ربِّ ابنك وإلا الزمن سيربيك

   “لا تربِّ ابنك الزمن يربيه” أحد الأمثال المتداولة في مجتمعنا، ولكن للأسف علمتني الخبرة أن هذا المثل ليس من فئة الأمثال الصحيحة والمفيدة، بل ينتمي مع عدد لا بأس به من الأمثال الأخرى إلى فئة الأمثال الخاطئة والمدمرة. أقول ذلك لأني أصادف في عملي وفي حياتي اليومية أشخاص لم يتربوا على أيدي والديهم لأسباب قد لا أكون أعرفها، ولذلك ترى رجلاً في عمر النضج كما يفترض، ولكنه يمتلك العادات السيئة التي تراها عند الأطفال عديمي التربية وضعيفي الوعي، الكلام البذيء وغير الموزون، عدم معرفة إجراء نقاش والوصول إلى نتيجة مفيدة منه، الجهل، عدم معرفة تدبير الأمور اليومية ولا المالية والاعتماد بشكل شبه كامل على أساليب السلبطة والاحتيال ما ينعكس خسارةً وضرراً مباشراً على الشخص نفسه، وكل أشكال العادات السيئة، ولم نتحدث عن البعد الأخلاقي لأن غير النظيف من الخارج من المستحيل أن يكون نظيفاً من الداخل. هذا لم يربه أهله فالزمن لن يربيه.

   لكن ليس كل ولد يعيش مع والديه في عائلة سليمة ومتماسكة ويحصل على اهتمام وتعليم جيد يعني أنه يحصل على تربية صحيحة، فللأسف الكثير من الأهل لا يعرفون الفرق بين التربية الحقيقية، أي تعليم الولد العادات الجيدة المفيدة له ولمن حوله وجعله يترك العادات السيئة، وبين تفريغ غضبهم وهمومهم وعقد النقص التي قد يعانون منها من خلال علاقتهم مع أولادهم.

   لنعط مثلاً على ذلك أن ابناً طلب من أبيه أن يشتري له غرضاً ثميناً لا حاجة له به، والأب غير قادر على شرائه، رد الفعل الخاطئ والذي يرتكبه الكثير من الآباء هو أن يغضب الأب ويصيح بابنه ويقول له أنه غير قادر على تأمين ثمن الغرض المطلوب، هذا تفريغ للغضب وتعبير عن قلة الإيمان، والنتيجة أن الابن سينزعج وغالباً سيحاول اللجوء لطرق أخرى للحصول على ما يريده، الخداع أو الابتزاز العاطفي أو السرقة أو اللجوء للغريب، وكلها أمور تؤدي لتعلم العادات المدمّرة، أما رد الفعل الصحيح هو أن يتكلم الأب مع ابنه ويشرح له أنه لا يحتاج لهذا الغرض وأنه لا يجب صرف النقود على الأمور التي لا يحتاجها حتى يبقى مال ليصرفه على الحاجات المفيدة، وربّما يحاول أن يعرض على ابنه شيء آخر أكثر إفادة وتكلفته أقل. في نفس السياق، ماذا لو طلب الابن أمراً لم يكن بمقدور الأب تأمينه مالياً و الابن بحاجة له بالفعل، مثلاً لباس لائق أو أداة لعب مفيدة يقضي بها وقته بدل أن يقضيه في أمور غير ذات فائدة. عندها يمكن للأب أن يعبر عن محبته لابنه وسعيه لتحقيق رغبته واعتماده على الرب في تحقيق ما يحتاجون إليه، مذكراً بقول الرب “اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه وهذا كله (الحاجات الأساسية) تزاد لكم” (متى 6 :33). لكن الخطأ الأكثر وقوعاً هو عندما يكون الأب قادراً على تأمين الغرض الذي يطلبه ابنه في الوقت الذي لا يحتاج له الابن بالفعل، فبدل أن يسارع لتلبية طلب ابنه من الأفضل أن يقول له ثمن هذا الغرض سندخره من أجل تعليمك مثلاً أو لشراء شيء نحتاجه جميعاً في المنزل، أو نقدم مقابل ثمنه غرضاً لشخص يحتاج لأمر ضروري، ويا لها من فائدة عظيمة تتحقق من هذا الكلام، طبعاً بشرط أساسي أن يكون الكلام حقيقياً، وألا يرى الابن أبيه يبذر ماله في أمور ضارة أو غير ذات فائدة، وألا يميز الأب بين أبنائه في تحقيق رغباتهم.

   في كل ما سبق قدوة الأهل هي الأساس، فالأهل غير النزيهين أو غير المؤمنين (بمعنى الثقة بعناية الرب) أو الأنانيين من الصعب أن يقوموا بالتصرف المناسب في أية حالة من الحالات السابقة.

   هذا مثال ويمكن أن نورد الكثير من الأمثلة الأخرى على أن التربية والنصح والكلام المناسب ورد الفعل المناسب ضروريون، وأن ردات الفعل التي هي تفريغ للغضب وقلة الإيمان تدمّر بدل أن تبني. وبالتأكيد لن يتربى الولد من سماعه لجملة واحدة، ولن ينصاع بسهولة، وتحتاج التربية لصبر وجهد ومثابرة، ومستوى الكلام يجب أن يتناسب مع عمر الولد، ولكن الحقيقة الثابتة والتي لا يمكن الخلاف حولها هي أن كل الأولاد قابلون للتربية ويتجاوبون مع النصح والمنطق مع الصبر والتعب.

   يقول البعض أن النصح والإرشاد لا فائدة منه، المهم هو فقط القدوة ومراقبة الأولاد لتصرفات أهاليهم التي يقلدونها بشكل تلقائي. القدوة طبعاً مهمة، ولكن على أرض الواقع هذا الكلام فيه شيء من المبالغة، فالأولاد ليسوا متواجدين دائماً مع الأهل ولا يعرفون ماذا أو كيف يتصرف الأهل دائماً، كما أنهم معرضين لتقليد ما يشاهدونه على التلفاز وفي المدرسة وفي الشارع، ويميز الولد الفعل الصحيح من الخاطئ بوعيه، لذلك تجب مخاطبة وعيه بكلام منطقي، وهو غالباً مستعد لتفهمه وقبوله لكن يحتاج لمن يقوله له، وهو مستعد لقبوله عندما يصدر من أهله أكثر مما لو صدر من أشخاص آخرين أياً كانوا.

   يكثر الكلام في كتب التربية الموجهة للأهل عن طرق العقوبة المثالية، وفيما إذا كان من المسموح أو غير المسموح استعمال الضرب أحياناً ..الخ، ولكن كل تلك تفاصيل تأتي في المرتبة الثانية أهمية، ما يهم أن تكون ردة الفعل موجهة لمصلحة الابن وتربيته وليس تفريغ عن الغضب والأهواء الأخرى إذا كانت موجودة لدى الأهل، والأولاد يميزون بوضوح بين الحالتين.

   الناحية الدينية ضرورية جداً، وأنا أعلم أن الكثير من أصدقائي غير المؤمنين سيخالفوني بالرأي، ولكن من خلال مناقشات مع أشخاص ملحدين يعملون في الشأن العام، سواء أكانوا من خلفية ثقافية إسلامية أم مسيحية، وجدت أنهم يرون العامل الديني مهم في التربية وله نتائج إيجابية. من غير الناحية الدينية من الصعب، بل من المستحيل، توجيه الأطفال نحو الفعل الصحيح دون عواقب، فإن قلت لابنك لا يجوز ان تسرق أو تفعل شيئاً خاطئاً خوفاً من العقوبة أو نظرة الناس فإنك تربي كذاباً معتمداً على المظاهر، لا شيء يمنعه من القيام بأي شيء في حال وثق أن لا أحد يعرف بما يفعله، أو قلت له أنه يجب أن يحافظ على مكانة اجتماعية وحب الناس له، فإنك تربي شخصاً ضعيفاً غير واثق من نفسه خاضع لتأثير الآخرين على حياته، أو قلت له له أن الخطأ هو ما يؤثر على مستقبله ويمنعه من النجاح وتحقيق المناصب والأرباح، فإنك تربي شخصاً وصولياً أنانياً بعيداً عن مشاعر الإنسانية.

   للأسف ليس كل تعليم أو تربية دينية مفيدة، فهناك من يمارس التعليم الديني وسيلةً لتعليم الحرام والحلال في أمور هامشية وشخصية لا علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالأخلاق، أو لتعليم الطائفية واعتبار الآخرين خطأة أو كفرة تجب معاداتهم، وكل هذه الأمور تبرر طبعاً تخوف الملحدين من التعليم الديني ونتائجه، ولكن ليس هذا ما أقصده بالتوجيه المعتمد على الدين.

   التوجيه المعتمد على الدين له ثلاث درجات، الأولى تنبيه من الأخطاء الكبرى وأنها تؤدي لعقوبة من الرب، مثل السرقة، القتل، الزنى، الغش وغيرها، وأنّه تجب معاملة الآخرين كما نحب أن يتعاملوا معنا، والثانية هي الحث على فعل الخير والرحمة والتعامل بلطف لأنها تجلب رحمة الرب وبركته، والثالثة هي وضع الابن في علاقة شخصية بينه وبين ربه بتشجيعه على الصلاة وقراءة الكتب المقدسة ذات التعاليم السامية، وفي هذه المرحلة يكون الأهل قد سلموا أولادهم للرب.

   قد يتطرف البعض هنا في القول أن مجرد أن يكون الأهل مؤمنين ويصلون لأجل أبنائهم فالأولاد سيكونون صالحين إلزامياً، وأنا أتساءل هنا ما هو دليل الإيمان أكثر من أن يربي الأهل أبناءهم تربية صالحة ويتعبوا في ذلك، فكما على الأهل مسؤولية في إطعام وإلباس أبنائهم والاهتمام بصحتهم الجسدية والنفسية وتعليمهم، عليهم المسؤولية الأكبر والأكثر أهمية في تربيتهم تربية صالحة، وهي تتطلب تعب وصبر وتحمل، وقوة وشجاعة أيضاً، لأن ضعيف الشخصية لن ينجح في تربية أبنائه كذلك. إدارة البيت بهذه الناحية مثل إدارة خارج البيت، أي كما أن الإنسان المؤمن يعتبر رزقه على الله، ولكن هذا لا يعفيه من التعب والعمل البناء، كذلك يسلم أولاده لله بالصلاة ولكن هذا لا يعفيه من مسؤولية التعب في التربية.

   يقول بولس الرسول ضمن رسالته الموجهة إلى أهل أفسس “وانتم أيها الآباء، لا تغيظوا أولادكم، بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره” (اف 6 : 4)، أسلوب بولس الرسول يعتمد عادة على صياغة الفكرة بكلمات قليلة جداً ولكن تحمل الكثير من المعاني، وهذه العبارة ليست استثناء فهي تشمل كل الأفكار التي ذكرتها في هذه التدوينة بل أكثر.

   نتائج التربية يحصدها الأهل مباشرةً في أغلب الأحيان، فعدا عن أن الأهل يدفعون الثمن حسب العرف الاجتماعي إن تسبب أولادهم بأذية أو سرقة، كذلك ما يتربى عليه الأولاد سيطبقونه مع أهاليهم، فإن علّمت ابنك على الكذب للتخلص من المواقف الصعب سيكذب معك، وإن علمته على أخذ ما يريد بالقوة وبالغصب سيعاملك بقسوة وربما يضربك حتى، وتذكر أنك في يوم من الأيام ستصبح أنت في مكانة الابن وأولادك يصيرون آباءك، أقصد عندما يتقدم بك العمر وتصير بحاجة لاهتمام من الآخرين، فعندها كما عاملت ابنك سيعاملك ابنك، ليس انتقاماً بل لأن هذا ما تربى عليه وما تعلّمه على أنّه الفعل الصحيح، فإن كنت تقسو عليه سيكون قد تربى على أن صاحب القوة يحق له القسوة على من هو أضعف منه، وإن لم تكن تفرغ وقتاً له وللاستماع له حين كان صغيراً فلن يجلس معك عندما تكبر لا لسبب غير أنه غير معتاد على إجراء أحاديث بينك وبينه وهذا شيء مؤلم حقاً.

   سيبدو لمن يعرفوني أني أنظّر هنا، فأنا غير متزوج وليس لدي أولاد، ولكن بالحقيقة لدي خبرة ليست هينة في تربية الأولاد كوني أخذت على عاتقي لفترة تأهيل مجموعة من الأولاد الجانحين -بكل معنى الكلمة- والذين كانوا يعانون من التشرد ومشاكل نفسية وعائلية صعبة نتيجة الحرب في سورية، وبنعمة الرب نجحت في إعادتهم إلى بيوتهم وأسرهم وإبعادهم عن طريق الجنوح والانحراف، دون أن أدعي أي فضل لي، ولكن تكونت لدي هذه الخبرة وأحببت مشاركتها معكم.

شارك بتعليقك