دليل من الفيزياء النّظرية بأن لله وجود

    ينطلق هذا البحث من مسألة التوأمين الشهيرة التي طرحها ألبرت آينشتاين مسألةً فكريةً يناقش من خلالها نظرية النسبية الخاصة، ويتصدى البحث للحلول غير الكاملة بعد لتلك المسألة ويحاول تقديم حل صحيح وكامل لها، يتضمن فكرة إمكانية المعرفة ودور دارس التجربة على النتيجة، وأيضاً فكرة تأثير المستقبل على الماضي. بعدها يناقش البحث النسخة الدورانية من المسألة وعلاقة الحل بالمنطق البشري الذي يحاول إعادة قوانين الطبيعة إلى قوانين أكثر بساطة واتساقاً، والذي يصل بالإنسان إلى افتراض علة أولى بسيطة واحدة للكون.

    مسألة التوأمين تبدو مفارقة ناتجة عن افتراض نظرية النسبية الخاصّة أنّ الزمن داخل جسم متحرك يتباطأ نسبة لجسم ساكن نسبياً. فإذا فرضنا أن هناك توأمين معاً على الأرض، ثم قرر أحدهما السفر برحلة طويلة في الفضاء وبسرعة كبيرة جداً، ثمّ عاد بعد انتهاء الرحلة، سيكون الزمن قد تباطأ داخل المركبة التي سافر بها نسبة للتوأم الذي بقي على الأرض، وبالتالي سيكون أصغر سناً. المفارقة ليست هنا، بل في أنّ بالنسبة للتوأم المسافر وحسب مبدأ النسبية، التوأم الذي بقي على الأرض هو الذي تحرّك بالاتجاه المعاكس ثمّ رجع، وبالتالي هو الذي سيكون أصغر سنّاً، وهذا يعني أنه عند التقاء التوأمين سيكون كلّ منهما أصغر سنّاً تماماً من الآخر وهذا تناقض منطقي واضح.

    أوّل ما طرحها ألبرت آينشتاين، وهو لم يطرح وقتها فكرة توأمين بل فقط ساعتين، قال أنّها ليست مفارقة، وكذلك الكثير من العلماء بعده، أجمعوا أنّ المركبة المسافرة وما فيها سواء كان فيها توأم أو ساعة، هي التي ستعاني من التأخر الزمني، لكن التفسير فيه غموض.

   لنتذكّر أوّلاً أنه لا يمكننا مزامنة ساعتي التوأمين بأية طريقة لأنّ أية معلومة حسب النسبية الخاصّة ستحتاج لوقت للوصول من توأم لآخر، فمثلاً لو كان التوأم المسافر يرسل إشارات ليزرية يفصل بينها ثانية واحدة حسب ساعته، ستصل الومضات الليزرية إلى توأمه متباطئة بفاصل زمني أكثر من ثانية بالنسبة لساعة الذي على الأرض، ولكن لا يمكننا أن نعرف فيما إذا كان التأخير ناتجاً عن حركة التوأم المسافر، أي ازدياد بعده وبالتالي ازدياد الوقت اللازم لوصول النبضة الليزرية التالية عن سابقتها، أو أنّ التأخير ناتج عن تباطؤ زمن التوأم المسافر نسبةً للذي على الأرض، ولا توجد طريقة لقياس المسافة بشكل معزول عن الزمن والسرعة.

   لكن التوأم المسافر سيختبر التسارع بخلاف التوأم الباقي على الأرض، والتسارع غير نسبي، وهذا ينفي أوّلاً تناظر التجربة بالنسبة للتوأمين لكنّنا لم نعرف بعد أيّ منهما سيختبر التأخّر الزمني.

    التوأم المسافر سيختبر التسارع في ثلاث مراحل، عندما ينطلق من الأرض، وعنما يغيّر اتجاهه ليعود، وعندما تتباطأ مركبته لتحط على الأرض. هناك بعض التفسيرات التي ربطت التسارع بنظرية النسبية العامّة وبالتأخر الزمني المترافق مع وجود تسارع، للأسف هذه التفسيرات خاطئة، إذ أنّ أي حساب لمقدار التأخّر سيجد أنّه مرتبط بالفترة التي قضاها التوأم المسافر في رحلته، بالإضافة للتأخر الناتج عن التسارع في حال طبقنا نظرية النسبية العامّة، وهما مقداران غير مرتبطين، فإذا طالت المسافة المقطوعة مثلاً سيزيد التأخر الناتج عن السرعة ولكن التأخّر الناتج عن التسارع سيبقى هو نفسه في حال كانت المسافة قصيرة.

    لكنّ وجود التّسارع وهو غير نسبي، يعني أنّنا قادرون على معرفة أيّ التوأمين يتحرك نسبةً للآخر، وبالتالي أيّهما سيختبر التباطؤ الزمني نسبةً للآخر، وهو التوأم المسافر.

    العبارة الأخيرة تستحق التوقف عندها طويلاً، فهي تعني أنّ إمكانية المعرفة من قبل دارسي التجربة (نظرياً أو عملياً) لها تأثير على نتيجة التجربة، هذا يردّنا إلى تجربة الشقين الشهيرة في ميكانيك الكم، حيث أنه إذا كانت الجسيمات المقذوفة باتجاه الشقين هي الإلكترونات فإنه إذا أمكن معرفة في أي شقّ مرّ الإلكترون فهذا يؤدي إلى التغاء التداخل الموجي وسيسلك الإلكترون سلوك الجسيم وليس الموجة، والحالة نفسها نجدها عند دراسة تجربة التوأمين، إمكانية المعرفة من قبل دارس التجربة تنعكس على نتيجتها.

    لو فرضنا أننا ألغينا التسارع الأوّل، أي أن التوأم المسافر لم ينطلق من السرعة صفر، بل كان طائراً ومرّ بجانب التوأم الذي على الأرض وفي لحظة كانا قريبين فيها من بعضهما ضبطا ساعتيهما على نفس التوقيت. حينها طالما لا يوجد تسارع (مع إهمال جاذبية الارض القوية)، يبدو أننا لا يمكن أن نعرف أي التوأمين ستتأخّر ساعته عن الآخر. هذا الكلام غير دقيق لأنّنا لا نحتاج لمزامنة توقيتي ساعتي التوأمين فحسب، بل أيضاً لمزامنة سرعتي ساعتي التوأمين، وذلك حتى لو كانتا ساعتين ذريّتين دقيقتين، لأنّه يجب أن نعرف إن كان أحدهما يتأخّر أصلاً عن الآخر، ولمزامنة سرعتي الساعتين لا بد أن يكونا ساكنين بالنسبة لبعضهما ولو لفترة قصيرة، ثمّ بعد ذلك سيكتسب التوأم المسافر سرعة وبالتالي يوجد تسارع.

    ماذا لو أهملنا التسارعين الأوّل والثاني، أي مثلاً لو بدأ أحد الفيزيائيين بمراقبة المسألة بعد أن غيّر التوأم المسافر اتجاهه وعاد إلى الأرض؟ عندها هذا الفيزيائي لا يعرف أنّ التوأم المسافر قد سبق وتعرّض للتسارع وبالتالي ساعته هي التي ستتأخّر، ولن يستنتج ذلك إلّا بعد أن يصل التوأم المسافر إلى الأرض وبالتالي ستتباطأ سرعته، أي سيتعرّض لتسارع سالب، ليلتقي بتوأمه فيعرف عندها أنّه هو الذي كان يتحرّك. هنا نجد حالة غريبة أخرى، إنّ معرفة أيّ التوأمين تتباطأ سرعته مرتبطة بحدث سيحدث مستقبلاً، أي سببية رجعية Retrocausality، وهي هنا لا تؤدّي عملياً لتغيّر حدث حدث في الماضي بناء على حدث صار في المستقبل بحيث يؤدي الحدث الماضي بدوره لتغيّر المستقبل، بل تؤدي عملياً لتغيّر معرفتنا بشيء صار في الماضي أو يصير حالياً بناءً على شيء سيحدث مستقبلاً بدون انعكاس فيزيائي عملي. هذا كفيل بأن نرى بأن السببية ليست إحدى عناصر ظاهرة اتجاه سهم الزمن باتجاه المستقبل دائماً.

    لنأخذ الشكل الآخر الشهير من مسألة التوأمين وهي الشكل الدوراني، لنفرض أن التوأم المسافر بدل أن يذهب بخط مستقيم، صعد إلى محطة فضائية تدور حول الأرض بحركة دورانية وجلس فيها، ولنفرض أنّ المحطّة تبقى فوق التوأم الباقي على الأرض بشكل دائم. كما في الحالة الأولى، التأخّر الزمني الناتج عن التسارع للصعود وكذلك الناتج عن جاذبية الأرض حسب النسبية العامّة مستقل عن التأخّر الزمني الناتج عن سرعة المحطة (المماسية) بالنسبة للأرض. هنا لو فرضنا أن المحطة ترسل إشارات ليزرية إلى الأرض بفاصل زمني محدد، فعندها وجود تباطؤ أو تسارع زمني في وصول الإشارات إلى الأرض يدل حتماً على تباطؤ أو تسارع زمني داخل المحطة نسبة إلى الأرض، كون أنّ المسافة بين الأرض والمحطة ثابتة باستمرار. إذاً الحركة الدائرية ليست نسبية، ويمكن معرفة من الذي يتأخر عن الآخر تجريبياً، ولكن وكما في الحالة السابقة، الذي يجعل زمن أحدهما يتأخّر عن زمن الآخر هو إمكانية معرفتنا أيّهما هو الذي يتحرّك.

    فيزيائياً من السّهل معرفة من الذي يتحرّك، فهو هنا أيضاً التوأم المسافر الجالس في المحطة التي تتحرّك حول الأرض، فسرعة المحطة يمكن حسابها بسهولة من خلال قانون فيزيائي ينطبق على حالة دوران جسم حول الآخر نتيجة سرعته الابتدائية وقوة الجاذبية يمكن استنتاجه مباشرةً من قانون التجاذب العام لنيوتن، وهذا القانون هو:

tmp

    حيث v هي السرعة، G هو ثابت الجاذبية، m كتلة الأرض و r هي المسافة بين الأرض والمحطة، إذاً سرعة المحطة يمكن حسابها بناءً على قيم مطلقة فقط، غير نسبية، أي غير متعلّقة بالمراقب، وحتى التوأم الجالس داخل المحطة قادر على حسابها، ولذلك المحطة هي التي تتحرّك نسبةً للأرض. لو أردنا الدقة فإنّ الأرض والمحطة كلاهما (بإهمال تأثير جاذبية كل جسم آخر) يدوران حول مركز الثقل المشترك للأرض والمحطة، وذلك حسب المسألة الجسمين Two-body Problem، ولكن باعتبار أن كتلة الأرض أكبر بكثير من المحطة فإن حركة المحطة أسرع وأعظم من حركة الأرض بكثير وهي التي تشكل معظم الحركة الدورانية التي نلمسها بين الأرض والمحطة. أيضاً النسبية العامة تفرض تعديلاً بسيطاً على صيغة القانون ولكن تأثيره قليل وتبقى معظم حركة المحطة حول الأرض مطلقة غير نسبية. ويمكن هنا اختصار ما سبق بالقول أنّنا نعرف أن المحطة هي التي تدور حول الأرض من خلال معرفتنا أنّ كتلة الأرض أكبر بكثير من كتلة المحطة.

    يبقى لدينا سؤال مهم، كيف نعرف قيمة كتلة الأرض، أو قيمة كتلة أي جسم؟ هذا السؤال مهم جداً لأنّه يؤدي لمعرفة أن المحطة هنا هي التي تدور حول الأرض، وبالتالي الجواب يؤثر على نتيجة التجربة. في الواقع إنّ معرفة كتلة أي جسم ممكنة فقط بدراسة تأثير جاذبيته على الأجسام الأخرى، وهنا يبدو أنّه توجد حلقة مفرغة، معرفة كتل الأجسام أساسية لمعرفة حركة الأجسام فالرصد لوحده لا يكفي كون أنّه لا يخبرنا من الذي بالفعل يتحرّك نسبةً للآخر، ومن ناحية أخرى معرفة كتل الأجسام مبني على دراسة تأثير جذب الأجسام لبعضها أي من خلال دراسة الحركة المرصودة. ولتوضيح هذا الكلام بمثال، نعرف أن الأرض هي التي تدور حول الشّمس لأنّ كتلة الشّمس أكبر من كتلة الأرض بكثير، ونعرف أنّ كتلة الشّمس أكبر من كتلة الأرض لأنّ الأرض هي التي تدور حول الشّمس وليس العكس.

    أمّا كيف حلّ العلماء هذه المسألة الشهيرة فهي أنّهم تبنّوا التصوّر الأكثر بساطة واتّساقاً وعمليةً، فمثلاً الرّصد المباشر يقول لنا أنّ الشّمس تدور حول الأرض، وبقية الكواكب وأجرام المجموعة الشّمسية تدور حول الشّمس، ويمكن وضع قوانين معقّدة مع ثوابت غير مفسّرة لتفسير هذا التصوّر. لكن التصوّر الأسهل والأبسط والأكثر اتّساقاً هو أنّ كل أجرام المجموعة الشمسية تدور حول الشّمس ذات الكتلة الكبيرة واعتماد قوانين الجاذبية حسب ما وضعها نيوتن.

    هنا نجد نتيجة غريبة قليلاً، سعي المنطق البشري نحو البساطة والاتّساق في الوصف وفي القوانين يؤدي إلى معرفة أيّ جسم يدور حول الآخر، وبالتالي يؤثر على نتيجة التجربة. كون أنّ الجسم الذي نستنتج أنه يدور سيختبر التأخر الزمني.

    إنّ سعي الإنسان نحو البساطة والاتّساق في الوصف وفي القوانين شيء أساسي ومعروف في المنطق البشري، وهو أساس البحث النّظري كما أنّه أساس المنطق الاستقرائي. هذا السعي له نهاية، وهو افتراض علة واحدة أولى للكون، بسيطة وغير مركّبة، أي منزّهة عن أية مواصفات، هذه العلّة حسب المؤمنين بوجود الله هي الله. هذا ليس بجديد، ولكن غير المؤمنين بوجود الله يمكن أن يدّعوا أنّ هذا الافتراض هو مجرّد افتراض نظري خاص بالمنطق البشري، وليس من الضروري أن يعكس الحقيقة أو الواقع، نقاشنا في هذا البحث يوصلنا للنتيجة أنّ سعي الإنسان نحو البساطة والاتّساق في الوصف وفي القوانين والذي ينتهي بافتراض وجود علّة أولى، هذا السّعي يؤدّي لتغيّر نتيجة التجارب بحيث تتوافق معه، أي أنّ الواقع مرتبط بهذا السعي، أي أنّ وجود الله ليس مجرد فكرة نظرية بل هو حقيقة واقعة.

شارك بتعليقك