نظرية المحاسبة، هل تستحق منا إعادة النظر؟

اليوم ارتكبت ما قد يعتبره البعض خطيئة مميتة لا غفران لها، فيما أنا راض تماما عما عملته، وهو أني تكلمت أمام مجموعة من المختصين والعاملين بالمحاسبة قائلا بأن المحاسبة يجب تعليمها في المدارس ومن المرحلة الإعدادية! ويمكن تخيل ما قد يسببه طرح هذه الفكرة من انزعاج كردة فعل أولية.
 
في ما قلته لا أقصد المحاسبة بشكلها الحالي ومصطلحاتها المنفرة، بل بعد إعادة صياغتها (دون تغيير جوهري) لتستعمل المصطلحات والمفاهيم التي يألفها معظم الناس ويعرفون مدلولاتها الواضحة، وفي الواقع هذا هو الجانب النظري لعملي المهني في تطوير برامج كومبيوتر محاسبية والذي لي فيه أكثر من ثماني سنوات، أقصد إعادة صياغة المحاسبة لتكون أقرب للبداهة البشرية.

 
إن أحد أهداف أي بحث علمي نظري هو صياغة مصطلحات العلم بمفاهيم قريبة من البداهة البشرية (الهدفين الآخرين هما وضع صياغة بسيطة وشاملة، وأن تكون النتائج العملية بعد تطبيق هذه الصياغة مطابقة للواقع) وهذا ما يقوم به العلماء النظريون في كافة المجالات الفكرية من حيث يعلمون أو لا يعلمون أحيانا، فكيف إذا بمجال علمي مخصص لوصف النشاط البشري البحت كالمحاسبة.
 
أول ما خطر لي الموضوع حين كنا مشاركين كشركة برمجية في معرض للكومبيوتر بدمشق، حيث جاء أحد الأشخاص إلى الصالة التي تعرض المنتجات البرمجية وهو يطلب برنامج محاسبة بسيط، إدخال وإخراج فقط على حسب تعبيره، وطبعا كل الشركات حاولت إقناعه أنها تملك مثل هذا المنتج وأنه يمكن لأي شخص ولو لم يكن يملك خلفية محاسبية العمل عليه. طبعا كلها كانت تبالغ.
 
بالرغم من أنه من غير الممكن أن يقتصر برنامج محاسبة على إدخال وإخراج فقط، فهناك الديون للغير وعلى الغير، هذا إن لم ندخل في تفاصيل رأس المال وحقوق المالكين وتفاصيل كثيرة أخرى. لكن لمست من خلال سؤاله حاجة المستخدم لبرنامج يستطيع أن يعمل عليه مستخدم عادي غير ملم بالمحاسبة والتي نعتبرها اليوم من العلوم ما بعد المدرسية، فكل شخص لديه بعض الخبرة في العمل التجاري يستطيع أن يفهم مصطلحات الدخل والصرف والديون والاستثمار والربح والخسارة والتحصيل والتسديد وغيرها من المصطلحات المستعملة يوميا في تعامل جميع الناس، ومع ذلك يجد جميع غير المختصين أنفسهم عاجزين أمام مصطلحات محاسبية مثل الأصول والخصوم والدائن والمدين (مفهومها المحاسبي غير المفهوم اللغوي) وغيرها، وهذا شيء غريب بالنظر إلى أن المحاسبة الغاية منها وصف العمل التجاري البشري الذي يقوم به كل الناس وتسجيله واستخراج التقارير منه بصيغ سهلة الفهم تساعد على اتخاذ القرارات المالية. من الأشياء الملفتة أن بعض المصطلحات تستعمل بعكس مدلولها البديهي تماما وهذا في اللغة العربية حصرا، فلو دفعت من حسابي المصرفي مثلا 5000 ليرة مصاريف كهرباء تسجل العملية: من حساب مصاريف كهرباء إلى حساب مصرفي 5000 ليرة!
 
في الواقع أسفر عملي البرمجي في هذا المجال عن إنتاج أولا برنامج محاسبي للمحاسبة الشخصية وسعته لاحقا ليصير مناسبا للشركات الصغيرة والمتوسطة وهو يتمتع بأبسط واجهة ممكنة بحيث يمكن للمستخدم غير الملم بالمحاسبة العمل عليه بسهولة وفهم وتتبع كل العمليات الحسابية التي يقوم بها البرنامج، بالإضافة لدراسة مطولة عن الموضوع تقدم نظرية المحاسبة بطريقة سهلة وبمنظور جديد أتمنى إنهاءها ونشرها في وقت قريب، وتسمح بإدخال المحاسبة في التعليم المدرسي لأن التلميذ الذي لا يكمل دراسته الجامعية أو الذي لا يختص بالمحاسبة من ناحية سيحتاجها في حياته العملية ومن ناحية ثانية لا تتطلب المحاسبة رياضيات عالية بل المستوى المدرسي الابتدائي فقط من الرياضيات. واليوم أعمل في شركة كبرى على مستوى محافظة اللاذقية بمهمة إعداد برنامج محاسبي لعمل الشركة وهي فرصة لزيادة خبرتي في المحاسبة من جهة ومن جهة ثانية اختبار حقيقي لإمكانية تطبيق نظرتي المحاسبية الجديدة على شركات كبيرة.
 
السؤال الذي يطرح علي دائما هو عن حاجة المستخدم المختص بالمحاسبة لهذه النظرة الجديدة، فهو متعلم ومتعود على النظام التقليدي، هذا السؤال في الواقع مشابه لسؤال عن حاجة منضد يعمل في مطبعة، معتاد على تركيب الحروف الطباعية بمهارة ولديه خبرة في اختيار الخطوط واستخداماتها إلى برنامج متل برنامج وورد لديه ميزات متقدمة في التنسيق والتعديل ومصمم للمستخدم العادي، والجواب ليس أن استعمال كيبورد الكومبيوتر أسهل من التجميع اليدوي، بل الجواب في كلا الحالتين هو أن التسهيل والتبسيط يؤدي أولا إلى تقليل الأخطاء وتسريع العمل وثانيا يفتح إمكانيات وأفق جديدة تماما، على سبيل المثال جميع البرامج المحاسبية تمنع إجراء تعديل على العمليات المحاسببة بالعملة الأجنبية بعد القيام بإعادة تقييم قيمة الحسابات نتيجة تعديل سعر الصرف، وإذا سمحت بذلك ستكون النتائج خاطئة، والسبب هو صعوبة جعل البرنامج يعالج البيانات بشكل صحيح نتيجة تعقيد وعدم وضوح النظام المحاسبي التقليدي. وعندئذ يمكن للمحاسب العمل في مهام أكثر أهمية من إدخال البيانات فقط مثل تحليل المعلومات وتصميم التقارير التي تساعد عمل الإدارة المالية بشكل أفضل، كما أن منضد الحروف صار يملك إمكانيات هائلة في تعديل تنسيق الحروف، وطباعة المادة نفسها بمنشورات من قياسات مختلفة ولم يعد عمله مقتصرا على تنضيد الحروف.

شارك بتعليقك