ واحد فإن خطّك كذلك سينحني معهم.

   أمّا سلوك الطريق المستقيم فيعني إجمالاً وجود حدود واضحة ومحددة تماماً بحيث لا يمكن التشكيك أبداً باستقامة الخط، وما يساعد على تعرّفه هو أنّه بالإضافة لكونه الأقصر هناك ما هو أهمّ، أنّه الأبسط، فالانحناء نحو اليمين أو اليسار هو تعقيد مضاف لا تبرير له.

   أمّا الوسطية وما يسمّى أحياناً بالاعتدال فهو مصطلح فضفاض وكم من اتجاهات مختلفة ومتباينة نجد أنّ كلّاً منها تطلق على نفسها لقب “وسطية” أو “معتدلة” فكل اتجاه يمكن أن يرى إن بحثَ، من هو متطرّف أكثر منه في اتجاه، وآخر في اتجاهٍ آخر ليقول عن نفسه أنّه معتدل كونه بين تطرّفين.

   الاعتدال قيمة جمالية غربية انتشرت في وقتٍ في أوروبا وعمّت جميع أنواع الفنون من الطبخ إلى الرسم والنحت والعمارة ..الخ، لكنّها تبدو غريبة قليلاً عن القيم الجمالية الشرقية، ففي الغرب نجد الطعام مثلاً متوازناً من حيث القساوة والليونة، الجفاف والرطوبة، الحلاوة والملوحة ..الخ، أمّا في الشرق فإنّنا نعشق المأكولات شديدة الحلاوة أو شديدة الحرّ أو القساوة أو الملوحة، ونضيف أنواع البهارات القاسية الطعم، وفي العمارة ترى أبنية شديدة الزخرفة والبهرجة وغيرها شديدة البهتان مؤلفة من جدران حجرية مصمتة.

   لنعط أمثلة لنبين الفرق، الشجاعة تُعَد قيمة معتدلة بين الجبن والتهوّر، ولكن إن بقينا ضمن هذا الوصف نجد أنّ كل شخص يمكن أن يقول عن نفسه أنّه شجاع ولكن ليس متهوّراً عندما يأخذ موقفاً جباناً، ويقول عن نفسه أنّه شجاعٌ وليس جباناً عندما يأخذ موقفاً متهوّراً، ولكن حين نحدد الشجاعة بتعريف أرثوذكسي بأنّها التيقّن أوّلاً من عدم وجود أخطار منطقية تقف عائقاً في وجه تصرّف معيّن وتمنع بالنهاية تحقيقه لأهدافه النهائية، وحينها أخذ المبادرة والقيام بالأمر مهما كانت المخاوف غير المنطقية منتشرة أو تحاول السيطرة على الشخص فعندها لا يمكن أن يحدث التباس في هذا التحديد.

   إذا أخذنا مثالاً آخر هو النظام الغذائي الصحيح، فهو اعتدال بين الشراهة وحرمان النّفس، ولكنّه لا يعني أنّه إن كان جاري يأكل خمسة ارغفة وأخي يأكل نصف رغيف فلأنّي آكل رغيفان وثلاثة أرباع فهذا يعني أنه لدي نظام غذائي صحيح، لكن يمكن تحديد حدود واضحة أرثوذكسية بأن الأكل الصحيح هو الذي لا يحرم الجسم من حاجته الأساسية فيصيبه الضعف ولا يستطيع القيام بأعماله، ولا يزيد عنها فيسبب تراكم للدهون بالجسم وتؤدي لمشاكل صحيّة كثيرة، وفي الحالتين كما نرى هناك إضرار صحّي بالجسم فالزائد كما يقال أخو الناقص.

   اليوم هناك من يدعو نفسه بأنّه تيّار سياسي ثالث في سورية وأنا بمعنى من المعاني أجد نفسي ضمن هذا التيّار، ولكن لا يكفي لتحديد مساره بأن يقول فقط بأنّه بين المعارضة والنظام وبأنّه يرى أخطاء لدى هؤلاء وأولئك، بل يجب أن تكون له حدود أرثوذكسية واضحة تفصله عن هذا وذاك.

   وأتمنى في النهاية أن مقالي هذا كان أرثوذكسياً كما هي التنورة المعتدلة بحسب وصف الإنكليز، اي قصير بما يكفي ليثير الاهتمام وطويل بما يكفي لتغطية لموضوع من كلّ جوانبه.

5 تعليقات على “ما بين “الوسطية” و “الأرثوذكسية””

  1. عزيزي رامي :
    ان التيار الثالث لا يضع نفسه حكما فقط بين الموالاة والمعارضة ، انما هو تعبير عن جزء كبير من افكار السوريين ومشاعرهم ، حيث يمكنني ان اقول أنه التيار السوري الذي يعي تماما أن الحل ليس بالبندقية ولا بالتدخل الخارجي ولا بقتل كل من يخالفك الرأي ، وتعليقا على تمنيك بأن نكون” أرثوذكسيين “..نحن نحاول ان نكون كذلك واعتقد باننا وصلنا الى درجة من الفهم تجعلنا كذلك ، والا ما كنا تيارا ً سوريا لا اقول معتدلا بل متطرفا جدا في حب سوريته والدفاع عنها بكل ما تحويه هذه الكلمة من معاني الحضارة والعنفوان والذكاء ولسنا كغيرنا ندافع عن اشخاص او نسعي باي شكل للاستحواذ على سلطة حتى لو عنى ذلك احراق البلد على قولة الموالاة المعارضة وفعلهم .
    عشات سوريا حرة ابية جميلة وصبية ..وعاش الشعب السوري الأرثوذوكسي .

  2. سيد نبراس،

    التنويه الذي وضعته بخصوص التيار الثالث ليس هو اتهام بقدر ماهو رأي أو تنبيه، وليس الهدف منه انتقاد التيار الثالث الذي برأيي أظهر عقلانية أكثر من غيره بكثير

    وشكراً على مشاركتك التي أتمنى أن تتكرر دائماً

  3. عندما قرأت هذه التدوينة تذكرت الآية 16 من الاصحاح 3 من رؤيا يوحنا ” هكذا لانك فاتر ولست بارداً ولا حاراً أنا مزمع ان اتقيّأك من فمي ” أنا أرى الأورثوذكسية هي الحرارة وليست البرودة ولا الفتور .

  4. تحياتي للجميع
    لكي أكون أرثوذكسيا” يجب أن أسلك باستقامة بالرأي والتصرّف أما الوسطيّة برأيي فهي المجاملة المنافقة لإحدى الطرفين لكسب أحدهما أو لسبب اخر.
    سلام المسيح يكون معكم

  5. اكثر من رائع تصنيفا هذا او توضيحك عن الارثوذكسيه فهي بالحق طريقه حياه اكثر منها اتجاه في عقيده او دين او فكر ….. ان افهم المجال الذي اعيشه وأوجد فيه وان احدد المسلك الذي أراه بحسب الحق المعلن و الموضح أمامي والذي يقودني بخطوات صحيحه نحو الهدف المطلوب …..فانا أرثوذكسي روح وحياه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *