أتى المسيح فلماذا لم يحل السلام على الأرض؟

المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة” تعتبر العبارة التي قالتها الملائكة للرعاة لتبشرهم بخبر ميلاد المسيح، وهي تستعمل كثيراً في الصلوات والخدم الكنسية المسيحية، لكن بالحقيقة لم يحل السلام على الأرض منذ مجيء المسيح وحتى اليوم، وكثير من الناس في معظم أوقات حياتهم لا يشعرون بالمسرة حقيقة. فهل هي عبارة على المسيحيين حفظها وترديدها مع علمهم اليقين بأنها غير صحيحة أم ماذا؟ سأترك لنهاية مقالي مناقشة هذه العبارة التي تبدو خارج سياق الواقع بل خارج سياق النص الإنجيلي وتعاليم المسيحية بشكل عام.

النص الإنجيلي الذي يورد هذه العبارة لا يقول لنا أن السلام حل على الأرض بمجيء المسيح، بل على العكس تماماً، فهيرودس ملك اليهود بعد أن سمع من المجوس كلامهم عن ميلاد المسيح ملك اليهود الحقيقي ولم يعرف منهم أين هو ومن هو بالظبط، أمر بقتل كل طفل في منطقة بيت لحم من عمر سنتين وأقل، والتقليد يخبرنا بأن عدد الأطفال المقتولين بلغ حوالي 14 ألفاً! والمسيح نفسه تم تهريبه إلى مصر بمرافقة أمه ويوسف النجار.

فأي سلامٍ هذا الذي يقتل كل الأطفال من عمر سنتين فأقل؟ وإذا تابعنا القراءة في سيرة المسيح سنجد أنه تعرض لاضطهادات كثيرة ومن ثم للجلد والتعذيب والصلب حتى الموت، فأي سلامٍ هذا؟

المسيح نفسه لم يعد بالسلام على الأرض، بل على العكس تماماً تنبأ بحروب وبأخبار حروب وبالموت والتشريد وناس تقتل بعضها بسبب الإيمان والاعتقاد أنها تنفذ وصايا الله، وأخ يقوم على أخيه وأب على ابنه وبأبناء يقومون على والديهم ويقتلونهم، فالسؤال يصبح إذاً ما نفع مجيء المسيح وما نفع المسيحية كلّها إن لم تساعد على وجود السلام على الأرض؟

يجيب المسيح نفسه على هذا الكلام بقوله “جئت لألقي نارا على الأرض، فماذا أريد لو اضطرمت؟ ولي صبغة أصطبغها، وكيف أنحصر حتى تكمل؟ أتظنون أني جئت لأعطي سلاماً على الأرض؟ كلا، أقول لكم: بل انقساماً، لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين: ثلاثة على اثنين، واثنان على ثلاثة.” ( لوقا 12 : 49 – 52 ) وفي مكان آخر بعبارة أكثر صدماً “لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً” ( متى 10 : 34 ).

المسيح جاء ليلقي ناراً، جاء بالحضور الإلهي إنساناً بين الناس، وهي نار ستهز أركان الأرض، لا يمكن أن يحدث ذلك ببساطة دون ضجة، بالطبع ليس قول المسيح دعوة إلى نشر المسيحية بالسيف، فحسب الكتاب المقدس نفسه الذي يورد قول المسيح يقول لنا أن المسيح في مسيرة حياته لم يستعمل السيف أو العنف أو القوة بل على العكس احتمل الجلد والصلب حتى الموت، إلا في حالة واحدة حين استعمل السياط في طرد التجار اللصوص من الهيكل، والتلاميذ من بعده بشروا العالم كله بدون سيف أو عصا بل بالعكس عُذِّبوا وجُلِدوا واضطُهِدوا واستشهد أكثرهم في نهاية المطاف، لكنها طبيعة الحقيقة التي لا يمكن أن توجد بصمت، فمجيء المسيحية أدى بشكل غير مباشر إلى الكثير من الاضطهادات والحروب والقتل والموت وكان المسيحيون المؤمنون من أكثر ضحاياها، وليست المسيحية فقط بل كذلك كل الأديان وأيضاً الإيديولوجيات غير الدينية والأمثلة التاريخية ليست قليلة، كلها أدى وجودها إلى عدد من الأزمات والحروب عبر التاريخ.

 إذاً المسيحية لا تبشر بالسلام؟ بلى، والعبارات التي وردت في الكتاب المقدس وتعاليم المسيح كثيرة، فقد دعي السيد المسيح “رئيس السلام” (أش9: 6).  وقد قال لنا “سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم.. لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع” ( يوحنا 14 :  27 )، وقال “أي بيت دخلتموه، فقولوا سلام لأهل هذا البيت” ( لوقا 10 : 6 ).  وذُكر السلام كأحد ثمار الروح في القلب. فقيل “ثمر الروح: محبة فرح سلام” ( غلاطية 5 : 22 ).  وفى مقدمة عظة السيد المسيح على الجبل “طوبي لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون” ( متى 5 : 9 ). كما ورد في الإنجيل أيضًا “أطلب إليكم.. أن تسلكوا كما يليق بالدعوة التي دعيتم لها، بكل تواضع القلب والوداعة وطول الأناة، محتملين بعضكم بعضًا بالمحبة، مسرعين إلى حفظ وحدانية الروح برباط السلام. ولكي تكونوا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا” ( أفسس 4 : 1 – 4 ). ودعا السيد المسيح إلى السلام، حتى مع الأعداء والمقاومين، فقال “لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن، فحول له الآخر أيضًا. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضًا. ومن سخرك ميلًا، فاذهب معه اثنين، ومن سألك فأعطه” ( متى 5 : 39 – 42 ).

فأي سلامٍ هذا الذي بشرنا به؟ يكون من النفاق والكذب على الذات أن نعتبر أن السلام الحقيقي هو فقط في توقف الحروب والقتل وما ماثلها من أمور، فكم من بلد مسالم يعيش فيه أشخاص كثيرون في حرب مستمرة، أكان مع أصدقائهم وأقاربهم وحتى أفراد عائلاتهم، أو زملائهم في العمل في تحزب وتآمر أو شعور دائم بوجود تآمر عليهم، أو حتى قد يكون الشخص جالساً بينه وبين نفسه فيتذكر بشكل دائم الإساءات التي يعتقد أنه قد تعرض لها ويشعر بالغضب ويتوعد في سره ويخطط للانتقام ..الخ، كل ذلك كيف يمكن أن ندعوه سلاماً؟ بينما نجد حتى في أوقات الحرب أشخاصاً تفيض أقوالهم وأفعالهم سلاماً، ولولا أنه معشش في قلوبهم لما ظهر في أقوالهم وفي أفعالهم، وهؤلاء يطبَّق عليهم قول المسيح “طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعَوْن“.

المسيح قال “تعلموا مني فإني وديع ومتواضع القلب فتجدوا الرحة لنفوسكم” ( متى 11 : 29 ) هذا وعد به المسيح صراحةً، وبذلك هو مسؤول عن وعده، هذا هو السلام الذي تعد به المسيحية، السلام الداخلي النابع من قوة المسيح داخل نفوس المؤمنين الودعاء ومتواضعي القلب، وهو الوحيد الذي يمكن أن نقول عنه أن سلام بالمعنى الصحيح للكلمة، سوى ذلك لا يكون سوى مصطلح إعلامي لا يعبر بالضرورة عن حقيقة.

أعود إلى العبارة التي ذكرتها في بدء المقالة “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة“، أي سلام على الأرض وأي مسرة؟ يؤسفني أن أقول أن هذه العبارة ترجمتها خاطئة ببساطة، والنص الأساسي ( باليونانية ) هو “المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام للحائزين رضاه” ( لوقا 2 : 13 ) وهكذا جاءت في الترجمة المشتركة بالعربية “المجد لله في العلى، وفي الأرض السلام للحائزين رضاه” وفي ترجمة الآباء اليسوعيين الكاثوليكية “المجد لله في العلى والسّلام في الأرض للنّاس أهل رضاه“.

المسيحية بالنهاية ليست أماً تطبطب على ظهر طفلها وتقول له “لا تقلق عزيزي فكل الأمور ستكون على ما يرام“، بل إلهاً متجسداً يعطي قوة السلام للودعاء والمتواضعي القلب فيكونون أقوياء وصامدين في الأحداث والحروب مهما كبرت وتعاظمت.

5 تعليقات على “أتى المسيح فلماذا لم يحل السلام على الأرض؟”

  1. Rawad أضاف بتاريخ

    كلام صحيح رامي, يعطيك العافية وميلاد مجيد.

  2. Maria أضاف بتاريخ

    نتمنى السلام للعالم أجمع

  3. روزي أضاف بتاريخ

    الرب يباركك موضوع جميل

  4. Iyad Jabbour أضاف بتاريخ

    ممتاز اخ رامي لا بل واكثر

  5. أحمد الحاج إبراهيم أضاف بتاريخ

    مشكلة القراءة العمودية للنص الديني لا تجعلنا نرى تناقضات فيها .. إذا أقصينا جانباً مسألة أن عقلية التقديس لا تقبل حضور هكذا تناقضات طبعاً! يجب القيام بقراءة أفقية للنص الديني، سيما للأناجيل الأربعة وللعهد القديم وللقرآن كي نكتشف هذه التناقضات والتي قد يكون لها أكثر من تفسير، أحدها تعدُّد الكتبة وهناك ملاحظة عامة بكل الكتب الدينية أنها كُتِبَتْ بعد موت المؤسس بزمن يقصر أو يطول!

    لم تنتشر المسيحية بكلام المسيح عن السلام بل بحروب قسطنطين! وكذا جرى مع الإسلام!

    دخلت إلى هنا بالصدفة وتحياتي لك ولألفريد والجميع!

شارك بتعليقك