هل الله في المسيحية ثلاثة أقانيم، وجوه أم أشخاص؟

جرى النقاش أدناه بيني وبين السيد نجيب جورج عوض، البروفيسور المساعد في اختصاص اللاهوت المسيحي ومدير مشروع الدكتوراه في جامعة هارتفورد سيميناري Hartford Seminary، ضمن المراسلات الخاصة على الإنترنت، وأنشره كما هو بعد أن أخذت إذنه لأني وجدت في محتوى النقاش ملخصاً جيداً لموضوع استخدام المصطلح العربي لوصف الثالوث المسيحي المقدّس.

– مرحبا نجيب، سؤال لو سمحت، من فترة صرت أسمع حوارات لاهوتية بالعربية تترجم فيها كلمة أقنوم إلى كلمة شخص، طبعاً واضح أن الموضوع ترجمة حرفية وبرأيي غير موفقة لكلمة Person الإنكليزية فيقال الله مسيحيا ثلاثة أشخاص. في اللغة العربية كلمة شخص تعني كيان مستقل وليست مختلفة كثيرا عن كلمة فرد (الترجمة التقليدية لـ Individual).

سؤالي، هل باللغة الانكليزية كلمة Person تعني كيان مستقل وهل ترجمتها لكلمة شخص هي ترجمة صحيحة أم توجد كلمة أخرى أفضل؟

– أهلين رامي. في الحقيقة ترجمة كلمة أقنوم إلى شخص هي ترجمة غير موفقة ولكن وللأسف ليس هناك سواها متاحاً. في اللغة الإنكليزية، يترجمون كلمة هيبوستاسيس اليونانية بكلمة برسن (Person) الإنكليزية (هم لا يستخدمون كلمة قنومو السريانية كما فعل اللاهوتيون العرب منذ بدؤوا بتأليف اللاهوت بالعربية منذ القرن الثامن ميلادي).

تحفظاتك على دلالات كلمة شخص صحيحة وهي دلالات تجعل حتى من ترجمة المصطلح اللاهوتي اليوناني (وحتى السرياني) بكلمة برسن إشكالياً في الفكر اللاهوتي الغربي وخاصة اللاتيني. فالكلمة تفترض في العقل الغربي اللاتيني (بسبب تعريف بوئيسيوس الفلسفي لها على أنها ذات مفردة عاقلة) كلمة “فرد” كما تشير. أنا تحدثت بالتفصيل عن تلك المسائل اللاهوتية وجذورها الفلسفية في كتابيَّ اللاهوتيين الأول والثالث (كلاهما بالإنكليزية للأسف).

ما هي الترجمة الأفضل للمصطلحات اللاهوتية هيبوستاسيس (يوناني) و قنومو (سرياني) باللغة العربية؟ سؤال كبير جداً.

أستطيع أن أشاركك الخيارات التي اعتمدها لاهوتيين عرب في العصر الإسلامي المبكر. انا كتبت عن خياراتهم في كتابي الرابع الذي صدر السنة الماضية عن ثاودوروس أبو قرة واللاهوتي الخلقدوني الملكاني في العصر العباسي المبكر. أبو قرة يستخدم لترجمة قنومو للعربية إما كلمة أقنوم (وهي تعريب وليس ترجمة كما تلاحظ) أو كلمة وجه/وجوه. هناك لاهوتيين متكلمين عرب آخرين يستخدمون مصطلحات أخرى: أبو رائطة التكريتي اليعقوبي (مونوفيزيت) يستخدم مصطلح اسم/أسماء أو أقنوم، وعمار البصري (النسطوري) يسير بركبه في هذا. يحيى ابن عدي القبطي يستخدم مصطلح صفة/صفات. أنا شخصياً أفضل استخدام أقنوم/أقانيم، وفي تعليمي بالإنكليزية أحدّث الطلاب عن هبيوستاسيس واحيانا أستخدم الإنكليزية برسن ولكن بعد الحرص على تفسيرها لهم. أرجو أن تجد هذا مفيداً. تحياتي

– شكراً جزيلاً، شرحك مفيد جداً بالتأكيد. في نص اعتراف الإيمان أو دستور الإيمان الذي يقرؤه الأسقف الأرثوذكسي حين رسامته، تُترجم أقنوم بكلمة وجه وتُجمع وجوه، وبرأيي أفضل بكثير من استخدام كلمة شخص إن أردنا كلمة عربية قحة.

– هي كلمة أصيلة في التقليد الخلقيدوني الملكاني الذي يبدأ من ثاودوروس ابو قرة. وكلمة وجه التي اعتمدها أبو قرة تم اختيارها من قبله لأنه يعرف أنها موجودة في القرآن “ويبق وجه ربك ذو الجلال والإكرام” على سبيل المثال. كما أنها ترجمته العربية لكلمة قديمة كان آباء الكنيسة في القرنين الثالث والرابع يستخدمونها للحديث عن الثالوث قبل اعتماد كلمة هيبوستاسيس بشكل رسمي في مجمع القسطنطينية 380. تلك الكلمة هي المصطلح اليوناني بروسوبون. وهي كلمة تعني وجه أو قناع أو دور يلعبه الشخص. تجد مثلاً غريغوريوس النيصصي يستخدمها للحديث عن الثلاثة في الذات الإلهية. ولكن قرر آباء الكنيسة محقين برأيي وقتها، خاصة باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي، أن يستخدما عوضاً عنها مصطلح هيبوستاسيس لأن مفردة بروسوبون توحي بأن شخصانية الأقانيم الثلاثة ليست حقيقية ولا قائمة بذاتها، ولكنها مجرد تمظهر خارجي شكلي فقط تتنكر به الذات الإلهية ولن تكشف فيه ذاتها جوهرياً. هذا الفكر تم رفضه في المجمع القسطنطيني لأنه كان فكراً هرطوقياً اعتمده أتباع سابيليوس والموداليستس. لهذا أصر آباء الكنيسة منذ القرن الرابع على الحديث عن الثلاثة في الله باستخدام هيبوستاسيس وليس بروسوبون.

ولكن، في عصر أبو قرة، اختلفت الظروف اللاهوتية وحيثياتها. أدرك أبو قرة أن أفضل تقديم لمعنى الثلاثة في الله للعقل المسلم دون الإيحاء بأن الثلاثة هم ثلاثة ذوات مفردة (أي تعدد آلهة) لا يتم إلا باستخدام مصطلح وجه بالتحديد. أبو قرة لم يخش هنا اتهامه بالهرطقة السابيلية والمودالية، فهو كان يتحدث للمسلمين باستخدام هذه المفردة. أما مع المسيحيين وفي أوساطهم، فأبو قرة يحرص على استخدام مفردة أقنوم وليس وجه لأنه يعلم أن هذه الأخيرة ستخلق مشاكل لاهوتية محقة في الأذن المسيحية.

الأفضل أن لا نترجم كلمة أقنوم برأيي بل أن نستخدمها كما هي. أنا كتبت فصلاً مستفيضاً بالانكليزية عن استخدام أبو قرة الملكاني للمفردة في كتابي: Najib Awad, Orthodoxy in Arabic Terms: The Theology of Theodore Abu Qurrah in Its Muslim Context, De Gruyter, 2015

شارك بتعليقك