هل نحتاج للديمقراطية في سورية؟

صرنا نسمع كلمة “ديمقراطية” كثيراً منذ سنة إلى الآن، سواء من خلال المطالب أو الوعود أو الشعارات السياسية، من قبل النظام أو من قادة المعارضة.

وفي نفس الوقت نعلم أنه توجد تحفظات كثيرة لدى أطياف كثيرة من الشعب السوري حول كلمة  “ديمقراطية”، ونجد هذا التحفظ لدى سويات ثقافية متباينة، وحتّى هناك مقالات كثيرة كتبت تنتقد فكرة الديمقراطية بحد ذاتها، ولذلك سأحاول هنا أن أتعرض لمفهوم الديمقراطية وحول هل هي ضرورية أو مناسبة لسورية، بعد أن أعرض تحفظات البعض عليها بشكل بسيط وواضح من ناحية فكرية محضة، بدون الدخول في خلافات سياسية حول إلى مدى هي مطبقة، أو فيما إذا الوعود الصادرة من أطراف مختلفة حول تطبيقها هي صادقة أو كاذبة.

تعرَّف الديمقراطية من مصادر مختلفة أنّها نظام سياسي يشارك فيه كل المواطنون في أخذ كل القرارات المتعلقة بسياسة الدولة العامّة.

كذلك تعرّف الديمقراطية بأنّها حكم الشعب لنفسه بنفسه.

قبل كل شيء من هذا التعريف نجد أنّ الديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات كما يريد البعض أن يعتقد، إذ في النظام الديمقراطي يجب أن يبقى كل المواطنين مشاركين في عملية أخذ القرار وفي محاسبة الفاسدين من الحكام وإن كانوا منتخبين، فالانتخابات فقط جزء من الديمقراطية، وكذلك الديمقراطية لا تعني إطلاقاً حكم الأكثرية للأقلية، بمعنى أنّ الأكثرية ( سواء كان ذلك بمفهوم سياسي أم طائفي أم عرقي ..الخ ) لا يجوز أن تمنع أحد من المشاركة في أخذ القرار السياسي، فهذا لا ينتقص من فكرة الديمقراطية فحسب، وإنّما يناقضها.

لدى كثيرين تحفظات كثيرة على مفهوم الديمقراطية وتطبيقها على الواقع السوري، وهي معظمها ناشئة عن الإحساس بأن الديمقراطية شيء جديد لم نختبره في تاريخنا الطويل والذي لا يخلو من الحضارات الرائعة، وبالتالي هي تبدو لنا مثل مؤامرة أو بدعة أو على الأقل شيء لا يناسب وضعنا السوري أو العربي.

في الحقيقة تاريخياً الديمقراطية ليست شيئاً جديداً ولا غريباً عن حضارتنا، الظهور الواضح لمفهوم الديمقراطية كمفهوم وكتطبيق كان أوّل مرّة في أثينا في اليونان حوالي القرن السادس ما قبل الميلاد، حيث كان يستطيع جميع المواطنين انتخاب ممثلين لهم وكذلك المشاركة بشكل مباشر في أخذ بعض القرارات، وتوجد صور أقل وضوحاً للديمقراطية من فترات سابقة في ممالك ما بين النهرين ( العراق وسورية )، وعلى المستوى العملي نجد أنّها كانت تمارس طبيعياً في بلادنا عبر التاريخ هنا وهناك.

مثلاً لنبدأ من المجتمع الصغير، القرية أو العشيرة أو الحي، أو المدينة المملكة إن عدنا في التاريخ إلى الوراء، سنجد أنّه في كل واحدة من هذه المجتمعات هناك سلطة مؤلفة من الأعيان، يتزعمهم شخص واحد في النهاية، وبجميع الأحوال هذا الشخص ومعه الأعيان ليس لهم أي سلطة فعلية إلا بقدر ما يتمتعون باحترام أبناء هذا المجتمع، وبالتالي لأعضاء هذا المجتمع الصغير دور غير مباشر في أخذ قرارات السلطة وتحديد الشخصيات المنتمية لها، ويحضرني هنا المثل الشعبي المعروف “شيخ القبيلة خادم الجميع”، وهو في جوهره يعني الديمقراطية، لأنّ الخادم طائع لمخدومه.

أمّا بالنسبة للسلطة العليا في الدولة ما قبل التاريخ الحديث، فالحقيقة أنّه لم تكن هناك أصلاً في بلادنا دولة بالمعنى الذي نفهمه اليوم من مفهوم الدولة، والسلطة العليا أيّام الدولة الإسلامية مثلاً كانت تدير شؤون العاصمة فقط بالإضافة لسلطات في المدن الكبيرة جداً، أمّا الشعب الذي في معظمه كان يعمل في الرعي والزراعة وبعضه في التجارة فكان إلى درجة كبيرة يدير أموره بشكل تلقائي حسب العادات والأعراف المحلّيّة، ولا دليل أبلغ على ذلك من أنّه وقد صرنا في القرن الواحد والعشرين نجد بعض الأماكن المعزولة قليلاً في كل الدول العربية ما تزال تقوم حياتها على أعراف غريبة عن كل القوانين وحتى كل الشرائع الدينية، وهذه الأعراف هي نفسها ما زالت مستمرة منذ قرون عديدة جداً.

بينما السلطة العليا في الدولة والأقاليم كانت مهمتها تقوم فقط على تأمين الحماية العسكرية ( أو بتعبير أدق فرض السلطة العسكرية ) مقابل أخذ الضرائب المالية المختلفة.

وحتى لا نخرج من الناحية التاريخية قبل إنهائها، نجد أنّه مع بداية تطوّر مفهوم الدولة بعد أن تحوّلت الدولة الإسلامية إلى قطاعات أصغر ومستقرة أكثر وذلك بدأ في عهد المماليك بعد التحرّر من الصليبيين والتّتر، نشأت سلطات دكتاتورية قمعية همجية، وكنت شخصياً أتساءل عن سبب هذه الدكتاتورية الفكرية والدينية واستخدام القمع والاضطهاد في العصور المملوكية، فوجدت فرضيات كثيرة، منها أنّها رد فعل على تصرفات الصليبيين، أو أنّها نتيجة انتشار تيارات فكرية دينية تكفيرية مع ابن تيمية بالأخص، لكنّي بعد تمحيص وجدت برأيي أنّ السبب أبسط من ذلك بكثير، ويعود إلى أنّ المماليك هم في الأساس عبيد قد أخذوا السلطان، فأي مفهومٍ سيكون لديهم عن احترام حريّات المواطنين؟

بعد المماليك جاء الاحتلال العثماني، وليس من دليل أبلغ على حالة التدهور الفكري الذي كرسّه المماليك، من رضوخ الشعب للاحتلال العثماني إجمالاً ولمدة أربعمئة سنة، ولعلّه أطول احتلال عرفه التاريخ، كل هذا مع أنّ السلطة التركية لم تحاول يوماً أن تدّعي بأنها جاءت لتأخذ السلطة الإسلامية في الدول العربية ( سوى في ادعائها أنّها تمثّل الخلافة )، فقد عاش السلاطين في مكان بعيد عن الثقافة العربية وحكموا البلاد العربية التي كانت تحت سيطرتهم عن بعد، ولم يتبنوا اللغة العربية، وهذا يدخل في باب الاحتلال وليس أخذ السلطة وفرض أنفسهم حكاماً جدد، وعلى الصعيد الحضاري كانت عصر الاحتلال العثماني عصر جمود مخيف في الدول العربية التي كانت خاضعة له.

بعد الثورة العربية الكبرى ( والشبيهة بأوجه عدة بما يسمى اليوم بالربيع العربي ) لم تقم دول تحمل فكرة الديمقراطية في الدول العربية التي كانت تحت الاحتلال العثماني سابقاً، بل نشأت ممالك أرستقراطية، ورغم أنّه كانت هناك محاولات من قبل الملك فيصل لإنشاء دول حديثة إلّا أنّه لم يكن لدى الشعب وعي بمفهوم الديمقراطية بعد قرون طويلة من القمع. طبعاً ظهر هنا وهناك ومن أيّام الاحتلال العثماني مفكّرون تبنوا مفاهيم مثل الديمقراطية والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولكن بقي صوتهم غريباً عن ثقافة عموم الشعب العربي، ومنه الشعب السوري.

تسرّبت بعض مفاهيم الديمقراطية إلى النخبة المثقفة أيّام الانتداب الفرنسي في سورية، بالإضافة طبعاً لمبدأ الجمهورية وهو بالمناسبة موضوع مستقل عن الديمقراطية، أمّا السلطات السياسية اللاحقة للانتداب فلم تكن الديمقراطية من أولوياتها سواء كان ذلك عملياً أم نظرياً، وفي واقع الأمر لا توجد سلطة سياسية في العالم ستعمل من تلقاء نفسها على نشر الفكر الديمقراطي أو الترويج له لأن هذا يهدد سلطتها، وطالما أن السلطة السياسية تسيطر على الفكر والمفكرين لن تجد الديمقراطية طريقها إلى الوعي العام بشكل حقيقي.

نستنتج مما سبق أن عدم ظهور الديمقراطية كمبدأ في تاريخنا له أسبابه الموضوعية وليس لأن الديمقراطية بحد ذاتها فكرة غريبة عنّا أو غير مناسبة لنا.

اليوم ومع تأسس دول بالمعنى الحديث ينبغي دراسة الديمقراطية ومعرفة كيفية تطبيقها مثل كل المواضيع الأخرى التي أصبحت شائكة أكثر في العصر الحديث، وهناك موضوع يصلح للتشبيه كثيراً في هذه الناحية هو موضوع حماية البيئة، فعبر التاريخ لم يكن الموضوع البيئي مطروحاً كما هو اليوم، وهذا ليس لأن المحافظة على البيئة لم يكن أمراً مهماً وصحيحاً، بل لأن تطور الإنتاج وأسلوب الحياة البشرية أصبح يشكل تهديداً جدياً اليوم على صحة البيئة في العالم، وهذا يستدعي تطوراً موازياً في مجال الحفاظ عليها، وكذلك بالنسبة للديمقراطية، فمع ازدياد المهام التي تقوم بها الدولة من رعاية صحيّة والإشراف على التعليم والثقافة والدفاع والاقتصاد ..الخ، وكذلك ازدياد عدد الناس بشكل كبير جداً، تصبح اليوم مشاركة الناس في أخذ القرار مسألة تحتاج للدراسة والتحليل والتطوير.

من توجّسات البعض حول الديمقراطية أنّها تبدو مفهوماً مستورداً من الغرب، وفي الواقع هي بحد ذاتها ليست فكرة مستوردة وهذا سأحاول توضيحه، لكن من الطبيعي أن تطوّر مفهومها وطريقة تطبيقها هي أفكار نستوردها حالياً من الدول التي سبقتنا في هذا المجال، مثلما ينطبق هذا على كل المجالات المختلفة الأخرى التي تشمل العلوم والإدارة ..الخ، وهذا ليس معيباً كمرحلة أولى، فكل الحضارات الكبرى عبر التاريخ بدون استثناء استفادت من نتائج الحضارات الأخرى التي سبقتها، واليوم نحن صرنا متعلّمين، وسنبقى كذلك دائماً إلّا إذا اللّهم صارت لدينا مركز أبحاث ودراسات علمية في المجالات المختلفة وتشجيع جدّي وحقيقي للعلماء والمفكّرين.

كذلك مما ساهم في تشويه صورة الديمقراطية سياسة الولايات المتحدة ومعها بعض الدّول الغربية في السنوات السابقة خصوصاً في عهد إدارة الرئيس جورج بوش الابن، حيث ادّعت تلك الإدارة أنها تقوم بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط في الوقت الذي كانت فيه تصرّفاتها عكس ما تقول تماماً، من الحرب على أفغانستان فالعراق فالسكوت على المجازر الإسرائيلية في فلسطين ولبنان ..الخ، وهذا ما أعطى الانطباع بأن الديمقراطية بحد ذاتها شيء بشع وأنّها ليست إلّا كذبة تنشرها الدول الغربية في بلادنا لتمرير مؤامراتها، وطبعاً المثقفون المعتبرون موالين للحكومات العربية لم يوفّروا جهداً سعياً لتشويه الديمقراطية مكرّسين تلك الأفكار، ولكن بالمنطق البسيط، من يدّعي أنّه يقوم بالخير وهو يكذب لا يعني أنّ عمل الخير بحد ذاته يصبح شيئاً بشعاً، وهذا ينطبق بالمثل على كثير من الدول الأوروبية التي يقال عنها أنّها قمّة الديمقراطية فيما لا يُسمح فيها مثلاً التشكيك بالمحرقة النازية بحق اليهود حتّى لو كان ذلك من باب علمي محض.

من التحفظات الأخرى حول الديمقراطية هي قول البعض أنّها تخالف الدين، وذلك في الإسلام وفي المسيحية، ذلك أنّها تقوم أساساً على فكرة “حكم الشعب” التي تظهر مناقضة لفكرة “حكم الله”. بالتدقيق بهذا الكلام نجد الكثير من اللغط، فإن قلنا الحكم لله، فكيف سيحكم الله الدولة؟ الجواب طبعاً هو بأن يحكم أشخاص متدينون يطبقون الشرع الإلهي، ولكن كلنا نعرف أن الشرع الديني يُختلَف فيه على وجوه كثيرة وعديدة فيه وفي الدين نفسه بل الطائفة نفسها، إذن وفق فهم من يجب أن يُطبَّق التشريع؟ الجواب سيكون ببساطة أنّ المشرّع حتّى لو استند على الدين عليه أن يقدّم حجج منطقية تبرّر مواقفه، وبالتالي يجب أن يكون أي تشريع حتّى لو كان واضعه أم المنادي به يتبنّاه وفق قناعة دينية، يجب أن يكون مبنياً على أسس موضوعية، وهنا عدنا إلى موضوع المشاركة بأخذ القرار وفق أسس موضوعية، وموضوع حكم الله يبقى موضوعاً شخصياً بين المشرّع وربّه أمّا الناحية التطبيقة فلا يجدر بها أن تختلف عن حكم الشّعب أو النظام الديمقراطي.

أخذ القرار بمشاركة الجميع يعني تماماً أن يكون مبنياً على الحوار، فالحوار هو أساس الحضارة البشرية، وهنا أشير إلى أبحاث بعض العلماء الذين وجدوا بأن ما يميّز جنسنا البشري عن أقرب المقربين إلينا من الكائنات، وأقصد به إنسان النياندرتال الذي انتشر وقتاً ما في كل قارات العالم القديم، هو أنّ جنسنا البشري قادر على الكلام وبالتالي يستطيع تبادل الخبرات بين الجماعات المختلفة، بينما إنسان النياندرتال، ومع أنّه كان يملك القدرة على صنع الأدوات إلّا أنّه لم يكن بإمكانه الكلام، فلم يستطع أن ينشئ أيّة حضارة.

وللحوار قواعد وهي ما يعرف بعلم المنطق الذي وُضعت أسسه العلمية منذ ألفين وثلاثمئة سنة تقريباً بدءاً من العالم المعروف أرسطو، فعلم المنطق هو علم للحوار وليس علم للتفكير كما يعتقد كثيرون، فالمرء حين يفكر يفكّر كما يريد ولا يضع لتفكيره قواعد، لكن عندما يحاور الآخرين لا بد من وجود القواعد، وحتى عندما يفكّر المرء وهو يعرف أنّه سيكون مضطراً للحوار حول وجهة نظره فإنّه سيستعمل المنطق، وهذا يعني بأنّ الحوار مفيد لصقل الأفكار حتّى قبل أنّ يبدأ الحوار والنقاش مع أشخاصٍ آخرين.

وبجميع الأحوال النقاش حول لمن يجب أن تكون السلطة يخفي في طياته بحد ذاته مغالطات كبيرة، ذلك أن السلطة السياسية ليست بحد ذاتها شيئاً بديهياً، فالإنسان لم يخلق عبداً لأحد غير ربّه بل حراً، وليس في طبيعته البشرية حاجة إلى شخص أو جهة لتحكمه، ما عدا سلطة الأهل على أبنائهم وهم صغار، وهي تتضاءل شيئاً فشيئاً مع تقدم الأبناء بالعمر، وهي بجميع الأحوال سلطة عناية لا سيطرة.

أمّا السلطة السياسية فهي ليست سوى اختراع بشري من أجل الحفاظ على نظام المجتمع، وحلّ النزاعات بين أفراده، وتنسيق أمّور التعاون فيما بينهم، ولذلك لنحدد من وكيف يجب أن يحكم علينا أن نفهم تماماً لماذا اخترع البشر السلطة.

سأبدأ من مثال بسيط للغاية، مجموعة من الأطفال يلعبون لعبة، عندما سيبدأون باللعب ستظهر أفعال احتيال أو أفعال تجاوز قد تؤدي لفقدان اللعبة قيمتها، وعندها سينزعج الباقون من المتجاوز ويمنعوا تجاوزه، لكن بعد قليل قد يقوم آخر بنفس العمل، وعندها بالمنطق البشري الذي يسعى نحو البساطة والاتّساق سيجد هؤلاء الأطفال أنّه يجب أن يتعرّض لنفس ردّ الفعل التي تعرّض له المحتال الأوّل، وهنا سيظهر بينهم شيء اسمه قانون اللعبة ولن يصبح ذو شرعية حقيقية إلّا إذا اتّفق عليه ووافق عليه الجميع، أيضاً قد تظهر حاجة بعد فترة إلى وجود شخص يقوم بمهمّة الحَكَم، وهذا أيضاً يجب أن يُتّفَق عليه من الجميع، أوّلاً لأنّ هذا يضمن إلى درجة ما أن يكون محايداً، وثانياً  كي لا يبقى لأحد حجّة لرفض قرار الحَكَم، ومع تطوّر اللعبة أيضاً سيظهر أشخاص يعصون قرار الحكم وقد يقولون إمّا تمضي الأمور حسب ما نرتئيه أو نخرّب اللعبة، وهنا لاستمرار اللعبة لا بد من ظهور أشخاص أقوياء يفرضون قرار الحَكَم ولو بالقوّة.

ما سبق يعبّر تماماً عن الحاجة إلى سلطة تشريعية ( تسنّ القوانين وتحافظ عليها )، وسلطة قضائية ( الحَكَم الذي يحكم وفقاً للقوانين موازناً بين المدّعي والمدّعى عليه )، والسلطة التنفيذية ( من يقومون بتنفيذ الأحكام )، وحتّى يمكن مما سبق استنتاج الحاجة لما يسمّى “فصل السلطات” بين هذه السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية، ولكن هذا موضوع طويل لا داعي للدخول فيه هنا.

الأمر مشابه حين يُكتَب عقدٌ ما بين متعاقدين، فبنود العقد تكون هي القانون الذي يحكم بينهم، وفي العقد أيضاً قد يتّفقون على شخص ليحكِّم بينهم وفق هذا القانون، وحتّى الجهة التنفيذية من الممكن أن تُحدَّد. وفي نفس السياق يقال أن دستور الدولة هو عقد اجتماعي ما بين الشعب والسلطة، وأنا برأيي الشخصي هذا الكلام خاطئ جداً، فما يسمّى بالدستور يجب أن يُعتبَر عقد اجتماعي فيما بين أفراد المجتمع، ويحددون وفقه كيف ينتخبون ممثليهم من أجل التشريع والقضاء والتنفيذ.

في الواقع إنّ مثل الأطفال السابق يمكن منه فهم الصيغة السياسية للدول الحديثة، بل هو أفضل منها، حيث أنّه لا توجد دولة اليوم يتم فيها انتخاب القضاة ولا توجد بالتالي أية رقابة شعبية على عمل القضاة، ولذلك أعتقد شخصياً بأنه يجب أن تكون هناك سلطة قضائية عليا ( مثل ما يدعى بمجلس القضاء الأعلى ) حيث يجب أن تُنتخَب مباشرةً من قبل الشعب.

إذاً مما سبق نرى أنّ الديمقراطية هي شيء طبيعي في أي مجتمع، بل في أي جمعية ومؤسّسة، وإن لم يكن هناك قانون وأشخاص يُتّفَق عليهم وفق أسس واضحة فلماذا يكون هناك داعٍ لوجود السلطة في المقام الأوّل؟

لكن الشيء اللاطبيعي والذي ينبغي تحليل أسباب حدوثه هو ما يُعتَبر مناقضٌ للديمقراطية وهو ما يسمّى بالدكتاتورية.

 تاريخياً الدكتاتور لقب كان يطلق على الامبراطور الروماني، وبتفصيل أوسع كان في النظام الروماني القديم مجمعان منتخبان ومتساويان، يأخذان القرار بشكل مشترك، وفي وقت الحرب كانت تسلّم الأمور لشخص واحد بسبب الحاجة الملحّة إلى قرارات سريعة وحازمة، وعندها هذا الشخص يدعى بالديكتاتور.

لكن سرعان ما نُقضت هذه القاعدة وظهر أشخاص يريدون السلطة لوحدهم بمفردهم بشكل دائم لا يقبلون بالتنازل عنها، وذلك حبّاً بها، وهذه ظاهرة اعتبرت شاذّة ذات سبب غير أخلاقي وصار كلمة دكتاتور من وقتها كلمة سلبية، حتّى أنّ قتل يوليوس قيصر وهي الحادثة المشهورة كان لهذا السبب تحديداً، فقد أراد أن يصبح دكتاتوراً بشكلٍ دائم.

إذاً الدكتاتورية تعني الحكم المنفرد أو حكم الشخص الواحد. لماذا تعتبر الدكتاتورية أمراً خاطئاً؟ ولماذا تخالف الديمقراطية؟ أليس من الممكن أن يكون الشعب راضياً بحكم هذا الشخص وأن يكون هذا الدكتاتور عادلاً ويحكم بالعدل؟

في الحقيقة الدكتاتورية مشكلة ومشكلة كبيرة لسبب بسيط، وهو طبيعة الإنسان المعرّضة للخطأ، والخطأ بمعناه الإجرائي والأخلاقي، وأعتقد أنّه لا يوجد أحد إلّا اختبر بشاعة الديكتاتورية ( أي قرار الفرد الذي يرفض مشاركة الغير لقراره الذي يخصّه ويخصّ آخرين ) في حياته بشكل مباشر، وذلك ضمن العائلة والمؤسسات الاجتماعية والتعليمية والشركات والمؤسسات التجارية.

فالعمل الفردي يتطوّر الخطأ فيه ويكبر مع الأيّام بدون أيّة ضوابط، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى إيذاء الشخص نفسه الذي يقوم بهذا الخطأ وهو يرفض الاستماع للآخرين، بينما في العمل الجماعي حقيقةً أيّ خطأ فردي يتم تداركه قبل أن يتطوّر، ولذلك يلجأ مديرو الشركات والمؤسسات الكبيرة الواعون بشكل مقصود إلى تشكيل مجموعات استشارية تشارك في ضبط القرار، وكذلك السماح لأي شخص ضمن العمل بأن يعطي رأيه مهما كان علمه قليلاً، فأحياناً الأفكار المبدعة لا تخطر لأصحاب العلم الكبير، فكل شخص لديه أطر معيّنة وحدود للتفكير ناتجة عن العادة أو عدم المعرفة في مجالات معيّنة، والإبداع الفكري الكامل لا يمكن أن يتحقّق سوى إلّا بتآزر جهود عقول مختلفة تحمل أفكاراً مختلفة.

لذلك الديكتاتورية تشكّل مشكلة عملية وتؤدي إلى الفشل، ومن غير المنطقي اتّباعها إلّا إذا كان الشخص الدكتاتوري يعاني من الكبرياء الغبية أو حب التسلّط أو يسعى لأهداف غير نزيهة لا يريد أن يناقشها مع الآخرين، وهي نقيض للديمقراطية لأنّ الديكتاتور السياسي يسعى دائماً لعدم فتح المجال أمام الشعب في المشاركة في أخذ القرارات التي تخصّ البلد والشّعب. وهنا أحب أن أسأل رجال الدين الذين يتردّدون بالاعتراف بأن الديمقراطية توافق الدين، هل يعتقدون أنّ الديكتاتورية المبنية على التكبّر والتجبّر والتسلّط توافق تعاليم الأديان الأخلاقية؟

 يبقى هناك سؤال كبير حول ممارسة الديمقراطية، ذلك أنّه كيف يمكن عملياً تحقيق مشاركة كل الشّعب في صياغة القوانين والقرارات وتنفيذها؟ الانتخابات جزء من ذلك بدون شك، فبها يمكن للشّعب أن يختار أشخاصاً يعتبرهم أكفّاء للقيام بتلك المهام، والانتخاب يجب أن يكون لمجموعة وليس لشخص للمحافظة على مبدأ العمل الجماعي، ولا يمنع هذا من أن تختار المجموعة المنتخبة فيما بعد فيما بينها شخصاً مهمته تنسيق إدارة العمل الجماعي فيها. في حال لم يكن الشّعب راضياً عن عمل تلك المجموعة بعد فترة قصيرة يستطيع أن يختار غيرها في انتخابات جديدة، وهكذا يُمنع تمادي السّلطة في الخطأ والتجاوز إن حدث.

لكن اليوم مع تطوّر تعقيدات الحياة وإدارة الدولة، لم تعد الانتخابات كافية لإشراف الشّعب على عمل السلطة، بل يجب أن تكون هناك آلية لمتابعة عمل السلطة باستمرار والمشاركة به، والطريقة الفضلى لذلك هي الإعلام، وهو ذو اتّجاهين، يعرض عمل السّلطة على الشّعب، وينقل طلبات الشّعب وآراءه وانتقاداته مباشرةً إلى السلطة، وكثيراً ما يسمّى الإعلام بالسلطة الرابعة بسبب محوريّة دوره في الدولة.

اليوم ومع تطوّر الإعلام وتزايد اعتماده على الإنترنت أصبحت عملية التشاركية بين مختلف أفراد الشّعب في أخذ القرار متاحة أكثر من السّابق، حيث لم يعد الإعلام للتلقّي بل للمشاركة الفعّالة.

البعض سيحتج على كل الكلام السابق بأن الديمقراطية بهذا الشكل هي أمر مثالي وغير مطبّق بشكل تام ولا في أيّ مكانٍ في العالم. هذا صحيح ولكن لا يعني أنّه يجب علينا رفض وجود معيار نقيّم وفقه مدى وجود الديمقراطية والاتجاه الذي يجب أن نسعى لتحقيقه، فمن الواضح أنّ بلاد العالم تتباين فيما بينها من حيث مدى اعتمادها الديمقراطية، أمّا رفض الديمقراطية كمفهوم وبشكل كامل فهذا سيجعلنا ننحدر نحو أوضاع بشعة وشاذة.

فإن كان شيء يمكن أن نستخلصه هنا فهو أن الديمقراطية شيء طبيعي في أي مجتمع، وكلّ ما يناقضها هو غير طبيعي وشاذ، وهي تقوم عملياً على الانتخاب والعمل الجماعي وحرية الإعلام المبني كلّه على الحوار المبني على علم المنطق، وإن استطعنا في سورية أن نطبّق هذه المبادئ بشكل صحيح، فعندئذٍ يمكن أن نقوم بكل المعنى الكلمة بتصدير للديمقراطية إلى كل بلاد العالم.

تعليقان على “هل نحتاج للديمقراطية في سورية؟”

  1. مقالك رائع يا استاذ رامي. اتمنى لك التفوق و شكرا على افادتنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *