كيف تخرجت من الجامعة

كان تخرجي من الجامعة قد توقف بسبب مادة وحيدة وكنت قد قدمت امتحانها عدة مرات، والسبب في أنني لم أستطع تجاوزها هو أن الدكتور المسؤول عنها كان لا يعطي علامة النجاح لـ(بعض) الطلاب إلا بعد دفع مبلغ معلوم. طبعاً أنا كنت أدرك ذلك وأفهم رسائل الدكتور لي من مثل وضع نفس العلامة في امتحانات متتالية رغم أن أدائي فيها كان متبايناً جداً، ولكن لم أكن أريد أن يأتي يوم وأرى فيه شهادتي الجامعية وأقول هذه هي الشهادة التي دفعت ثمنها كذا! ولم أكن أريد أن أحمّل أهلي هذا المبلغ الذي لا يتوجب عليهم دفعه ولم أكن قادراً على دفعه من مدخولي الشخصي، ولم أكن أعبأ كثيراً بفشخرة زملائي الذين كانوا يتباهون بأنهم حرابيق وفهموا القصة ودفعوا المعلوم ويغطون على خيبتهم بالتباهي أمام الآخرين بذلك.

المهم وصل الأمر من لسان أحد المعارف إلى رئيس الجامعة، فقال له رئيس الجامعة دع هذا الشاب يمر علي غداً صباحاً الساعة 11 لأرى وضعه.

في اليوم التالي ذهبت على الموعد إلى مكتب رئاسة الجامعة وقلت لهم لدي موعد الساعة 11 مع رئيس الجامعة، طبعاً استغربت مديرة مكتب رئيس الجامعة كلامي وعلى الأرجح لأن رئيس الجامعة ليس من عادته أن يعطي مواعيد في وقت محدد ودقيق! المهم قالت لي أن أنتظر قليلاً، ثم علمت أن رئيس الجامعة قد خرج من الباب الخلفي للمكتب فقال لي موظف إن أردت رؤيته علي أن ألحقه! لحقته وعرفته بنفسي فقال لي كمن يريد التهرب أن أعود وأمر عليه في اليوم التالي، وعلمت بعد ذلك أنه في هذا اليوم تمت إقالة وزير التعليم العالي ولذلك كان لرئيس الجامعة الكثير مما يحتاج للقلق بشأنه.

في اليوم التالي أيضاً عرجت على مكتبه فقيل لي أنه قد ترك لي خبراً بأن أذهب إلى عميد كليتي الذي قد أعلمه بوضعي، وأنا أعلم أن العميد هو شخص محترم جداً وهو الدكتور سليمان خضر المعروف في قسم الفيزياء في كلية العلوم في جامعة تشرين.

ذهبت إلى مكتب العميد فاستقبلني وسألني ما المشكلة، فشرحت له مشكلتي مع المادة، فهي تعطى لنا بدون وجود مرجع محدد، وما يعطينا إياه الدكتور مدرس المادة فيه الكثير من الأخطاء، والأسئلة التي تأتي في الامتحان فيها أخطاء كثيرة والتصحيح فيه ظلم. وأيضاً من خلال قائمة أسماء الطلاب والمواد التي يحملونها الموجودة في لوحة إعلانات الكلية يوجد عدد كبير من أسماء طلاب لا يحملون سوى هذه المادة فقط، مما يدل على وجود خلل فهم طلاب ملتزمون وقد استطاعوا تجاوز امتحانات جميع المواد الأخرى. فسألني سؤالاً مباشراً، مالمطلوب؟ وهنا بعد تفكير قليل قلت له على الأقل أن تتم مراجعة أسئلة الامتحان من قبل دكاترة مختصين آخرين وأن يكون هناك شخص آخر يصحح الأسئلة. وختمت بالقول إني لا أريد أكثر من حقي وحق زملائي.

أتى وقت الامتحان، وعندما استلمت ورقة الأسئلة وجدت سؤالاً بـ 60 علامة من أصل 100 يبدو قابلاً للحل ( بخلاف العادة )، قمت بحله وقدمت الورقة، وعند صدور النتائج كانت علامتي 60! وحصلت على تخرجي من الجامعة. وعندما سألت بطريقة غير مباشرة ما الذي جرى فهمت أنه تم طلب من دكتور آخر المشاركة في وضع أسئلة المادة وفي تصحيحها فأخذت حقي.

طبعاً إذا تكلمنا من ناحية العدالة فإن هذا الدكتور مدرس المادة كان يجب أن يقال وأن يحاسب، ولكن من ناحية أخرى لو توقف الطلاب فعلاً عن دفع المال له وأخذوا الطريق الذي سلكته أنا والذي هو الدراسة والمطالبة بحقهم لما كان بإمكان مثله أن يتمادى في أفعاله.

الغاية من سرد هذه القصة اليوم بعد مرور سنوات عديدة على حدوثها هو تفسير موقفي مما يسمى بالثورة السورية التي أدعوها بالأزمة والمستمرة منذ أكثر من سنتنين، فقد علمتني هذه الحادثة عدة أمور في سعي الإنسان لبحصّل حقوقه. أولها يجب أن يدرك بأنه بالفعل مظلوم، فكثيرون يعيشون في ظلم ولا يدركون ذلك، وألا يساوم على حقه مهما بدا في أعين الآخرين تافهاً، وثانياً أن لا يتردد المرء في المطالبة بحقه بطريقة ملائمة، وثالثاً أن لا ييأس من المطالبة وأن يضغط على السلطة التي يفترض بها أن تعطيه حقه ولا ينتظر ذلك منها وكأنه عطية، ورابعاً أن يحاول أن يتبين وجود العناصر الشريفة في السلطة وأن يستفيد منها قدر الإمكان وهي موجودة دائماً فلا يقوم بتكفيرها بشكل كامل مما يدفعه إلى أفعال غير متوازنة، خامساً أن يحدد مطالب واضحة ومحددة يتفق الجميع على حقه بها وأن يقدم دلائل على حقه هذا، فليس من الممكن مطالبة الآخرين بدعم حقوقنا بدون إيضاحها لهم، وبالتأكيد لا يمكن كسب تأييدهم عن طريق معاداتهم واتهامهم بالظلم والتواني، وأهم شيء ألا يطالب إلا بحقه الذي يفترض أن يكون منسجماً مع حقوق الآخرين العادلة في المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *