أنت محاسب، إذاً أنت تعرف بالتأكيد ماذا تعني “أصول” (Assets) أليس كذلك؟

أحياناً ما يتم تعلمه لفترة طويلة يترسخ في الذهن لدرجة أنه يعتبر من قبل المتعلم بديهية لا تحتاج لفهم أو لتفسير، لكن ما هو غير مفهوم يبقى غير مفهوم. مصطلح “الأصول” (Assets) (ليس الأصول الثابتة) في المحاسبة والإدارة المالية أرى أنه أحد تلك الأمور، فمن النادر بل ربما من المستحيل أن تسأل محاسباً إذا كان يعرف ماذا يعني هذا المصطلح ويجيبك بأنه لا يعلم، لكن إذا طلبت منه شرحاً فهنا يبدأ التناقض والغرائبية بالظهور، وهذا يتجلى أيضاً في الكتب المرجعية المختصة بأمور المحاسبة والمالية.

إذاً ما هي “الأصول“؟ إذا كنت تعتقد أنك تعرف الجواب حاول أن تصيغه بدقة ثم تابع القراءة.

الأصول“حسب بعض المراجع (وقسم الأكبر من المحاسبين) هي “ما هو بحوزة الشركة” أو “الموجودات“، ولو أردنا أن نأخذ هذا التعريف بدقة فهذا يعني أن الديون المستحقة لصالح الشركة والتي هي بيد أطراف أخرى ليست من الأصول، ولكن هذا غير صحيح فهي تعتبر محاسبياً جزءاً أساسياً منها. طبعاً سيجيب بعض المحاسبين هنا أن تلك الديون من الممكن تحصيلها بسهولة نسبياً مما يعني أنه يمكن اعتبارها عملياً جزءاً من الموجودات أو مما هو بحوزة الشركة عملياً، لكن هنا يطرح السؤال بالمقابل حول الديون المستحقة للغير (الديون المدينة) والموجودة في الواقع بيد الشركة، أفلا يجب أن تعتبر بحوزة الغير طالما يمكن للغير تحصيلها من الشركة بسهولة؟ وهل من الممكن اعتبارها نفسها جزءاً من أصول الشركة وأيضاً جزءاً من أصول جهة أخرى بنفس الوقت؟ طبعاً الجواب يجب أن يكون بالنفي.

التعريف الآخر للأصول والذي نجده في مراجع أخرى هو “ملكية الشركة“، فإذا كانت الديون المستحقة للشركة على الغير هي من ملكية الشركة طبعاً، ماذا مثلاً عن الأموال التي تستدينها الشركة من جهات أخرى؟ هي تعتبر من ضمن الأصول، فهل يمكن اعتبارها من ملكية الشركة ومن ملكية الجهة الدائنة في نفس الوقت؟ طبعاً الجواب هو النفي.

في الواقع الأصول كما تعتبر اليوم في المحاسبة هي جمع لشيئين مختلفين ومستقلين وهما الديون المستحقة لصالح الشركة على الغير، وأيضاً الموجودات الفعلية لدى الشركة والتي تشمل الأموال الجاهزة كالحسابات المصرفية الجارية والممتلكات العقارية والأثاث والبضاعة الموجودة فعلاً في المستودعات ..الخ. هذين الشيئين لا يجمعها شيء واحد يفرقهما في نفس الوقت عن بقية أصناف الحسابات، فلا هما يمثلان الموجودات أو ما بحوزة الشركة باعتبار أن الديون المستحقة للشركة ليست فعلاً بحوزة الشركة، ولا هما يمثلان ملكية الشركة باعتبار أن جزء من الموجودات قد يكون ديوناً مستحقة للغير فهي إذاً من ملكية ذلك الغير.

هذه المشكلة ظهرت معي حين بدأت بتصميم برنامج كومبيوتري للمحاسبة، وكان الهدف الأساسي من عملية التحليل هو إيجاد برنامج يستطيع أي شخص عادي غير مختص في المحاسبة التعامل معه، ولهذا كان لا بد من وضع مصطلحات مفهومة وبدهية. سرعان ما اكتشفت أن أساليب المحاسبة التقليدية والمصطلحات المستخدمة فيها لا تخدم هذا الهدف، وهذه مشكلة كبيرة لأن التعقيد وعدم الوضوح يؤثر ليس فقط على تعامل غير المختص في الشؤون المحاسبية بل أيضاً على المختصين، ويؤدي للوقوع في الكثير من الأخطاء عن قصد أو عن غير قصد. مثلاً اليوم هنالك الكثير من الأرقام الاقتصادية التي تعتبر مقياساً لأداء الشركة تعتمد على ما يسمى “المركز المالي” سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. حيث المركز المالي هو نفس قيمة الأصول. المشكلة أن أية شركة تستطيع بالتعاون مع شركة ثانية أن ترفع أصولها وبالتالي مركزها المالي بالمقدار الذي تريده بدون أية التزامات حقيقية، إذ يكفي أن تستدين الشركة الأولى من الشركة الثانية مبلغاً كبيراً فيزيد في أصولها (لأن أرصدة الشركة الأولى البنكية تزداد والديون المستحقة للشركة الثانية لا تخصم من أصول الشركة الأولى)، وتقوم في نفس الوقت بإدانة الشركة الثانية نفس المبلغ الكبير فلا يخصم من أصولها (أرصدتها البنكية تقل ولكن الديون المستحقة للشركة الأولى على الثانية تزداد بقيمة القرض وبالتالي تبقى ضمن خانة الأصول)، هذا يعني إمكانية التحايل بكل سهولة على أية جهة غير خبيرة بالتحليل المالي والإدارة المالية.

هناك مقدار آخر وربما كان المفهوم الذي يفهم بدهياً من مصطلح “أصول” أعتقد أنه يجب أن يحل محله، وهو “قيمة الشركة“، وبالتحديد “القيمة الدفترية للشركة” (Book Value) حيث قد يختلف عن “القيمة السوقية” أو “القيمة التقديرية“. “القيمة الدفترية للشركة” مفهوم بسيط وواضح لأي شخص حتى لو كان غير مطلع على قواعد وأصول المحاسبة، ومحاسبياً يتم حسابه بدقة بجمع قيمة الموجودات الفعلية مع الديون المستحقة لصالح الشركة وطرح قيمة الديون المستحقة على الشركة لصالح الغير، وهذا أمر لا يحتاج لتفسير، وهو يعني “ملكية الشركة” فما هو للشركة هو للشركة حتى لو كان مؤقتاً بيد الغير وما هو ليس للشركة فهو ليس للشركة حتى لو كان مؤقتاً بيد الشركة.

من الجميل أن نراقب ماذا يحدث حين نقوم بتبسيط مصطلح وجعله أكثر بدهية، حيث في الغالب يتم بالترافق مع ذلك وبشكل تلقائي، تبسيط الكثير من المصطلحات الأخرى والمعادلات وجعلها أكثر بدهية في نفس المجال.

مثلاً هناك المعادلة المحاسبية الشهيرة:

الأصول = الخصوم + الأرباح والخسائر

بتحليل الأصول والخصوم حسب تعريفيهما المحاسبيين الرياضيين الحاليين نجد أن:

الديون الدائنة + الموجودات الفعلية = حقوق أصحاب المشروع + الديون المدينة + الأرباح والخسائر(في الفترة المحاسبية الراهنة)

بنقل الديون المدينة إلى الطرف الأول نجد:

الديون المدينة + الموجودات الفعلية – الديون المدينة = حقوق أصحاب المشروع + الأرباح والخسائر(في الفترة المحاسبية الراهنة)

وبالتالي:

قيمة الشركة = حقوق أصحاب الشركة + الأرباح والخسائر(في الفترة المحاسبية الراهنة)

عند انتهاء الفترة المحاسبية الراهنة تنقل الأرباح والخسائر إلى حساب الأرباح السابقة والتي تعتبر جزءاً من حقوق أصحاب المشروع طبعاً، وعندئذٍ يكون:

قيمة الشركة = حقوق أصحاب الشركة

لا أعتقد أن المعادلة السابقة تحتاج لتفسير، فهي بدهية جداً جداً وكل شخص يتعاطى الأمور المالية بدون أن تكون لديه أية خلفية في دراسة المحاسبة سيعتبرها كذلك.

هناك أمور كثيرة أخيرة تصبح أكثر بساطة ووضوحاً وترتيباً نتيجة استخدام مصطلح القيمة الدفترية بديلاً عن مصطلح الأصول الغامض، ربما إن تسنى لي الوقت سأنشرها في تدوينة أخرى، وربما أجمع كل ما أريد كتابته عن هذا الموضوع ضمن كتاب واحد.

نحن هنا إذن لا نقوم بتغيير أية قاعدة من قواعد المحاسبة، فقط نقوم بالتأكيد على فائدة استخدام مقدار ومصطلح بدل آخر، قد يبدو هذا الأمر غير ذي أهمية ولكنه بالحقيقة مهم بل مهم جداً، ذلك أن المحاسبة بحد ذاتها لا تقتصر على عملية تسجيل العمليات المالية، بل هي تعني تسجيلها بطريقة مرتبة يمكن بناءً عليها استخلاص التقارير والأرقام الاقتصادية والمالية لخدمة عملية أخذ القرار المالي، أي خدمة الإدارة المالية، وهذا يتطلب أساساً استخدام مصطلحات واضحة غير مضللة، سواء للمحاسب أو للمدير المالي أو للطرف الذي تقدم التقارير والأرقام له، أي المستثمرين والبنوك ودائرة الضرائب والرأي العام.

شارك بتعليقك