رأي حول التعليم الديني في مدارس سورية

طالما كان موضوع التعليم الديني المدرسي موضع جدل بين السوريين، بين مؤيد ومعارض له، لكن بقي النقاش على الإنترنت بعيداً عن الوضع الفعلي الواقع منذ عشرات السنين والذي لم تظهر السلطات أي نية في تغييره.

من أبرز الحجج المعارضة له هي أنه يميز بين التلاميذ ويعلمهم أن فلان مسيحي وفلان مسلم، وأنه يؤدي إلى التعصب، وأن به يتم فرض دين ومعتقد على الأطفال بدون رغبتهم، ومن الحجج المؤيدة له أنه ضرورة لتعليم الأخلاق والدين في حين أن المؤسسات الدينية غير قادرة على تولي هذه المهمة بكفاءة.

باعتباري من مؤيدي التعليم الديني في المدارس سأجيب عن حجج المعارضين بالتفصيل، ولكن هناك حجج أخرى أتبناها شخصياً ولا تطرح كثيراً، تجعلني أدعو إلى بعض التغيير في نظام التعليم الديني المدرسي وسأذكرها بعد ذلك.

أولاً بالنسبة للتمييز بين التلاميذ سأتكلم عن خبرة، قد درست في مدرسة تابعة للكنيسة المسيحية في اللاذقية، وباعتبار أنها مدرسة خاصة مسيحية في بلد مسلم فمن الطبيعي أن يكون نصف التلاميذ تقريباً من المسيحيين ونصفهم الآخر من المسلمين، والتعليم الديني فيها يؤخذ بجدية كبيرة، وطبعاً في حصة الديانة يذهب المسلم إلى قاعة والمسيحي إلى قاعة أخرى، كلٌ ليتعلم مبادئ الدين المسجل في خانة الدين في دائرة الأحوال الشخصية.

ولم أشعر يوماً أن هذا الفصل يفرق بيني وبين صديقي المسلم الذي مازال صديقي حتى اليوم، لكن تعلمت شيئاً مهماً، نحن مختلفان في اعتقادينا، والأهم بكثير أن هذا الاختلاف لا يدعو إلى التفرقة والخلاف.

إذا حاولنا تحديد هدف واضح لوجود المدارس في المجتمع وذهاب التلاميذ إليها، فأعتقد أنه يمكن اختصاره بأنه جعل التلميذ مواطن قابل للاندماج في المجتمع والتفاعل معه بطريقة صحية وسليمة، فهل لأجل ذلك من الأفضل أن نخفي عن الطفل أن المجتمع فيه اعتقادات مختلفة، أو أن نقول له أن الاختلافات موجودة ولكن هذه الاختلافات لا داعي لأن تؤدي إلى خلافات وتعصبات وحزازيات؟ أعتقد أن الجواب سهل.

بالنسبة للحجة الثانية وهي فرض معتقد معين على الأطفال دون رغبتهم، أريد أن أسأل، هل الطفل قادر على اختيار دين أو معتقد بحريته؟ طبعاً لا، إذاً ماذا، هل نجعله ينشأ بدون دين أو معتقد؟ طبعاً معظم الأطفال ستشعر بفراغ وستسأل أسئلة كثيرة لا يستطيع العلم الإجابة عنها، مثل لماذا نعيش وما هو هدف الحياة وعن طبيعة الموت ..الخ. العلم لا يستطيع أن يجيب عن “لماذا”، هو أصلاً لا يستطيع أن يجيب في أحيان كثيرة عما هو ضمن اختصاصه، أي “ماذا” و”كيف” فكيف عساه يجيب عن “لماذا”؟ و”لماذا” هو السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يسأله الأطفال عن كل شيء منذ أن يبدؤوا بالتواصل مع بقية أفراد المجتمع. في هذه الحالة، الطفل سيبحث عن الإجابات في أماكن أخرى مثل التلفزيون والإنترنت والشارع ورفاقه ..الخ، وطبعاً لن يكون أمام خيار حر، فهو يظل طفل وغير واع بعد وسيلجأ لما يقدم له حوافز أو مغريات أكثر من الآخر.

كل أهل متدينين يعتبرون أن الدين هو حاجة وضرورة لأولادهم، وكما أن الأهل مسؤولين ( وأحرار في نفس الوقت لأن المسؤولية والحرية متلازمتان ) في إعطاء أولادهم الغذاء الذي يعتبرونه ضرورياً والتربية التي يعتبرونها ضرورية، فهم أيضاً أحرار في أن يختاروا لأولادهم التعليم الديني الذي يعتبرونه ضرورياً لهم، هذا حق لا يحق للآخرين منعهم منه، وطبعاً الأطفال حين يكبرون ويصبحون في عمر قادرين فيه على الاختيار الحر، فلهم عندئذٍ كل الحرية في أن يختاروا اعتقادهم.

بالنسبة للتعصب أيضاً، هل يمكننا أن نمنع التعليم الديني في الكنائس والجوامع والمؤسسات الدينية المختلفة؟ طبعاً لا لأن حرية الاعتقاد وحرية التعبير عن الاعتقاد ونشره يجب أن تكون مصونة، فهل يا ترى يكون احتمال التعصب أكبر إذا كان التعليم ضمن المدارس الرسمية وفق مناهج معروفة ومقبولة من المجتمع أو ضمن مجتمع صغير مغلق داخل جدران الكنيسة أو الجامع؟ أعتقد أن الجواب واضح.

لكل ماسبق أعتقد أن الحجج التي تساق في العادة لإيقاف التعليم الديني في المدارس الحكومية غير مقنعة وغير منطقية، لكن مع ذلك نجد أن بعض الملحدين يصرون عليها، وهم إذ يجب أن يعتبر الجميع أن لهم الحق والحرية في اتخاذ مذهب الإلحاد، لكنهم بموقفهم هذا إنما يحاولون فرض اعتقادهم على كل المجتمع، باعتبار أنهم يعتقدون أن الأديان ليست سوى خرافات لا ينبغي تعليمها لأولادنا، وهذا الموقف فيه تعدي كبير على حرية الاعتقاد عند الآخرين.

لكن من ناحية ثانية هناك اعتبارات أخرى، فمثلاً الوضع التعليمي الحالي لا يحترم اعتقاد هؤلاء الملحدين، إذ إن التلميذ مضطر للاختيار بين الإسلام والمسيحية، وأكثر من ذلك، التعليم الديني لا يعبر إلا عن عدد قليل جداً من المذاهب ( لكنها أكثر انتشاراً )، فالتعليم الإسلامي يعلم المذهب السني، والتعليم المسيحي يعلم المذهب الأرثوذكسي وإلى درجة ما الكاثوليكي، فماذا عن أبناء عدد كبير جداً المذاهب الأخرى المختلفة أحياناً اختلافات جذرية عن هذين المذهبين؟

لذلك في رأيي الشخصي أعتقد أن الحل الذي يحقق الحرية للجميع ( ولكن قد لا يرضي من لا يحترم حرية الآخرين ) هو أن تكون مادة التعليم الديني المدرسية اختيارية بين ثلاثة احتيارات، التعليم الديني المسيحي، التعليم الديني الإسلامي، ومادة تسمى “أخلاق مدنية” أو ما شابه ذلك، ويكون اختيار التلميذ ( أي أهله ) بينها اختياراً حراً مطلقاً لا يعتمد على الخانة في سجلات النفوس أو تحديد مسبق، وهكذا لا يضطر أحد إلى تعلم مبادئ دين لا يرغب به ولا يفرض أحد اعتقاده على آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *