أغنية اذكري … جوهرة متري المر وجبران خليل جبران المجهولة

أول مرة سمعت فيها هذه الأغنية كانت بصوت المطربة المعروفة ميادة بسيليس حيث صدرت في أحد ألبوماتها المسجلة من توزيع سمير كويفاتي وقد كتب على غلاف الكاسيت ( كلمات أبيفانيوس زايد، ألحان متري المر ).

لقد شدتني هذه الأغنية منذ أن سمعتها لأول مرة إذ فيها شيء من الحنين المميز ( الذي يعود إلى الاستخدام المبدع لمقام الحجاز ) لكن ما لم أعرفه وقتها هو أن النسخة التي كنت أسمعها كانت نسخة مشوهة من جميع الأوجه، فلا هي بالحقيقة من كلمات المطران أبيفانيوس زايد كما كتب على الكاسيت هذا ناهيك عن وجود إضافات كثيرة وأخطاء في النص، ولا اللحن الذي غنت فيه ميادة بسيليس كان اللحن الأصلي الذي وضعه متري المر بل مستوحى منه على أحسن تقدير ولا التوزيع أو الأداء حافظ على روح وجوهر الأغنية.

حمل المقالة على شكل ملف pdf

من نبهنا إلى ذلك كان المرحوم الأستاذ جبرائيل سعادة وذلك في حفلة تكريمية لمتري المر أقيمت في اللاذقية في 11 حزيران 1993 حيث وضع مقطعاً من الأغنية بصوت السيدة ظريف المر ابنة الراحل متري المر سحر جميع الحاضرين، فإن كانت النسخة المشوهة جميلة فكيف ستكون بالحري النسخة الأصلية.

استمع لجزء من الأغنية بصوت السيدة ظريف المر

كذلك قام جبرائيل سعادة بتسجيل هذه الأغنية مرتين ( على الأقل ) خلال الأمسيات الموسيقية التي كان يجريها أسبوعياً في منزله وذلك بصوت المطرب جورج خوري وقد حصلت على تسجيلين مختلفين بصوت جورج خوري. في الحقيقة إن كان الهدف من هذه التسجيلات هو حفظ الأغنية من الضياع فقد فشلت المهمة تماماً وذلك لأن جورج خوري كان يسترسل في التطريب لدرجة يختفي معها اللحن الأصلي تقريباً وكل تسجيل بل كل مقطع في كل تسجيل يظهر مختلفاً لحنياً عن الآخر، لكن ما نجح فيه هذان التسجيلان هو حفظ كلمات الأغنية حيث يحتوي أحدهما على ثلاث مقاطع شعرية يبدأ كل منها بكلمة “اذكري” وحسب ما ينقل فإن هذه القاطع الثلاث تشكل كامل الأغنية فيكون هذا هو التسجيل الوحيد الكامل للأغنية. وهذه كلمات الأغنية بعد مقارنة التسجيلين بصوت جورج خوري مع التسجيل بصوت ظريف المر:

اذكري أيّامَ كنّا في سمرْ
وإذا هزّتْ أفانينَ الشّجرْ
أجملُ الأيّامِ أيّامُ الصّغرْ

اذكري تلك السّنينَ الغابرةْ
كنتِ ما جاوزتِ بعدُ العاشرةْ
شأننا شأنُ ظباءٍ نافرةْ

اذكري ما شئتِ فالذّكرى إذا
لا تقولي ذلك العهدُ مضى
إنّما الحبُّ كبرقٍ في الدّجى

نختبي كي لا يرانا القمرُ
نسماتٌ أفزعتنا الشّجرُ
آهِ لو كان يعودُ الصّغرُ

لم تزلْ محفوظةً في خاطري
وأنا دونَ ربيعي العاشرِ
يتبعُ الواحدُ خطوَ الآخرِ

فصلَ البعدُ حبيبينِ تطيبْ
ربّما يجمعنا يومٌ قريبْ
ليس يبدو مرّةً إلاّ يغيبْ

حول كلمات الأغنية

لم يصلنا شيء عن مؤلف كلمات هذه الأغنية ولم يذكر جبرائيل سعادة اسم المؤلف في محاضرته في الحفلة التكريمية المذكورة ( التي طبعت أيضاً في منشور صدر عن مطرانية اللاذقية للروم الأرثوذكس )، لكن … هذه الكلمات المبدعة لا يمكن أن تكون إلا لشاعر مبدع ومميز وبالتالي يصبح مجال البحث ضيقاً جداً وكما يقال “هل يخفى القمر”.

بالصدفة أثناء قراءتي لشعر جبران خليل جبران وجدت هذا المقطع في قصيدة اسمها “بالأمس” وهي تتألف من مقطع من ثلاثة أبيات يليه مقطع من بيتين وهكذا على التوالي وهذا المقطع الأول:

كان لي بالأمسِ قلبٌ فقضى
ذاك عهدٌ منْ حياتي قد مضى
إنّما الحبّ كنجمٍ في الفضا

وأراح النّاس منه واستراحْ
بين تشبيبٍ وشكوى ونواحْ
نورُه يُمحى بأنوارِ الصّباحْ

الوزن والتقسيم الشعري مطابق هنا لأغنية “اذكري” وبمقارنة المقطع السابق مع المقطع الأخير من الأغنية نجد تشابهاً مدهشاً، في “اذكري” لا يحافظ الشاعر على قافية الشطر الأول في المقطع الثالث لكنه استعمل نفس الكلمة في نهاية الشطر الأول من البيت الثاني “مضى” والبيت الأخير مشابه جداً في الصورة ومطابق في المعنى. هذا يضعنا حقيقةً أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن كاتب “اذكري” تأثر بجبران وكتب قصيدته تقليداً لقصيدة جبران، أو أن جبران خليل جبران نفسه هو كاتب قصيدة اذكري.

أنا أميل كثيراً إلى الخيار الثاني وذلك لأن التقليد لا يمكن أن يكون بهذه الجودة ومثل هذه القصيدة لا يمكن أن تكون نابعة إلا من قلب مؤجج وفم صادق، ومن ناحية ثانية إن الأسلوب شبيه بأسلوب جبران بشكل عام وكذلك الأفكار لا تبدو غريبة أبداً عن أدب جبران، لكن الغريب أن هذه القصيدة لم ترد في المجموعة الكاملة لجبران ولا حتى في طبعة لأعمال غير مذكورة في المجموعة الكاملة. قد يكون جبران أعطى القصيدة لمتري المر شخصياً ولم يحتفظ بنسخة أخرى ( ولد متري المر عام 1880 وتوفي عام 1969. ولد جبران عام 1883 وتوفي عام 1931 في نيويورك ) إذ قد زار متري المر الولايات المتحدة ونيويورك بالتحديد مكان إقامة جبران عام 1930 أي قبل وفاة جبران بسنة وكانت زيارته ذات وقع كبير على الجالية السورية واللبنانية في الولايات المتحدة، من المعقول جداً أن يكون الملحن المشهور قد التقى بالكاتب المفوه ابن بلده وأن يكون الكاتب قد أعطاه قصيدة ليلحنها، وبهذا قد تكون قصيدة اذكري آخر قصيدة كتبها جبران باللغة العربية.

الكلمات بسيطة وصادقة وشاعرية تشملها فكرة واحدة هي ذكرى الصغر وهنالك تشبيه جميل جداً في البيت الثالث من المقطع الثاني وفكرة معبرة، فالظباء النافرة تتبع بعضها البعض وليس لها أي هدف محدد.

العاطفة هي الشوق والحنين، ليست القصيدة تشاؤمية مثلما هو أكثر شعر جبران بل في البيت قبل الأخير نجد نفحة من الأمل لكن يعود الشاعر ليختم بنبرة تشاؤمية.

اللحن

كما ذكرت آنفاً استطعت الحصول على ثلاث تسجيلات لأغنية اذكري، اثنان بصوت المطرب جورج خوري والثالث بصوت السيدة ظريف المر ابنة متري المر المقيمة في اللاذقية وقد حصلت عليه من المهندس نبيه حداد ابن ظريف المر ( وهو التسجيل الموجود في الرابط أعلاه ). التطريب الكثير في أداء جورج خوري يجعل من التسجيل بصوت ظريف المر أقرب إلى الأصل، مع ملاحظة أن غناء السيدة ظريف هنا مسترسل إلى حد ما وغير منضبط تماماً في الإيقاع مع وجود بعض الأخطاء في النحو ( التشكيل ).

الإيقاع هو ثنائي بسيط بينما ميادة بسيليس قامت بتأدية الأغنية بإيقاع سداسي (3\2).

المقام هو الحجاز، حجاز الراست أو الدوكاه حيث يعمل اللحن على كامل مجال اللحن بالتساوي تقريباً مما يجعل حجاز النوى مستبعداً.

اللحن نفسه يتكرر على المقاطع الثلاث.

التعبير العاطفي في اللحن مطابق للكلمات فالحجاز هو لحن الشوق والحنين وذروة اللحن في كل مقطع تقع في الشطر الثاني من البيت الثاني وهو المكان الصحيح طبعاً مع رفع الدرجة السادسة في السلم عند صعود الخط اللحني كما هو التقليد المتبع في الموسيقى البيزنطية ( رفع زو ) وهذا يعطي تشديداً وزخماً في المكان المناسب ( عند كلمة “أفزعتنا” و”يجمعنا” ) ويعبر اللحن في حركته تماماً عن معنى الكلمات بل إنه يتخطاها أحياناً ويعطيها أبعاداً جديدة كما في التشديد على كلمة “القمر” حيث يظهر أن المعنى هو “لا يرانا حتى القمر” وقد لا يدرك من يقرأ الكلمات هذا المعنى بدون الاستماع للحن.

هذه الأغنية حقاً كالجوهرة … صغيرة في حجمها لكنها عظيمة في قيمتها الفنية.

6 تعليقات على “أغنية اذكري … جوهرة متري المر وجبران خليل جبران المجهولة”

  1. وائل عبيد أضاف بتاريخ

    شكرا أخ رامي على هذا الموضوع الجميل … الأغنية حركت مشاعر الحب البريء… أيام الصغر …

  2. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    تعليقاً على ما ورد في هذه التدوينة أشار لي الشاعر سمير طحان بأنه عثر على ما يؤكد نسبة كلمات قصيدة “اذكري” للمطران أبيفانيوس زايد من عدة مصادر أهمها مخطوطة بيد وتوقيع المطران أبيفانيوس، وهذا بالنسبة لي يؤكد الفرضية الأولى، وهي أنها ليست من كتابة جبران ولكن من كتابة أبيفانيوس زايد الواضح تأثره بجبران في هذه القصيدة.

  3. جورج ديب أضاف بتاريخ

    بعد التحية
    بعد الاطلاع على ما قدمته عن الموسيقى وأهم المرتلين، وبعد سماع “أذكري” بصوت ظريف المر، السؤال الذي يخطر بالبال: هل لديك مخطط لبحث حول المساهمات النسوية في مسيرة الموسيقى الكنسية ؟
    أرجو ذلك.
    مع فائق التقدير

  4. رامي فيتالي أضاف بتاريخ

    للأسف ليس لدي تصور عن الموضوع ولو أنه موضوع مهم ويستحق الدراسة فعلاً

  5. ربيع أضاف بتاريخ

    تحياتي أستاذ .. هل لديك نسخة من الأغنية بصوت ميادة بسيليس ؟ لقد بحثت عنها طويلا لكن يبدو أنها اندثرت

  6. Sarmad halabi أضاف بتاريخ

    هي من اجمل ما سمعت فادا كان لديكم تسجيل بنوعية مقبولة الرجاء ارسال الرابطاو التسجيل
    شكرا

شارك بتعليقك