حرب أهلية … لاطائفية

في كانون الثاني 1990 كان عمري 13 عاماً، وذهبت برفقة أمي إلى لبنان لزيارة أخوالي المقيمين بمنطقة الأشرفية ( أي ضمن ما كان يعرف ببيروت الشرقية )، وقبل موعد عودتنا بيومين بدأت تسري أحاديث عن بوادر مشاكل وسرعان ما اشتعلت حرب عرفت فيما بعد باسم “حرب الإلغاء” بين الجيش اللبناني المؤيد للجنرال ميشيل عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع.

طبعاً لم تكن عودتنا ممكنة مما اضطرنا للبقاء أسبوع آخر في خضم تلك الحرب، وللعودة استعنا بسيارة إسعاف أخذتنا إلى أحد المشافي، وأذكر فيه مشاهدة عشرات أو ربما مئات الجرحى والمصابين على أسرة ضمن أروقة المشفى، ثم عبور أحد الحواجز إلى بيروت الغربية مشياً معرضين نفسينا لخطر كبير لوجود قناصين على الحواجز، ومن بيروت الغربية كان يمكن بسهولة تأمين سيارة للعودة إلى سورية.

في منطقة إقامة أخوالي لم تكن هناك ملاجئ متوافرة لذلك الحل الوحيد لتفادي القذائف والشظايا كان السكنى والنوم ضمن غرفة داخلية في المنزل ليس لديها نوافذ أو جدران خارجية، وكانت أصوات النيران والقذائق تبدأ كل يوم في الساعة السادسة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً، ثم تتوقف ساعتين وتتابع بعدها حتى الثانية عشرة ليلاً وبشكل متواصل لا يهدأ.

خلال تلك الحرب مات آلاف المدنيين وتدمرت مئات البيوت، وعاينت بشكل واقعي الحرب في أبشع صورها، الصورة التي لم يكن اللبنانيون ينقلونها بشكل صحيح بسبب أنهم اعتادوا عليها ولم يكونوا يقدرون أن يتفهموا كم أنها غير واضحة لمن لم يختبرها على الواقع.

المهم، بعد خمسة عشر سنة شاهدت على التلفاز ميشيل عون وسمير جعجع يصافحان بعضهما دليلاً على المصالحة! لا أستطيع أن أصف شعور القرف الذي انتابني في تلك اللحظة لأنه كان أكبر دليل على عبثية تلك الحرب وعدم اكتراثهما بآلاف الضحايا ومن صاروا ذوي إعاقات دائمة وتدمير البلد.

تلك الحرب لم تكن نتيجة تدخل خارجي بل بسبب اختلاف في الحسابات السياسية، فميشيل عون كان يعتقد ( لسبب ما أو بدون سبب ) أنه كان قادراً على إقامة جمهورية مستقلة في بيروت الشرقية ويكون هو حاكمها المطلق، وسمير جعجع كان يدرك أن سقوط بيروت الشرقية صار محتماً فأراد أن يحجز له كرسياً في النظام السياسي المقبل، ويبدو أن كلاها قد أخطأ الحساب، فميشيل عون صار في المنفى وسمير جعجع في السجن.

تلك الحرب دارت بين قوى توصف بأنها مسيحية، وجميع المقاتلين ومعظم الضحايا كانوا من اللبنانيين المسيحيين دون تمييزٍ في الطوائف، لذلك العبرة التي يمكن أن نستنتجها منها أنه لا داعٍ لوجود الطائفية لقيام حرب أهلية، بل إن الطائفية إن استخدمت فهي فقط وسيلة لكسب مزيد من المقاتلين وبالتالي مزيداً من الموت! الحرب دائماً هي من أجل الصراع على السلطة، دائماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *