هل ستستولي الروبوتات في المستقبل القريب على وظائف البشر؟

سؤال يطرح بقوة في الآونة الأخيرة، معظم الأحيان تعبيراً عن قلق وتخوف، وفي أحيان قليلة تعبيراً عن أمل بأن الإنسان في المستقبل المنظور لن يعود بحاجة للعمل، وسيقضي جل وقته في التسلية أو عمل ما يحلو له فحسب. بغض النظر عن الرغبة أو عدم الرغبة في حلول الروبوتات محل البشر في القيام بمعظم الأعمال، سأحاول أن أناقش الموضوع معتمداً بشكل أساسي على خبرة عملي في مجال برمجة الكومبيوتر.

لنلاحظ أولاً أن موضوع دخول المكننة والأتمتة Automation مجالات العمل المختلفة ليس موضوعاً مستجداً على الإطلاق، بل صار قديماً وتداعياته تمكن ملاحظتها ودراستها على أرض الواقع. إلا أن التطور الكبير والمتسارع في برمجة الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي الذاتي، بالإضافة لربط برامج التحكم الآلي الذكية بالآلات المختلفة مباشرة، يطرح السؤال بشكل مستجد وبقوة، فمثلاً السيارات ذاتية القيادة كانت تعد حلماً صعب التحقيق قبل عقد من الزمن، أما اليوم فإنها صارت في حكم الواقع.

إذا دخلت في نقاش مع أحد المدافعين عن فكرة إمكانية حلول الروبوت محل العامل البشري، سيبدو لك لأول وهلة أن لديه الجواب لكل محاولة نقض لوجهة نظره. فإن سألته من سيصنع الروبوت فإن جوابه الجاهز هو روبوت آخر، وإن سألته من سيصمم الروبوت فإن جوابه أيضاً هو روبوت آخر. فالذكاء الاصطناعي وإمكانية التعلم الذاتي برأيه قادران على جعل الروبوت يبتكر ويصمم روبوتات لأغراض مختلفة تلغي أي حاجة للعمل البشري، بدءاً من وضع تصاميم روبوتات جديدة إلى البحث عن المواد الأولية واستخراجها إلى القيام بعملية التصنيع حتى وضع المنتج في خدمة البشر في النهاية. وإذا كلمته عن الإبداع فجوابه سيكون بأن الكومبيوتر اليوم قادر على تأليف مقطوعات موسيقية لا يمكن تمييزها عن تلك التي وضعها موسيقيون بشريون، وأن تحليل الأبحاث العلمية وافتراض التجارب والقيام بها واستقراء نتائجها يجب أن تكون وفق منهجية دقيقة قد تكون الروبوتات حتى أكثر أمانةً في الالتزام بها من الكثير من العلماء البشر.

برأيي الشخصي هذه الردود مبالغ فيها بشكل هائل، وسأدرج حججي الداعمة لوجهة نظري أدناه.

أولا موضوع الإبداع، فمفهوم الإبداع البشري أعمق بكثير من القول أنه مجرد تعلّم ذاتي أو أية خوارزمية معروفة للذكاء الاصطناعي، بل هناك من يحاجج بقوة بل يقدم ما يعتبِر أنه براهين على أن الإبداع البشري لا يمكن لأي خوارزمية مهما تعقدت أن تجاريه، منهم مثلاً روجر بروز في كتابه الهام The Emperor’s New Mind. وصحيح أنه من الممكن برمجة الكومبيوتر لينتج ألحاناً جديدة تبدو مثل الألحان التي يستطيع الموسيقيون تأليفها، لكن هذا لم يكن يوماً مقياساً لفن تأليف الموسيقى، فكل عازف أو مغني تقريباً يستطيع أن يؤلف ألحاناً جديدة، ولكن هذا لن يجعل منه بالضرورة مؤلفاً موسيقياً مبدعاً، بل المؤلفون الموسيقيون المعتبرون مبدعين عبر التاريخ، هم من قدموا آفاقاً جديدة غير متوقعة ومختلفة عن كل ما هو معروف أو سائد. الذكاء الاصطناعي تقوم فكرته على اختيار الخيار الأفضل من بين عدة خيارات، ولكن في العالم الفعلي هناك عدد كبير جداً جداً من الخيارات يمكن للعلماء والفنانين والمصممين اختيارها، عدد لا يمكن معه أرشفتها كلّها وتحويلها لبيانات رقمية لجعل عقل الروبوت (الكومبيوتر) يختار بينها، لا بناءً على التقنيات الحالية ولا المتخيلة.

هل يمكن أن يقدر الكومبيوتر يوماً على مجاراة الإبداع البشري؟ ربما، وأقول ربّما ليس فقط لأن التقنية الحالية غير قادرة على مجاراة العقل البشري في إبداعه، بل أكثر من ذلك لأن العلم الحالي لا يستطيع الإجابة بعد على السؤال فيما إذا كان تطور الكومبيوتر سيمكّنه يوماً ما من ذلك.

ثانياً، الإنسان هو الأقدر على فهم ما يريده الإنسان. وهذا موضوع ليس مستقلاً تماماً عن موضوع الإبداع. مثلاً هل يستطيع الكومبيوتر أن يحكم فيما إذا كانت فكرة منتج جديد ستلقى الرغبة والانتشار؟ هل كان بمقدوره مهما كان متطوراً ومعقداً أن يحكم فيما إذا كانت شاشة الموبايل التي تعمل على اللمس ستكون أكثر شعبية من الشاشة المرفقة بلوحة مفاتيح؟ طبعاً أقصد قبل أن تنزل للأسواق ويصبح من الممكن دراسة إقبال المستهلك عليها.

المطّلع على تاريخ فن الرّسم يعلم أنه سبق وتعرض لهزة قوية، وذلك عند اختراع التصوير الضوئي، خصوصاً التصوير الملوّن. صحيح أنّ الاتجاهات الرمزية والتجريدية كانت موجودة في فن الرسم من زمن طويل، ولكن لاخلاف في أن مهمة فنّ الرسم الأساسية قبل انتشار التصوير الضوئي كانت تصوير الواقع. مهمة صارت الآلة تؤديها بجودة أعلى من كل الرسّامين. لكن هذا لم يقلل من ممارسة فن الرّسم إطلاقاً إنّما أدى لتشجيع ظهور اتجاهات جديدة فيه، مثل المدرسة الانطباعية والتكعيبية وغيرها. كيف يمكن لكومبيوتر أن يرسم الانطباع البشري أثناء رؤية منظر طبيعي ما؟ لا يستطيع العلم بوضعه الراهن الإجابة على هذا السؤال.

أيضاً هناك الكثير من الخدمات التي يبدو أننا نفضّل تلقيها من البشر بدل الآلة، مثل خدمة الزبائن أو التعليم وغيرها. فمع أن الأتمتة صارت قادرة على القيام بهذه المهام بشكل كامل، لكن مازال الكثير من الناس يفضّلون الخدمة البشرية. فاللطف أو التحفيز وغيرها من أشكال التواصل البشري العاطفية الطابع، لا مفعول لها إذا صدرت عن آلة.

ثالثاً، المنافسة والناحية الاقتصادية، وهي أيضاً ناحية غير مستقلّة تماماً عن سابقتيها.

لنأخذ مثالاً برمجة الكومبيوتر. مثلما هو مطروح بالنسبة للروبوتات، بالتقنيات الموجودة حالياً، تستطيع برامج الكومبيوتر أن تقوم بتطوير برامج أخرى. إذاً، لماذا لا يستغل المبرمجون هذه الفكرة ويعتمدون على أدوات برمجية جاهزة لتطوير البرامج؟ في الواقع المبرمجون يقومون بذلك دائماً وإعداد برامج جزئية يمكن الاعتماد عليها لاحقاً لتطوير برامج أخرى طالما كان جزء لا يتجزأ من عمل أي مبرمج، بالإضافة لبيع وشراء وتبادل هذه البرامج الجزئية بين المبرمجين على شكل حزم مجموعة معاً، وأيضاً يتوافر عدد كبير من الأدوات البرمجية المساعدة الآخذة بالتطور بشكل متسارع وتوجد كميات كبيرة من المصادر البرمجية المفتوحة التي تمكن الاستفادة منها بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن مع كل تلك الأمور يأخذ إعداد تطبيق برمجي كامل قابل للتسويق مدة تبلغ عدة سنوات في حال قام بتطويره مبرمج واحد، وعدة أشهر إن قام بتطويره فريق من المبرمجين، وهذه الأرقام لا تقل عما كانت عليه في فترة بداية انتشار الحواسيب الشخصية، بل في أغلب الأحيان تزيد عنها. فما السبب؟

ببساطة مع تطور الأدوات صارت هناك إمكانية لصنع برامج أكثر جودة بكثير وتضمين ميزات أكبر فيها، فإن قمت بصنع تطبيق بسيط يقوم بنفس المهام التي كانت تقوم بها الأجيال السابقة من التطبيقات البرمجية، فإنك لن تتمكن من بيع أي نسخة من تطبيقك، لأن غيرك سيصنع منتجاً منافساً أفضل. كما أنك مضطر لتقديم أفكار مبدعة جديدة وإدخال الأتمتة بمجالات جديدة لتستطيع المنافسة وهذا يعيدنا لفكرة الإبداع. فمثلاً تطبيق برمجي بسيط يعمل على الموبايل ويقوم بمهام تقليدية مثل إحضار بيانات محدثة من الإنترنت تتعلق بالطقس أو البورصة ويعرض المعلومات بطريقة جذابة، يمكن إنشاؤه مبدئياً خلال يوم عمل واحد بالاستعانة بأدوات مصممة للمساعدة في تطوير البرامج، وما يقوم به المبرمج قد لا يزيد عن تحديد عدد من الخيارات وكتابة ماذا على البرنامج أن يقوم به من مهام، ولكن برنامج كهذا لن تكون له أي فرصة للتسويق الفعلي.

تطور التقنية ودخول الأتمتة تؤدي بالتأكيد إلى ظهور منتجات وخدمات أكثر جودة بكلفة إنتاج أقل، ولكن هذا لن يؤدي إلى حاجة أقل للعامل البشري في الإنتاج، بل إلى إتاحة أكبر للمنتجات الجيدة للمستهلك. لو نظرنا إلى فن الرسم في السنين الأخيرة نلاحظ انتشار غريب للفن الواقعي، الذي يحاول فيه الرسام البشري منافسة الصور الضوئية في جودة مقاربة الواقع. هذا برأيي يعود لعدة أسباب، أولها أن الصور الضوئية ساعدت الرسامين على معرفة كيفية مقاربة الواقع بالألوان، وهذا أمر صعب لأن دماغنا البشري لا يخبرنا بالمعلومات الضوئية الواصلة إلى عيوننا بل يخبرنا ماذا نرى من أشياء بعد تحليل الإشارات الضوئية باللاوعي، وثانيها أن الرسام البشري مهما كان واقعياً يبقى في إنتاجه لمسة شخصية خاصة تعكس موهبته، وثالثها أن لوحة واقعية مرسومة باليد تستطيع الحصول على سعر مرتفع جداً مقارنة بصورة ضوئية مماثلة، بسبب ندرتها وتأثير الإدهاش الذي تسببه للزبون المتلقي.

فهل إذاً لا يوجد تخوف من حلول الروبوتات محل الإنسان العامل وفقدان الناس لوظائفهم؟ بل يوجد تخوف كبير في حال لم تأخذ السياسات التعليمية والإنمائية هذه المسألة بعين الاعتبار، فحتى لو كان الروبوت لن يلغي دور العامل البشري، إلا أنه من المؤكد أن الوظائف التي تتطلب عملاً روتينياً، سواء كان مكتبياً أم عضلياً، سيقل الطلب عليها بشكل كبير، في الوقت الذي سيزداد فيه الطلب على الأعمال إبداعية الطابع. لذلك من الهام جداً والعاجل جداً تطور الأنظمة التعليمية بحيث تحفز التفكير الخلاق والمبدع، فالإبداع ليس موهبة خاصة محصورة بناس قلائل بل نتيجة مباشرة لأسلوب التعليم وفحواه، وهذا غير متوافر بالشكل الكافي حتى في الدول المعتبرة متقدمة اليوم.

شارك بتعليقك