هل التعليم الديني للأطفال ضرورة لتعليمهم الأخلاق؟

كل فترة في سورية تتصاعد المطالبات من قبل مثقفين من أجل حذف مادة التربية الدينية من المدارس في سورية، واليوم تتسلح هذه المطالبات بفكرة جديدة، وهي أن التعليم الديني في المدارس هو السبب الرئيسي في ما وصلنا إليه من حرب أهلية ودمار كان السبب المباشر لها ثورة مسلحة قامت باسم الدين.

سبق أن ناقشت موضوع التعليم الديني في المدارس في تدوينة في هذه المدونة، ولكن اليوم سأناقش الموضوع بطريقة أوسع، ليس فقط موضوع تعليم الدين في المدارس، بل ضرورة أو عدم ضرورة تعليم الدين للأطفال، وأيضاً استقراء علمي واقعي حول مسببات الأزمة السورية وهل كان لتعليم الدين في المدارس أو غير المدارس دور فيها أم لا.

منذ ثلاث سنوات تقريباً جمعني لقاء بسيدة تهتم بأمور النازحين في مدينة اللاذقية، ومسؤولة عن عدد من مراكز إيواء النازحين، وأيضاً هي عضو فاعل في إحدى الجمعيات التي تهتم بالنازحين وتعليم الأطفال المتسربين من المدارس. السيدة مسلمة حسب الولادة والقيد المدني، والجمعية التي تعمل بها جمعية مسيحية تابعة للكنيسة، وتقول عن نفسها أنها علمانية (“علماني” هو المصطلح المشذب لكلمة “ملحد” في الحديث اليومي في سورية)، وموضوع النقاش كان حول إمكانية تأهيل وتعليم عدد من الأطفال النازحين والمشردين والمتسربين من المدارس. فاجأني أثناء النقاش أن تلك السيدة أعربت أنها ترى أن تعليم الدين للأطفال ضرورة لحمايتهم من الانحراف وتعليمهم الأخلاق الأساسية. كانت تتكلم عن خبرة. رأيي كان موافقاً ولكن احتجت ثلاث سنوات لتكوين نفس القناعة عن خبرة وليس فقط عن رأي مسبق واستناداً لرأي الغير. خلال تلك السنوات الثلاث انخرطت بشكل عميق في التعامل مع أطفال منحرفين بكل معاني الانحراف، السرقة بدون أي ضوابط، الكذب والغش المستمر، الانفلات الجنسي الذي لا يمكن تصوره أو تصديقه لأطفال من عمر ثماني سنوات بل أقل، التدخين وتناول المسكرات والمهدئات، العنف اللفظي والجسدي المستمر الذي يصل لأقصى الحدود …

من رجع إلى الطريق المستقيم الطبيعي من هؤلاء الأطفال كان الموجه الأساسي له هو الدين، أي تعليمه بأن الله يراه وأن تلك الأمور حرام (لأنها تضره وتضر الآخرين)، وأنه بعدما يموت ستكون هناك محاسبة لكل من يخطئ ويرتكب موبقات.

أحد الأطفال تعلق كثيراً بفكرة الموت (الذي عاينه من خلال موت جدته التي كانت تعتني به) وكان يسأل عن الموضوع كثيراً لدرجة أني قلقت من اهتمامه الزائد بالموضوع، ويسأل أيضاً عن المحاسبة بعد الموت وعن الجنة والنار، هذا الطفل أدهش الجميع حينما أعاد للمخفر مجموعة أجهزة موبايل وجدها صدفة يزيد ثمنها عن المليون ليرة سورية، فيما كان معروفاً مسبقاً بأنه اللص رقم واحد في مدينة اللاذقية.

الطرق الأخرى كانت ضرورية أيضاً إلى جانب التعليم الأخلاقي المستند على الدين، وأهمها محاول تأمين جو عائلي طبيعي لهؤلاء الأطفال وإشعارهم بأن هناك من يحبهم ويهتم لأمرهم، لكن ذلك لم يكن كافي. وطبعاً الطريق الآخر الذي هو توقيفهم في المخافر والإصلاحيات لم يكن مفيداً إطلاقاً لأنهم أولاً يعاينون فساد وسوء تعامل من يفترض بهم أن يحاسبوهم (أي الشرطة) وفي الإصلاحيات يتعرفون على أطفال أكبر منهم ويتعلمون منهم كل ما هو سيء للأسف.

أحد الأطفال المنحرفين (وهو أكثرهم انحرافاً) كان سبق له أن تلقى تعليماً دينياً قبل أن يتعرض للنزوح والتشرد، ولكن التعليم الديني الذي كان قد تلقاه كان يركز على تفاصيل مادية تافهة بأنها حلال وحرام وأن دينه هو فقط الدين الصحيح والآخرون سيذهبون حتماً إلى النار، بالإضافة لتعرضه لتربية سيئة جداً وهو صغير.

هل التعليم الديني في المدارس كان له دور في تأجيج الأزمة السورية؟ من كان متابعاً للمشهد السوري في السنوات الست الماضية يعرف أن بعض المناطق شهدت توترات أكثر من غيرها، وبعض المناطق شهدت حركات انتفاضة عنفية ومؤدلجة دينياً أكثر من غيرها. التعليم الديني في المدارس في سورية موحد لكل المدارس ولكل المناطق وهذا كفيل بنكران دور التعليم الديني في المدارس في تأجيج الأزمة في سورية.

لماذا شهدت بعض المناطق توترات أكثر من غيرها؟ ليس من الصعب عن طريق المقارنة معرفة بعض العوامل المؤثرة، ولعل أبرزها هو ارتفاع نسبة الأمية، وهذا ينطبق بصورة خاصة على حلب وريفها، ومدينة اللاذقية، حيث صارت مشاكل وحل الخراب بالمناطق التي تضعف فيها نسبة التعليم وتزيد نسبة الأميّة، مع أن المظاهرات السلمية في بدايتها لم تقتصر على تلك المناطق. وبغض النظر عن الأسباب المباشرة، المقارنة تظهر بوضوح علاقة غير مباشرة. إذاً السبب لا يتعلق بوجود تعليم ديني، بل على العكس يتعلق بعدم وجود تعليم أصلاً.

في بعض القرى ليس من الصعب ربط المشاكل ولجوء المتظاهرين للعنف بوجود تيارات دينية متعصبة، وبسبب عزلة هذه القرى وإهمال الدولة الثقافي لها تفشى التعصب الديني العنفي فيها، ومرة أخرى لا يتعلق الموضوع بوجود تعليم ديني في المدارس الرسمية.

سبق وأن ناقشت خطورة وقف التعليم الديني في المدارس في سورية، فهذا سيؤدي لالتجاء الناس لأماكن العبادة (الجامع والكنيسة) لتعليم أولادهم الدين (وهو حق لا يجوز لأحد نكرانه)، وبالطبع في مكان يكون فيه الجميع من دين واحد وطائفة واحدة وبمناهج غير محددة وغير مراقبة فإن التعصب الديني سيظهر وسيزداد أكثر بكثير.

كثيرون اليوم في البلاد العربية (عندما يكون الحديث متاحاً) يحاججون بأن الأخلاق غير مرتبطة بالدين، ويستشهدون في ذلك بحضارة أوروبة خصوصاً، حيث النسبة الأكبر من السكان ملحدون، ومع ذلك تجدهم أكثر أخلاقاً وأولادهم أكثر تهذيباً من نظرائهم في بلادنا متدينة الطابع. في الواقع هذه المقاربة سطحية وساذجة للغاية، فكون السياسة في الدول الأوروبية علمانية عامةً، ويوجد الكثير من غير المتدينين، فهذا لا يعني عدم تأثير الدين والتعليم الديني إما بشكل مباشر أو غير مباشر، وهنا لا أدعي تقديم دراسة توضح العلاقة ولكن أقول فقط بأن الموضوع يستوجب دراسة اجتماعية عميقة تعرف أولاً الأخلاق، ثم تدرس كل التأثيرات التاريخية في ثقافة المجتمع. مثلاً كثيرون لا يعون تأثير المدارس الدينية في أوروبة، أي المدارس التي تتبع للكنيسة، وهي منتشرة بشكل كبير، وكون أن الكثير من التلامذة عندما يكبرون لا يكونون متدينين فهذا لا ينفي وجود تأثير كبير للتعليم الأخلاقي المستند على الدين في ثقافتهم. سأعطي مثل آخر يدعم فكرة التأثير الديني، في معظم دول أوروبة هناك ما يسمى بالزواج المدني حيث يمكن لأي شخصين أن يتزوجا رسمياً في الدولة دون الرجوع للكنيسة، والكثير من العلمانيين العرب يطلبون تطبيق هذا الوضع في الدول العربية. لا ينتبه هؤلاء أن قانون الزواج المدني في أوروبة والدول الغربية بشكل عام متأثر جداً بالقانون الكنسي، إذ مثلاً لا يجوز فيه تعدد الزوجات (ولا الأزواج)، مع العلم أنه عبر التاريخ لا يوجد قانون يفرض وحدانية الزوج والزوجة إلا الشرع المسيحي.

يظهر لي أن الذي يربط التعليم الديني في المدارس بانتشار الإرهاب، ويرفض في الوقت نفسه ربط التعليم الديني بالأخلاق مثله مثل من كان ينادي تحت إطار الفكر الشيوعي بمنع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج بحجة أنها تدمر الاقتصاد ولا تحقق المساواة، كلاهما مستند على أفكار نظرية تعبر عن رأيه الخاص دون معرفة ودراسة تأثيرها الفعلي من خلال تجربة حقيقية ولا تحليل كافي.

التعليم الديني برأيي لا يجب أن يلغى من المدارس في سورية، ولكن طبعاً تجب إعادة النظر فيه وجعله موجهاً باتجاه الأخلاق وحسن التعامل. أذكر عندما كنت صغيراً تعلمنا في المدرسة في دروس الديانة المسيحية الميثولوجيا في الكتاب المقدس مثل خلق العالم في ستة أيام وطوفان نوح، على أنها حقائق علمية حرفية، وهذه جريمة بحق التلميذ ولا فائدة منها. كما أن الفصل بين التلميذ المسلم والمسيحي في الصف ليس بمشكلة، وأنا درست في مدرسة نصف تلامذتها مسلمون ونصفهم الثاني مسيحيون ولم يؤد هذا إلى شعور بالعصبية بين التلاميذ، والتلميذ سوف يعرف أنه في المجتمع هناك المسلم والمسيحي، وهناك ذو الدين المشابه وذو الدين المخالف، ومن الأفضل ربما أن يتعلم ذلك في عمر صغير ليتعلم أن الاختلاف ليس حاجزاً في طريق الصداقة والمحبة والتفاهم.

شارك بتعليقك