الموسيقى، الوعي والإرادة الحرّة

أنطلق في هذه المقالة من دراسة بدأت بها من فترة طويلة جدّاً حول علم الموسيقى وصارت معدة للنشر على شكل كتاب منذ سنتين، وهو لن ينشر قبل فترة كما أخبرني الناشر في آخر اتصال بيننا، إلاّ أن هناك في الكتاب موضوعاً علمياً محدداً أحب الإضاءة عليه هنا ليكون متاحاً للوسط العلمي فيأخذ حقّه من التحليل، كما أنه مرتبط بمواضيع أخرى فلسفية الطابع إلى حد ما تخرج عن نطاق كتابي المعد للنشر، وتحتاج لأن تنشر بشكل مستقل.

أثناء دراستي للموسيقى من وجهة نظر علمية وجدت أن هناك بعض الخصائص التي تميز الموسيقى الرجُلية عن الموسيقى النسوية، وهي خصائص لا نميزهها في العادة في الدراسات الموسيقية المنتشرة كون أن نمط الموسيقى العالمي يعتمد على سلم موسيقي بأبعاد معدّلة ( مثلاً السلّم الغربي أو السلم الموسيقي العربي من 24 جزءاً ) الذي يعطي صورة مشوهة ولو قليلاً عن السلام الموسيقية ذات الأبعاد الصافية. هذا التشويه البسيط يلغي للأسف الفروق الصغيرة بين الأبعاد الموسيقية التي يمكن بواسطتها تمييز سلم عن سلم آخر مشابه، وذلك مثلما إذا نظرت إلى صورتين رقميتين ضعيفتي الدقة لشخصين مختلفين، فقد لا تميز بينهما، وحتى قد لا تميز بين صورة الرجل وصورة المرأة. وقبل أن أعرض النظرية والخصائص التي أعتقد أنها تميّز الموسيقى الرجلية عن الموسيقى النسوية بإيجاز، سأعرض لتجربة قمت بها بهذا الخصوص وهي تجربة بسيطة ويستطيع كثيرون إجراءها بسهولة ونتائجها كانت واضحة جداً.

أجريت التجربة مع عشر شباب وعشرة صبايا، وكانوا كلّهم من مرتلي الكنيسة حيث كانت التجربة في أحد دروس الترتيل الكنسي التي أعطيها وبالتالي كلّهم لديهم معرفة موسيقية وخبرة موسيقية إلى حدٍ ما. بدون أن أشرح لهم السبب من قيامي بذلك قمت بتوجيه إلى كل واحد وواحدة منهم سؤالين، أحدهما جوابه المعروف والصحيح هو “نعم”، والثاني جوابه المعروف هو “لا”، وطلبت منهم أثناء الإجابة ألا يقولوا شيئاً ولا يقوموا بأي إشارة، بل أن يجيبوا عن طريق الهمهمة، أي بالتنغيم بدون كلمات.

النتيجة الواضحة والمفاجئة أن جميع الشباب من أجل التعبير عن الإجابة بـ “نعم” همهموا لحناً بخط لحني صاعد، ومن أجل التعبير عن الإجابة بـ “لا” همهموا لحناً بخط لحني نازل، في المقابل الصبايا قاموا بردة فعل معاكسة تماماً، فمن أجل التعبير عن الإجابة بـ “نعم” همهمنَ لحناً بخط لحني نازل وللتعبير عن الإجابة بـ “لا” همهمنَ لحناً بخط لحني صاعد. لم تشذ عن هذه القاعدة سوى شابة واحدة وهي مشهورة بين أصدقائها بصفاتها وحركاتها الصبيانية.

من هنا نستنتج أولاً أن هناك مقاربة موسيقية مختلفة من قِبَل الذكور والإناث، وبملاحظة أن صوت الذكر يتغير في مرحلة البلوغ نتيجة للهرمونات الذكرية المرتبطة بالنضوج الجسدي الجنسي، ويصبح نتيجة ذلك أخفض بمقدار بعد بالكل ( أوكتاف – سلم ) واحد تقريباً من صوته وهو طفل، فإني أفترض أن هذا الاختلاف بالمقاربة الموسيقية هو بالأصل صفة تطورية للجنس البشري في إحدى مراحل التطوّر مرتبطة بالعلاقة بين الذكر والأنثى، حيث كان يُستخدَم التنغيم الموسيقي للتعبير عن القبول أو الرفض للطرف للآخر من أجل علاقة عاطفية وجنسية، فالتنغيم بخط لحني صاعد من قبل الذكر هو محاولة للتشبه بصوت الأنثى ويدل بالتالي على رغبة وانجذاب نحو الأنثى، بينما الخط اللحني النازل يدل على التراجع عن ذلك، والعكس بالعكس بالنسبة للأنثى.

في الواقع دراسات علماء التطور البشري وإن كانت لم تصل إلى هذه النتيجة ولكنها وصلت لاستنتاجات تشكل دعماً قوياً لهذه الفكرة، فقد وجَدَت أن قدرة الإنسان على إصدار أصوات سبقت قدرته على الكلام بنحو 500000 سنة[1].

وهذا الأمر أوقع العلماء في حيرة، فإذا كانت هذه القدرة غير مرتبطة بميزة اصطفائية تجعل من يملكونها أقدر على التكاثر والإنجاب لما ثبتت بل لكانت مثل الكثير من الطفرات الوراثية الأخرى قد تلاشت بسرعة أو ظهرت بشكل عشوائي. وهذه الصفة قد ظهرت حسب هؤلاء العلماء قبل ظهور الكلام.

ويبدو أيضاً أن هذه الصفة التطورية قد تطورت خطوة للأمام في مرحلة لاحقة، وأعتقد أن هذه الخطوة هي نفسها نشوء الكلام، وصار التنغيم ليس فقط تعبيراً عن الرغبة أو عدم الرغبة بعلاقة عاطفية مع شخص من الجنس الآخر، وإنّما أيضاً أصبحت تستخدم للتعبير عن الرغبة والرفض بشكل عام، كما في مثال التجربة التي ذكرتها أعلاه حيث أن الأسئلة التي وجهتها للشباب والصبايا لم يكن لها أي علاقة بالعلاقة ما بين الجنسين.

ونلاحظ أيضاً في السلوك البشري ما يسمى بالمناغاة Motherese[2]  أي طريقة كلام الأم مع ابنها، وهي أيضاً طريقة تكلم جميع الكبار إجمالاً مع الأطفال الصغار حيث يبالغون بالتنغيم بالكلام، وهذه الطريقة في الكلام مع الصغار موجودة في جميع الثقافات البشرية دون استثناء، وذلك لأنه يبدو أننا نعرف بالغريزة أن الطفل يفهم بالتنغيم قبل أن يفهم بالكلام، وكذلك طريقة كلام الأطفال الصغار نفسها وهم في طور تعلّم الكلام حيث نلاحظ أن الطفل يبالغ بالتنغيم للتعبير وهذا يميزه بوضوح عن طريقة كلام الكبير الأكثر رصانة.

في الواقع نظريتي هذه التي أربط فيها الموسيقى بالعلاقة بين الجنسين في إحدى مراحل التطور البشري، ظهر أنها قادرة على تفسير الكثير من الخواص الموسيقية للألحان، مثل تأثير خفض ورفع الدرجات في السلالم الموسيقية، حيث استطاعت النظرية أن تفسّر لماذا كل سلم موسيقي يعبّر عن مشاعر محددة، أكانت شوق أو حزن أو تعب أو حاجة أو غضب أو حذر أو خوف أو قرف، وبشكل يطابق الخبرة السمعية. وأيضاً استطعت واعتماداً على النتائج المتعلقة برفع وخفض الدرجات أن أجد تفسيراً منطقياً للتأثير العاطفي الناتج عن الاستقرار على كل درجة من درجات السلم الموسيقي، وبشكل يطابق الخبرة السمعية بطريقة ممتازة أيضاً. للأسف الشديد لا يمكنني شرح طريقة الوصول كل هذه الاستنتاجات بالتفصيل هنا أو أن أقيم دليلاً عليها بتجربة يمكن شرحها ببساطة لأن فهم ذلك يحتاج لخبرة موسيقية طويلة في مجال السلالم الموسيقية غير المعدلة خصوصاً، وبالواقع قليلون اليوم في كل العالم من يملكون مثل هذه الخبرة، ولكن قد أوضحت كل شيء بالتفصيل في كتابي المذكور أعلاه.

تبقى هناك إحدى الظواهر المعروفة على نطاق واسع ويمكن أيضاً تفسيرها بناءً على هذه النظرية. هذه الظاهرة هي مبادئ الهارمونية ( تعدد الأصوات ) والتي يمكن تأكيدها من قبل أي شخص مختص في هذا المجال، فقواعد الهارمونية التي تعتمد أساساً على أصواتٍ أربعة معروفة جيدة في الموسيقى الغربية ومبنية على خبرة طويلة جداً، وهي تنص على أن التوزيع الهارموني المثالي يكون بأربعة أصوات تسمى باس، تينور، آلتو، سوبرانو وهي صوت الرجل المنخفض الطبقة ( العريض )، صوت الرجل الحاد الطبقة ( الرفيع )، صوت النساء المنخفض الطبقة، صوت النساء الحاد الطبقة على التوالي، وهذه الأصوات حسب القواعد العامة للهارمونية الغربية يكون فيها صوتا الباص والسوبرانو بمجالين واسعين وبخطين لحنيين متعاكستين في الحركة، بينما صوتا التينور والآلتو يكونان بمجالين أضيق، ويكونان في طبقة قريبة من طبقة السوبرانو بينما صوت الباص يكون بعيداً في طبقة أخفض بأوكتاف ( سلم كامل ).

إذا ربطنا هذه الأصوات الأربعة بالجنسين البشريين بحيث نعتبر أن صوت الباص هو صوت الرجال، صوت التينور هو صوت الأولاد ( الأطفال الذكور )، صوت الآلتو هو صوت البنات ( الأطفال الإناث )، صوت السوبرانو هو صوت النساء، نجد هنا تطابقاً منطقياً جداً، حيث من المعروف أن مجال أصوات الأطفال أضيق من مجال أصوات الكبار وهو أقرب لصوت النساء منه لصوت الرجال، لكن ما يهمنا حقاً هنا هو أن كون صوتي السوبرانو والباص ( النساء والرجال ) يكونان في حركتين متعاكستين إجمالاً، فهذا يناسب أيضاً النظرية التي تحدثت عنها أعلاه، أي أن القبول يعبر عنه من قبل النساء بخط لحني نازل بينما من قبل الرجال بخط لحني صاعد، والعكس بالعكس، وحين يغني النساء والرجال معاً فإن هذا يعني أنهما يعبران عن نفس الموقف ونفس العاطفة ما يستدعي أن تكون حركتا الصوتين متعاكستين.

النظرية تبقى نظرية ولا يمكن برهنتها مطلقاً ( للأسف البعض يخلط بين مفهوم النظرية theorem ومفهوم المبرهنة theory التي تعتمد على نظرية أشمل منها لبرهنتها والسبب هو سوء الترجمة في بعض المراجع الأكاديمية العربية )، والنظرية تزداد “صحتها” أكثر كلما استطاعت أن تفسر ظواهر أكثر، والصحّة هنا ليست بالمفهوم المطلق، بل تعني أن لها تطبيق عملي مفيد، وإذا ظهرت ظاهرة ولو واحدة تناقضها فإنه يجب إعادة النظر بها، وهذا  لا يؤدي هذا إلى استبعاد النظرية بالكامل عادةً بل تصحيح جزء فيها أو إعادة صياغتها بطريقة أدق.

ما أريد التطرق له بالتفصيل في هذه المقالة هو أن هذا الموضوع الموسيقي له إسقاط مهم جداً على الوعي البشري، ذلك أن قدرة الإنسان على إنتاج الموسيقى التي تؤثر في مشاعره المختلفة تعني شيئاً مهماً جداً، “الإنسان قادر على التحكم بمشاعره”، صحيح أن ليس كل الناس قادرين على تأليف الموسيقى ووضع الألحان، ولكن بإمكان كل إنسان بدون استثناء فرض جو ما داخل نفسه مثلما يفعل الملحن بلحنه في الآخرين، وفرض هذا الجو مرتبط مباشرةً بخاصية قدرة الإنسان على التعبير موسيقياً وهي خاصية يملكها جميع البشر، فعلى الأقل نبرة حديث أي شخص تعطي انطباع معين، ومن الممكن أن يكون انطباعاً مزيفاً بهدف التأثير بالآخرين.

وفي ثقافتنا العامة كثيراً ما تعتبر هذه إحدى الصفات التي تميز الإنسان عن الحيوانات الأخرى، بينما الحيوان يتصرف فقط بحسب مشاعره الآنية، مثلاً الجوع يجعل الحيوان يبحث عن الطعام حتماً، والخوف يجعله يهرب، بينما يحدث كثيراً أن يجوع الإنسان مثلاً ولا يأكل ولو كان الطعام متاحاً، ويحدث أن يأكل وهو ليس جائعاً.

يروق لي أن أسمي هذه القدرة على تحكم الإنسان بمشاعره بالـ “الوعي الموسيقي” لتمييزه عن وعي ظهر بتطور لاحق في المسيرة التطورية للبشر، أقصد الوعي المرتبط بالقدرة على الكلام، وذاك النوع من الوعي سنتطرق له لاحقاً في متن هذا المقالة.

إن قدرة الإنسان أن يتخذ قراراً بأن يتحكم بمشاعره التي هي بالأساس الموجه لقرارات الإنسان، تعني أن هنا حلقة يمكن أن تصبح لانهائية ما يجعل التوقع المسبق لسلوك الإنسان أو التحكم به من قبل جهة خارجية أمراً “مستحيلاً” نظرياً، بينما الحيوان يمكن توقع ردات أفعاله بسهولة ويمكن التحكم بها وهذا يسمى الترويض، حيث يتم الاعتماد على ردات فعله المعروفة تجاه أمور مثل الطعام أو العقاب، لجعله يقوم بأفعال ليست من طبعه في العادة.

إن احتمال وجود حلقة لانهائية وعدم القدرة على التوقع بقرار شخص ما ترتبط بمسائل رياضية معروفة ومدروسة بشكل وافي، مثل “مسألة التوقف” Halting Problem و”مسألة التقرير والتوقع” Decision Problem وهي إجمالاً تدرس في مجال الرياضيات الخاصة ببرامج الحاسوب لمعرفة ما إذا كان بالإمكان تحديد أن برنامج حاسوبي من الممكن أن يصل إلى نتيجة أياً كانت وقتاً ما أم لا، وهي ترتبط أيضاً بنظرية رياضية شهيرة ومهمة تسمى “نظرية عدم الكمال” Incompleteness Theories التي برهنها العالم النمساوي غودل Gödel، وذكري لـهذا العالم هنا ليس لأن عمله يرتبط بموضوعنا فحسب بل أيضاً بسبب أن في حياته الشخصية أمر مهم مرتبط بموضوعنا يجدر بنا ذكره، وهو يتعلق بطريقة وفاته المؤثرة، ففي أواخر حياته عانى من مرض عقلي وكان لديه شك دائم بأنه من الممكن أن يتعرض للتسميم، ولذلك لم يكن يقبل أن يتناول سوى الطعام الذي تحضره زوجته، ولكن للأسف اضطُرت زوجته لدخول المستشفى لفترة طويلة للخضوع للعلاج وفي غيابها رفض أن يأكل أي طعام حتى توفي بسبب قلة الغذاء. نجد أيضاً في التراث الرهباني المسيحي قصصاً مشابهة عن رهبان مبتدئين رفضوا تناول الطعام بحجة أنهم لن يذوقوا طعاماً حتى يظهر لهم بطريقة عجائبية ما، حتى وصل بهم الأمر إلى الموت جوعاً.

إن هذا يبادر إلى الذهن فوراً سؤالاً مهما، هل من الممكن تصميم برنامج حاسوبي يتحكّم بنفسه ولا يمكن التوقع بنتائجه؟ في الواقع من ناحية المبدأ طالما أن الإنسان يصمم البرنامج عن مسبق تصوّر، فهو بذلك يحدّد نتيجة البرنامج مسبقاً، وذلك حتى لو استخدم دالات احتمالية عشوائية في نصّ البرنامج، لأن هذه الدالات يمكن توقع نتيجة عملها مسبقاً ولو بصعوبة كونها خاضعة لطريقة خوارزمية “تبدو” بأنها عشوائية. يمكن أن يقول أحدهم بأن البرنامج لا يمكن توقع تصرفاته كونه خاضعاً لطريقة استخدامه من قبل المستخدم النهائي، ولكن هذا يجعله غير قابل للتوقع من قبل مصمم البرنامج فقط، فإذا اجتمع المصمم مع المستخدم فإنه بإمكانهما توقع ردة فعل البرنامج. إنّما هناك فعلاً حالات يكون تصرف البرنامج غير متوقع، مثلاً إذا ارتكب المبرمج خطأ ونشأ نص برمجي غير مقصود، أو إذا استعمل برنامج عشوائي لتوليد نص البرنامج الذي يكتبه، أو كتب بطريقة عشوائية، أو إذا أتاح للمستخدم النهائي ان يغير في البرنامج نفسه أثناء استخدام البرنامج، وهذا ممكن عادةً إذا استُخدمت لغة برمجة “ديناميكية” لكتابة البرنامج، ففي كل هذه الحالات قد تظهر لدينا برامج لا يمكن توقع نتيجة عمل جزء منها، فمثلاً قد تظهر حلقة لا يمكننا معرفة إذا كانت ستتوقف أم لا بعد عدد محدود من الدورات، وحتى لو جربناها مباشرةً فإنه من الممكن ان تدور بدون نهاية ولا نعرف النتيجة إطلاقاً، وهذ سيعطي الانطباع للمستخدم والمبرمج على السواء بأن البرنامج “حر” في تصرفاته!

قدرة الإنسان على التحكم بمشاعره أيضاً تعني أن الإنسان حر بالنسبة للمراقب الخارجي طالما لا يمكن توقع ردة الفعل ولا التحكم بها من قبل شخص آخر، ولكن بالنسبة للشخص نفسه فهي توصل إلى نتيجة بشعة؛ أنه “غير قادر على اتخاذ أي قرار”! وهذا عدم القدرة على اتخاذ قرار هو وضع مخيف، تبحث الطبيعة عن حل له، والحل يمكن أن يكون بالعادات، فتصبح كل تصرفات الإنسان وفق قواعد وقوالب ثابتة عوّد نفسه عليها، أو بالتقاليد والأعراف الاجتماعية التي نجدها في كل مجتمع ( ما يدل بأن هناك حاجة لوجود مثل هذه التقاليد والأعراف )، أو بالبحث عن تعاليم دينية ومرشد ديني ليخبر المرء في كل موقف كيف وماذا عليه أن يفعل، أو يلتجئ إلى المعرفة العلمية، لكن الحل الأخير هو ناقص وغير مجدٍ كون أن المعرفة العلمية نفسها تخبر الشخص بأنها مهما ازدادت تبقى قاصرة وغير قادرة عن الإجابة على كل الأسئلة وتقديم كل الإجابات. هذه الأمور الثلاثة، التقاليد الاجتماعية والتعاليم الدينية والمعرفة العلمية، كلها تحتاج إلى أداة مهمة جداً؛ “الكلام”. لذلك أعتقد أن ظهور الوعي الموسيقي لدى الإنسان ووصوله لمرحلة يبحث فيها عن أساس يبني عليه قراراته هو محفز كبير لتطور لاحق أدى إلى نشوء الكلام لدى الإنسان، وهذا عقلياً وبيولوجياً. بيولوجياً لأن قدرة إصدار الأصوات لأجل التنغيم هي جزء من آلية إصدار الأصوات من أجل الكلام، والتطور العقلي رافق هذا التطور البيولوجي، ولكن التطور البيولوجي لوحده غير كاف للكلام طبعاً، فهناك الكثير من الحيوانات القادرة على إصدار تشكيلة متنوعة من الأصوات يمكن أن تكون أساساً للغة، وبعضها شبيه بصوت الإنسان مثل الببغاء، ولكن ليس للببغاء التطور العقلي الكافي للكلام ذو المعنى بنفس درجة التعقيد الموجودة لدى الإنسان، ولذلك تطور القدرة العقلية للكلام يبدو أنه احتاج إلى محفز قوي، وربما يكون هذا المحفز هو “الوعي الموسيقي” الذي يعني عدم قدرة الإنسان على اتخاذ قرار، وكون هذا المحفز هو في المجال الصوتي، اتخذت لغة الإنسان الشكل الصوتي، بينما نظرياً كان من الممكن أن تأخذ منحى آخر، مثلاً لغة الإشارة، والجدير بالذكر أن لغة الإشارة هي جزء من لغة الإنسان أثناء الكلام سواء في الحضارات البدائية أو حتى في لغات حية ( الفرنسية مثلاً، وإن كنت لا تصدقني انظر إلى أي شخص فرنسي كيف يتكلم ويستخدم يديه في نفس الوقت ).

القدرة على الكلام المعقّد تعني القدرة على الحوار بين الأشخاص وينتح عنها أيضاً القدرة على حوار الشخص مع نفسه، ولكن ليست هي التي تفسر القدرة على التفكير، فالقدرة على التفكير موجودة طبعاً قبل تطور اللغة المحكية، مع أننا إذا راقب كل منا تفكيره سيجد أنه مصاغ بكلمات وعبارات اللغة! ولكن هذا إنما ينتج من أن المرء يراقبه، بتعبير آخر الفكر غير المصاغ بكلمات لا نعرف به لأن المرء لا يحاور نفسه به، وإذا سألت أحداً السؤال “هل أنت تفكر بعض الأفكار بدون أية كلمات”، فالإجابة الصحيحة المناسبة يجب أن تكون ببساطة “لا أعرف ذلك”. لكن معرفتنا بأن للدماغ آلية معقدة من العصبونات، وأن الحيوانات التي لا تتكلم  تعمل أدمغتها بطريقة معقدة  يمكن أن نسميها “تفكير” فهذا يقول لنا بأن هناك الكثير من التفكير من دون “كلمات”، ولكنه تفكير غير واعٍ، فالوعي مرتبط بتحويل الأفكار إلى كلمات، سواء أكان ذلك في حوار مع الآخرين أو في حوار مع الذات، والهدف من الحوار مع الذات في النهاية هو تخزين الأفكار على شكل كلمات يمكن تبادلها في مرحلة لاحقة بحوار مع آخرين.

هذا بالنسبة للكلام، لكننا لم ننه بعد الخيارات الموجودة لجعل الإنسان قادراً على أخذ قرار، فهناك الخيار “الإدماني”، وهو يحوّل الخيار إلى لاخيار ويصبح المرء “مجبراً” عليه، وبالتالي يسلب نفسه حريته بحريته لكنه يصل بفعل ذلك إلى القرار السهل، والإدمان ليس هو فقط الإدمان على أمور حسية خارجية، مثل الإدمان على الكحول أو التبغ، لكنه في الأساس الإدمان على حالات نفسية داخلية، وبالإساس على المشاعر الإيجابية، مثلاً قد يغضب المرء لأي سبب، والغضب هو نفور من أمرٍ ما مع الشعور بالقدرة لتحقيق التخلص من هذا الأمر، ويمكن أو لا يمكن أن يحقق التخلص من هذا الأمر، وعندما يتخلص منه يشعر بشعور جميل ومريح، نسميه شعور “الانتصار”، فيستسيغ المرء هذا الشعور فيصبح يحفز بنفسه وباللاوعي شعور الغضب حتى يعود فيشعر بالانتصار، مع الإشارة إلى أن للإدمان آلية خاصة موجودة داخل الدماغ وهو يختلف كثيراً عن الخبرة العاطفية المجردة، فالخبرة العاطفية لا تكفي لأن تجعل المرء يأخذ قراراً طالما أنه قادر كما وجدنا على التحكم بعاطفته! ونحن بالعرف العام عندما نجد أن شخصاً يتصرف وكأنه مجبر على فعلٍ ما فعندها ندعوه مدمناً، على سبيل المثال سماع الموسيقى المستساغة من قبل شخص ما هو خبرة عاطفية إيجابية، وقرار سماع الموسيقى من عدمه يبدو حراً من قبل المراقب الخارجي إجمالاً، ولكن عندما يتصرف المرء وهو يشعر بأنه “مجبر” على سماع موسيقى معينة فهذا يسمّى إدماناً.

أيضاً هناك الخيار “الديني” إن صح التعبير، ولا أقصد به اتباع مرشد ديني أو اتباع شريعة معينة، بل سماع صوت “الضمير”، ولا يعترف الملحدون غير المتدينين عادةً بوجوده، وحتى الكثير من المتدينين لا يعترفون بوجود هذا الضمير إلا بمعنى سطحي وهو السماع لتعاليم الدين واتباع الحلال والبعد عن الحرام، لكن للضمير معنىً صوفي إن صحّ التعبير، فهو يُعتبر أمر فوق الطبيعة، ويُعرّف بشكل عام بأنه “صوت الله في الإنسان”، فهو اتّصال بين الإنسان والله، وربّما كان أوّل من عرفه بهذا الشكل هو القديس دوروثاوس غزّة ( الذي من غزّة )، في القرن السادس الميلادي.

مع العلم أن الفرق بين المفهومين ليس واضحاً، إذ من التعاليم الدينية نفهم أن هدف الشريعة الحقيقي هو مساعدة المرء على تمييز صوت ضميره وليس الحلول محله، مثلاً يقول السيد المسيح “كن مراضيًا لخصمك سريعًا ما دمت معه في الطريق. لئلا يسلمك الخصم إلى القاضى، ويسلمك القاضى إلى الشرطى فتلقى في السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير.” ( متى 5 : 25 )، ومعنى ذلك بحسب أكثر التفسيرات، بأن على الإنسان أن يسمع صوت ضميره ويتصرف وفقاً له بطريقة صحيحة بدلاً من أن ينتظر وجود قانون أو حُكم أو جهة تجبره على التصرف الصحيح، وأما كثرة التحليل والتحريم بالمقابل وخصوصاً إذا كانت في أحيان كثيرة مخالفة للضمير فمن الممكن أن تؤدي إلى تطرف أقصى لأنها تطغى على الضمير، ولذلك نرى حوادث إرهاب باسم الدين وطاعة الله من الممكن فيها أن يقوم المرء بأفعال قد لا يقبل بها حتى الملحد فيراها “مخالفة للضمير” وإن لم يقل ذلك صراحةً، ومنها ما نسمعه من قصص العمليات الانتحارية التي يذهب ضحيتها الكثير من الأطفال وذلك طاعةً لفتوى رجل دين ما.

الضمير أيضاً قد يقال بالمعنى الاجتماعي أو النفسي، أي بمعنى الخوف من لوم المجتمع لتصرف يعتبر اجتماعياً غير لائق، وهذا أمر مختلف عن المفهوم الديني الصوفي، أو بمعنى الشعور بالمسؤولية الطبيعية الذي نجده في بعض الحالات مثل حالة العلاقة الجنسية أو العادة السريّة لذى الشاب المراهق، فالشاب المراهق عادةً إذا ما مارس العادة السرية فإنه يشعر بذنب ومسؤولية كبيرة، ولهذا تبقى العادة السريّة في العادة سريّة، وسبب هذ الشعور بالمسؤولية باعتقادي هو سبب بيولوجي طبيعي تماماً، فالقذف يعني احتمالية إنجاب طفل، والرجل البشري بطبيعته يُعتَبر مسؤولاً عن تأمين معيشة أولاده، وهذا ليس مجرد ثقافة محلية والدليل أنه موجود في كل المجتمعات، فالشعور بالذنب هنا ما هو إلا شعور بيولوجي طبيعي بالمسؤولية. مع طول الوقت من يمارس هذه العادة، أو يمارس الجنس خارج إطار الزواج، قد يطوّر ذاتياً دفاعاً نفسياً يجعله لا يشعر بالذنب.

الأديان السماوية عادةً تقر بأن الإنسان “حرٌ” ومخيّرٌ وليس مسيّراً ولو من قبل الإله، والحجة التقليدية في ذلك هي أنّ الإله سيحاسب الإنسان في الآخرة بناءً على تصرفاته، وبالتالي وبما أن الله عادل فمن غير الممكن أن يحاسب الإنسان إن لم يكن حراً. الجدير بالملاحظة هنا تعابير “عادل”، “حر”، “محاسبة” ليست محددة بدقة، ويدل استعمالها أصلاً على جود وعي سائد بمفهوم الحرية لدى الإنسان.

إن عدم وجود دافع يجبر الإنسان على القيام بتصرف، أو ما أسميناه عدم قدرة الإنسان على اتخاذ قرار، هو شرط من شروط الحرية التي تتحدث عنها الأديان ولكنه غير كافي، ولذلك الأديان تتحدث أيضاً عن وجود “وسوسة” من قبل الشيطان تدفع المرء نحو تصرفات غير صحيحة، ووجود ضمير بالمقابل ينصح الإنسان بعدم الاستجابة لتحريض الشيطان، وبالتالي الإنسان يصبح أمام تحريضٍ متساوٍ من طرفين، أحد هذين الطرفين قوي وقادر على منع الآخر ولكنه بسبب محبته لا يفرض أمراً إجبارياً على الإنسان ولا يمنع الشيطان بالتالي. إذاً الحرية البشرية لا يمكن تفسيرها كليّاً على أساس فيزيائي ورياضي، بل لا بدّ من الاستعانة بالأساس الروحي، لكن الفيزياء والرياضيات تقول لنا بأن الإنسان ليس مسيّراً، بينما لا نستطيع أن نرى بأنه مخيّر من دون الإيمان الديني.

وفي نفس السياق وطالما أكتب عن الموسيقى والحرية، هناك أمر آخر يقدمه لنا علم الموسيقى، وسأورد الفكرة باختصار طالما لا يمكن الدخول في تفاصيل علم الموسيقى ضمن هذا المقال. موسيقياً وكما وجدتُ شخصياً، العاطفة السلبية تنتج دائماً عن رفع أو خفض بعض درجات السلم الموسيقي الأساسي، والاستقرار على درجة قرار كانت مرفوعة أو مخفوضة في السلم مع إعادتها لوضعها الأصلي يعطينا العاطفة الإيجابية المعاكسة مباشرةً، مثلاً خفض درجة ره على السلم الغربي يعطي السلم الذي نسميه بالعربية “حجاز” وهو يعبر في إحساسه عن الشوق والحنين، بينما الاستقرار على ره بوضعها الأصلي غير المخفض يعطي طابع الحب ( أحد أشكال سلم مينور )، والسبب بدقة أكبر هو أن الذهن يعتبر أن ره كانت مخفوضة وتمت إعادتها إلى وضعيتها الأصلية، فالعاطفة الناتجة عندها هي عكس العاطفة السلبية التي يعطينا إياها خفضها، وهذا كلّه أسرده بالتقريب كوني لن أدخل في التفاصيل ولكنه على الأقل مثال قادر أن يقنع من لهم خبرة في السلم الموسيقي الغربي أو العربي. لكن أحياناً لا يمكننا خفض درجة ره، مثلاً لأن خفض ره ينتج منه النشاز مع وجود درجات أخرى مرفوعة أو مخفّضة من درجات السلم المستعمل، وعندها أيضاً لا يمكن الاستقرار على ره وإعطاء عاطفة الحب، لأنه لا يمكن اعتبار ذهنياً أن ره كانت مخفوضة وتمت إعادتها إلى موضعها عند الاستقرار.

ماذا يفيدنا هذا الكلام؟ يفيدنا في أنه حين لا يمكن التعبير عن عاطفة سلبية ( الشوق مثلاً ) فإنه لا يمكن التعبير عن العاطفة الإيجابية المعاكسة، والعكس أيضاً صحيح، ما يعني أنه إذا وجدت إمكانية نفسية لدى الإنسان للوقوع في عاطفة سلبية ما فهناك إمكانية مماثلة للحصول على العاطفة الإيجابية المعاكسة لهذه العاطفة السلبية.

هذا يدعم فكرة الحرية الدينية من خلال التأكيد بأن الإنسان غير مسيّر، وأنه عند “وسوسة” الشيطان يكون الإنسان أمام خيارين متساويي الإمكانية والاحتمال، لأن وسوسة الشيطان تكون دائماً بإثارة المشاعر السلبية بينما الضمير يدفعنا بالعكس إلى الركون إلى رحمة الله والشعور بالمشاعر الإيجابية بحضرته، مثلاً وسوسة الشيطان حسب المفهوم الديني يمكن أن تحاول ن تجعلنا نرغب بأشياء ثمينة، وبهذا يولّد لدينا عاطفة الحاجة، في الوقت الذي فيه الضمير يدفعنا للركون إلى العاطفة المعاكسة، أي عاطفة الاكتفاء، وما يسمى بالقناعة والشعور بغنى عناية الله.

الشعور بالحاجة ومثلها كل المشاعر السلبية الأخرى يسميها الأدب الرهباني المسيحي “أهواء”، وهي تدفعنا حسب الأدب الرهباني للوقوع في الخطيئة، مثلاً الحاجة من الممكن أن تدفعنا للسرقة، والسرقة تشعرنا وقتها بلذة إشباع شعور الحاجة، وهذا ما يولد في الإنسان إدمان على هذه اللذة كما قلنا سابقاً، فيحفز في نفسه حب المال والشعور بالحاجة له ذاتياً، وعندها هذا الهوى يُعتبر أنه استقر داخل النفس. الرهبان يحاولون من خلال الصلاة المستمرة واتباع الضمير والعبادة بشكل عام بلوغ مرحلة تسمّى “اللاهوى”، حيث تصبح أنفسهم خالية من المشاعر السلبية الإدمانية ولا يبقى منها إلا ما هو ضروري جداً، مثلاً الغضب في حالة قصوى لمنع وقوع ضرر كبير. الهوى غير الخطيئة، فالخطيئة فعل والهوى حالة، ويفرق الأدب الرهباني بوضوح أيضاً بين “غفران الله للخطيئة” وبين “التخلص من الهوى”، الأوّل يحدث بفضل فعل عطية إلهية خاصة، مثل غفران الكاهن لخطايا المعترف في سر الاعتراف أو موهبة دموع التوبة، سواء كانت داخلية لا تظهر للخارج أو أحياناً تكون خارجية ومنظورة أو غير ذلك، والثاني يحدث بفعل النعمة الإلهية في الصلاة والترتيل وممارسة الفضيلة والجهاد الروحي ( التعب الجسدي .. الصوم .. الخ ).

حاول العالم البريطاني روجر بنروز في كتابه الشهير “عقل الامبراطور الجديد” The Emperor’s New Mind أن يقدّم تفسيراً للحرية الشخصية للإنسان بناءً على قوانين الرياضيات والفيزياء، ولكنه باعتقادي فشل في هذا الأمر تماماً ( بالرغم من جمالية وإبداعية طروحاته ) لأنّه لم يكن يعرف بأهمية الموضوع الموسيقي ودوره في الوعي البشري، كما أنّه لم يعرف أن يفرّق جيداً بين ما هو فيزيائي وما هو ميتافيزيقي روحاني في هذا المجال.

فوجود الموسيقى يعني قدرة الإنسان على التحكم الذاتي بمشاعره، وهذا يجعله غير قادر على اتخاذ قرار، وفي نفس الوقت من غير الممكن لشخص آخر أن يتحكم بقراراته، وهذا جزء مهم مما يسمى “الوعي” الذي يكتمل بوجود اللغة المحكية، والعقائد الدينية تزيد على ذلك بالقول بأن الإنسان “حرٌ” في الاختيار، ما بين وسوسة الشيطان أو الأهواء الإدمانية الداخلية وبين الضمير الذي هو صوت الإله داخله.


[1] كيف صرنا بشراً . [ I. تاترسال ] مجلة العلوم – المجلد 18 – العددان 11/12

[2] انظر: الموسيقى والدماغ [ N. واينبكر ] مجلة العلوم – المجلد 10 – العددان 10/11

شارك بتعليقك