يا يسوع … اغسل رجلَي

– تخيل لو كان عندك مصباح مثل مصباح علاء الدين، عندما تريد يظهر لك المارد ليحقق لك جميع طلباتك؟

– لدي بالفعل هذا (مشيراً إلى أيقونة يسوع المسيح) الذي يحقق لنا كل ما نحتاجه حتى أحياناً قبل أن نسأله.

– كيف تقول ذلك عن الرب، هل هو الذي يخدمنا أم نحن الذين في خدمته؟

– حسناً دعني أحكي لك هذه القصة، يحدثنا االانجيل (بشارة يوحنا 13 : 3 – 17) عن أن يسوع كان يتعشى مع تلاميذه للمرة الأخيرة قبل صلبه وقيامته، وأثناء العشاء قام وخلع ثوبه وأخذ منشفة ووضعها على خصره ثم بدأ بغسل أرجل تلاميذه آخذاً دور الخادم، ماذا سيكون شعورك لو جاء شخص تكن له الاحترام الكبير وهمّ بغسل قدميك?

– سأشعر بالإحراج طبعاً وأرفض.

– هذا تماماً ما حدث مع بطرس حين جاء دوره وهم يسوع بغسل قدميه، قال له بطرس “يا سيد أنت تغسل رجلي!” فقال له يسوع “لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنك ستفهم فيما بعد“. قال له بطرس “لن تغسل رجلي أبداً“. يسوع أجل الإجابة على تساؤل بطرس، فالكثير من الأمور لم يفهمها تلاميذه إلا بعد العنصرة حين حل الروح القدس عليهم وانطلقوا للبشارة. ولكن يسوع قال له بكلام حازم “إن كنت لا أغسلك فليس لك معي أي نصيب!

– يقصد، إن لم أطهرك أنا لن تطهر.

– تماماً، وفي العمق، إن لم نقبل بتواضع الرب وخدمته لنا، لن نحصل على الخلاص أبداً، وتواضع الرب يظهر لنا في تجسده وفعله الخلاصي وقبوله الشتم والإهانة والصلب حتى الموت لأجل خدمتنا وتخليصنا من الخطيئة.

  حينئذ بفعل الحماسة والغيرة قال بطرس ليسوع “يا سيد ليس رجلي فقط بل أيضاً يدي ورأسي“، كان لدى اليهود عادة كما المسلمون اليوم وغيرهم بالتطهر بالماء قبل الصلاة، ويبدو أن بطرس وجد في فعل يسوع الذي يغسل قدميه فعلا تطهيريا مثل الوضوء، فقال له يسوع “الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله“.

– لم أفهم، ماذا قصد يسوع عندما قال “الذي قد اغتسل“؟

– لننتبه هنا قليلاً إلى أسلوب يوحنا الانجيلي في كتابته لبشارته، فقد كتبها بعد أن صارت بعض الممارسات المسيحية، وخصوصاً سري المناولة والمعمودية معروفة للجميع وممارستها شائعة، لذلك يختص يوحنا الانجيلي بذكر حوارات يسوع الدائرة حول هذين السرين خصوصاً، كما في حديثه مع نيقوديمس (يوحنا 3: 1 – 21) أو في قوله “جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق” (يوحنا 6 : 55) وغيرها، لذلك على الأغلب ذكر يوحنا لكلمة يسوع هذه لأنه فهم منها أن المقصود بها هو سر المعمودية، وكلام يسوع هنا هو جواب مباشر عمن يتساءل عن سبب عدم وجود عادات الوضوء بالماء في المسيحية. فمن اعتمد، وهو فعل لا يعاد مع الشخص نفسه أكثر من مرة، قد تطهر كله ولا حاجة له لفعل تطهيري آخر كالوضوء قبل الصلاة أو أي عمل روحي آخر.

– لكن ومع ذلك يفهم من كلام يسوع أنه يحتاج لغسل رجليه، فماذا يعني غسل الرجلين هنا؟

– مثلاً من بدأ يومه بالاغتسال وخرج ليقضي شؤونه فإن رجليه عاجلاً أم آجلاً ستتسخان، خصوصاً في طريقة الحياة أيام حياة يسوع على الأرض، حيث كانت تلبس الصنادل، والطرقات ترابية، ولذلك كان أول فعل يقوم به المرء حين يدخل إلى بيت ليتكئ أن يغسل قدميه، أما غسلتَ قدميك اليوم حين عدت للبيت مساءاً؟

– نعم طبعاً.

– وهكذا حياتنا المسيحية تكون، ففي طريق حياتنا سنخطئ لا ريب فتتسخ نفوسنا بفعل خطايانا، وعندها لا بد من التطهر، ليس عن طريق المعمودية بعد التي هي مثل الولادة الجديدة لا تعاد مرة ثانية لأن المرء لا يولد أكثر من مرة واحدة، بل عن طريق سر الاعتراف.

– أنت إذاً تقول أن سر التوبة والاعتراف هو مثل غسل يسوع لأقدامنا؟

– أجل، فبالاعتراف ننال المسامحة من الرب، فما هو فعل المسامحة إلا تواضع من يسامح أمام من ارتكب الخطأ، ولا تشبيه أبلغ عن التواضع والمحبة الكبيرة من أن يقوم المرء بالانسحاق وغسل رجلي الآخر. فأن نعترف بخطايانا بسر الاعتراف ليس هو فعل عظيم منا، بل تقبل لتواضع الرب وتضحيته لأجلنا واستعداده لمسامحتنا مهما فعلنا من خطايا. يقول يوحنا الانجيلي الذي قص علينا حادثة غسل يسوع لأقدام تلاميذه في موضع آخر “في هذه هي المحبة، ليس أننا نحن أحببنا الله بل أنه هو أحبنا و أرسل ابنه كفارة لخطايانا.” (رسالة يوحنا اللاهوتي الأولى 4 : 10)

  بعد أن غسل يسوع أرجلهم وأخذ ثيابه وعاد فاتكأ مع تلاميذه، قال لهم “أتفهمون ما قد صنعت بكم، أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك، فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً“. فعل يسوع لم يكن لنعجب بعمله ونصفق له، بل لنقوم خجلاً بغسل أقدام بعضنا كما فعل وهو سيد الخليقة كلها، فهو قام بكامل فعل المحبة ويجدر بنا نحن على الأقل كما نقول بالعامية “نحس على دمنا” فنصير مثله متواضعين ومحبين بعد أن تذوقنا تواضعه ومحبته، ونكون مستعدين للانسحاق وخدمة بعضنا البعض “بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لاجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة” (يوحنا الأولى 3 : 16)

شارك بتعليقك