نقاش لطرح قدس الأب رمزي جريج حول دور العذراء مريم في المسيحية

   ضمن برنامج اسمه “مهم تكون مسيحي؟” يبث على محطتي إل بي سي LBC وسات 7 Sat7 يقدمه، أو بالحري المتحدث الأساسي فيه يكون دائماً قدس الأب رمزي جريج اللعازري، عرضت حلقة حول والدة الإله العذراء مريم، بثّت على اليوتيوب بتاريخ 27 كانون الأول 2017، وأثارت هذه الحلقة الكثير من الجدل والمشادة حين اعتبر كثيرون أن ما قال الأب رمزي يقلل من احترام سيدتنا مريم والدة الإله ويقلل من شأنها ودورها في المسيحية.

   لاختصار ما جاء في الحلقة، بدأت بمقابلة أشخاص متعددين في الخارج ليعطوا رأيهم عن دور مريم في المسيحية، ومن ثم جاء دور أربعة ضيوف حاضرين في الاستديو وهم فنانون مؤمنون ولكن غير مختصين باللاهوت المسيحي، ثم بدأ الأب رمزي بالتحدث وهو يصر على أن هناك خطر وسوء فهم لدور العذراء مريم في المسيحية ويجب التحذير من هذا الخطر وتصويب سوء الفهم.

   برأيي الذي لا أحاول فرضه على أحد والمبني على تعليم اللاهوت المسيحي والكتاب المقدس والليتورجيا والفن الكنسيين، وقع الأب في عدة أخطاء لاهوتية مباشرة في طرحه فيما كان ضيوفه أقرب بكثير من الفهم المسيحي الكنسي لدور مريم العذراء في المسيحية، مع أنه وبشكل واضح كان متفوقاً عليهم في أسلوب كلامه وترتيبه لأفكاره ومعلوماته اللاهوتية والتاريخية بطبيعة الحال مما أظهره متفوقاً عليهم في طرحه، وقد يكون ما ساعد على ذلك تعليمات جاءت للضيوف خلال الفاصل ضمن الاستديو بالتخفيف من حدة المعارضة حيث نجدهم بعد أول فاصل خففوا حدة اعتراضهم الذي كان جلياً في القسم الأول من الحلقة لدرجة ظهور الشعور بالغضب والتوتر على وجوههم.

   سأناقش هنا مباشرة الأفكار اللاهوتية التي طرحها الأب وسأعطي رأيي فيها ولماذا أجد بعضها خاطئاً ومخالفاً للعقيدة المسيحية.

   أول فكرة طرحها الأب رمزي، هي أن صورة الإلهة الأم كانت منتشرة في الكثير من العبادات الوثنية وهناك خطر من نقل صورة الإله على أنه أنثى وأم إلى المسيحية فيكون ذلك تأثر بالوثنية أو فيه شيء من الوثنية. هذا الطرح للأسف فيه الكثير من المغالطات.

   أوّل هذه المغالطات أن فكرة تقديس الأنثى لكونها أم كانت قد تصدت له اليهودية واللاهوت اليهودي قبل المسيحية بفترة طويلة جداً، لذلك أوردت قصة الخلق أن المرأة خلقت من ضلع الإنسان – الرجل، وذلك لموازنة موضوع أن الرجل تلده المرأة وبذلك كما في الحضارات الوثنية القديمة يجب عليه تقديسها بل حتى تأليهها كونها مصدر وجوده، وهكذا فهم بولس الرسول هذه الفكرة في قصة الخلق وعلق عليها بقوله “ففي الربّ لا تكون المرأة من دون الرّجل، ولا الرّجل من دون المرأة. لأنّه إذا كانت المرأة من الرّجل، فالرّجل تلده المرأة، وكلّ شيءٍ من الله.” (كورنثوس الأولى 11 : 11-12).

   لذلك فكرة المطريركية أو تفوق الأنثى وتقديسها لكونها أم موضوع محسوم أصلاً في المسيحية وحتى قبل مجيء المسيح من خلال كتب العهد القديم.

   المغالطة الثانية التي وقع فيها الأب أنه أغفل أنّ المسيحية واللاهوت المسيحي، بل التعبير الأنسب أنّ الله نفسه، يستجيب لثقافة الإنسان وفكره، وهذا جزء من فكرة التجسد، الله أخذ طبيعتنا بتمامها، وقبل أن يتجسد حتى، حدّث البشر من خلال أنبيائه بلغة البشر وثقافتهم وبأساليب التعبير البشرية ومستوى فهم الإنسان ومعلوماته، ثم حضر المسيح لدينا إنساناً مثلنا وعاش عيشة إنسان وتفاعل مع أبناء الثقافة التي ظهر فيها بالجسد بلغتهم وبثقافتهم وبأفكارهم. فإن كانت فكرة البحث عن الإله الأم موجودة فطرياً في الذهن البشري فمن المفهوم بل المتوقع أن يأتي هذا المفهوم أيضاً ضمن العقيدة المسيحية.

   المغالطة الثالثة، وهنا هذه الفكرة التي قد تصدم البعض لأول وهلة والتي فشل ضيوف الأب في البرنامج في التعبير عنها، هي أنّ الأب لم يستوعب بأنّ مريم العذراء في المسيحية بالفعل ودون أي شك أو لغط، هي الصورة الأنثوية للألوهة. مريم العذراء هي بطبيعتها إنسانة وليست إلهة، ولكنّها متألّهة بالنعمة الإلهية الممنوحة لها باستمرار من الله، والتأله لا يعني أنّه يصير هناك إله آخر غير الإله الواحد الأحد المثلث الأقانيم، بل يعني أن الإنسان المتأله هو متّحد بالإله بسبب طهارته والنعمة المؤلّهة الممنوحة له من الله. لماذا مريم العذراء؟ الموضوع ليس قصراً على مريم العذراء بل كل إنسان دون استثناء هو مدعو وقابل للتأله إذا عاش عيشة طاهرة وقبل نعمة الله المؤلّهة له من خلال قبوله بالمسيح مخلّصاً لحياته.

   لكن مريم العذراء الإنسانة هي أيضاً متميزة، وتميّزها لا يعود لبضعة مواقف عملتها في حياتها، فهو ليس فقط لأنها صدقت وآمنت وقبلت بشرى الملاك جبرائيل لها، مع ما قد يعنيه ذلك من احتمال اتهامها بالزنى وتعريضها للرجم، واحتملت أقصى ألم يمكن أن تحتمله أم أن ترى ابنها مقتولاً ومعذباً أمامها، وكل ذلك من أجلنا، وليس أنها حافظت على صمتها واتضاعها طيلة حياتها على الأرض، بل لأنها عاشت كل حياتها قبل أن تحبل بالمخلص وبعدها بسيرة كلها نقاء وطهارة، فهل من الممكن أن يحل رب المجد القدوس في حشا ليس كليّ الطّهر؟ والطّهارة تعني تحديداً الخلو من الخطيئة. وهي الإنسان الوحيد، عدا الرب يسوع نفسه، الذي شارك مباشرةً في التجسّد وفي تدبير الربّ الخلاصي، ولذلك نقول في دستور الإيمان “وتجسد من الرّوح القدس ومن مريم العذراء وتأنّس (الأصح تأنسن)”. الربّ القدوس أخذ طبيعته البشرية من مريم، وهي تألّهت به.

   فهل هناك خطر من أن نؤلّه العذراء؟ كما قلنا الربّ نفسه هو الذي ألّهها ويؤلهها، نحن حين نؤله شخصاً فهذا يعني أننا نحاول صنع إله على ذوقنا فهذه طبعاً وثنية، لكن أن ننكر أن نؤله نحن شخصاً ما، لا يتطلب أن ننكر أن يؤلهه الإله الواحد القدّوس.

   إحدى النقاط التي أثارها الأب المذكور هو أنّ الله هو الصورة الأبوية والأموية، وهو يمثل القوة ويمثّل الحنان أيضاً، لذلك لا حاجة لوجود شخص آخر ليمثل الأمومة مع ما تعنيه الأمومة من حنان وعاطفة واهتمام أموي. هذه طبعاً مغالطة، فالله بالنسبة لنا هو الإله المتجّسد، والإله المتجسّد تجسّد في إنسان ذكر هو ربّنا يسوع المسيح، لذلك هو صورة ذكريّة، وهذا الذكر له أمّ بشرية شاركت في عملية التجسّد، ونحن نحتاج للصورة الأنثوية في عملية التجسّد لتعبّر لنا عن صورة الحنان الأموي لله.

   عندما نحدّث العذراء كأم ونطلب منها أن تستعطف السيد كما يطلب الولد من أمّه أن تستعطف أبيه لكي لا يقسو عليه، فهذا ليس لأن الربّ يحتاج إلى استعطاف والدة الإله ليغيّر رأيه، فهو يعرف ما نريده منه قبل أن نطلبه وهو كليّ الحكمة وكليّ المحبّة أيضاً، لكن نحن نحتاج إلى هذه الصورة الأموية لنخاطبها كما نخاطب الأم لأنه في طبيعتنا وبالفطرة ونتيجة تربيتنا نرى ونفهم صورة الأم أنّها تمثّل العطف والحنان وأنّها تستعطف لنا أبينا. يمكن القول أنّ الرب هو مثل أبٍ حكيم قد أخذ قراره ولكن ينتظر أن يطلب الولد من أمّه أن تستعطفه فيظهر قراره ليوطد العلاقة بين الولد وأمّه ولا يحرمه من شعوره بوجود مصدر للعطف والحنان.

   كذلك وجود السيدة مريم في العقيدة المسيحية ومشاركتها في عملية الخلاص وتعظيمها من قبل المؤمنين هو أيضاً احترام للمرأة (وليس تقديساً مطريركياً) وإعطاء للمرأة مكانتها الكاملة في الحياة، حيث يجنح المجتمع دائماً بسبب تفوق القوة الجسدية للرجل على الإقلال من أهمية دور المرأة ومن احترامها، هذا قلة محبة وتكبّر، فيما تعليم السيد هو أن نحب ونحترم جميع الناس بغض النظر عن الفوارق الجنسية أو غير الجنسية، وقداسة مريم العذراء وتعظيمها يشمل بما يشمل تعليمٌ واضحٌ من الكنيسة لكل المؤمنين بأن المرأة ليست أقل شأناً من الرجل بشيء.

   أحد التعابير التي استعملها الأب بعد اعتذاره عن احتمال اعتبار تعبيره مبتذل، أنّ بعض المؤمنين يعاملون مريم العذراء وكأنها تفتح دكانا لوحدها مجاور لدكان الربّ يسوع. يبدو أنّ هذا الأب والذي يتبع التقليد الكاثوليكي الشرقي، نسي أنّه في الكنيسة الشرقية تجد أيقونة السيد المسيح على يمين الباب الملوكي وهناك أيضاً دائماً أيقونة للسيدة العذراء على يسار الباب مجاورة لأيقونة السيّد. فهي بالفعل إذا شئنا استخدام نفس تعبير الأب، لها دكان خاص بها، ولكنه ليس مستقلاً عن دكان يسوع، ففي معظم الأيقونات تظهر العذراء حاملة للطفل يسوع  ومن النادر جداً أن نجدها، شرقاً أو غرباً بدون حضور الرب يسوع معها في نفس الأيقونة. ويمكن القول أيضاً أن دكان يسوع ليس مستقلاً عنها كونها مشاركة أساسية في فعل التجسّد الإلهي وأنّه أخذ طبيعته البشرية منها، أي بواسطتها صار الربّ الأزلي إنساناً مثلنا هو يسوع المسيح.

   دور مريم العذراء في الليتورجيا الكنسية أيضاً واضح سواء شرقاً  أو غرباً، وهذا ما أثار استغراب بعض ضيوف الأب في البرنامج بسبب تناقض كلامه عن السيدة مع قوة حضورها في الليتورجيا، فمثلاً في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي تتبع الطقس البيزنطي، العيد السيّدي له أهمية خاصة تختلف عن جميع الأعياد، والعيد السيدي هو عيد خاص بالسيد المسيح أو بالسيّدة العذراء على التساوي، فكما أنّه للسيد المسيح عيد للحبل به وعيد لميلاده وعيد لدخوله الهيكل وعيد لصلبه وقيامته، كذلك للسيّدة العذراء عيد للحبل بها وعيد لميلادها وعيد لدخولها إلى الهيكل وعيد لرقادها وانتقالها. عيد ميلاد المسيح يُتْبع في اليوم التالي بعيد جامع لوالدة الإله، أحد القيامة يُتْبع في يوم الجمعة من أسبوع التجديدات ونحن بعد في الفصح بعيد سيدة الينبوع والدة الإله. جملة التمجيد الشائعة في الصلاة “المجد للآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين آمين” غالباً ما تجزأ إلى جزأين، الأول من كلمة المجد إلى نهاية كلمة الروح القدس، يتبعه ترتيلة للسيد، ثم تكمّل عبارة الآن وكل أوان إلى كلمة آمين يتبعها دائماً ودون أي استثناء ترتيلة لوالدة الإله. في قوانين الأعياد تأتي الكاطافاسيات التاسعة خاصة بوالدة الإله وترتل قطعة منها في القدّاس إذا كان عيد وإذا لم يكن ترتّل ترتيلة “بواجب الاستيهال” وتأتي مباشرة بعد طلب استحالة الروح القدس على القرابين في الكلام الجوهري. آخر الأعياد الكبيرة في السنة حسب التقويم الكنسي الذي يبدأ وينتهي مع بداية شهر أيلول، هو عيد رقاد السيّدة، والذي يأتي في أكثر الفترات حراً في السنة في منتصف آب، وبعد عيد الظهور الإلهي “التجلّي” بتسعة أيّام، عيد التجلي يعبّر من خلال مفهومه وموعده في السنة الكنسية عن اكتمال الاستنارة للمؤمن وظهور الله له نوراً، وبعده بتسعة أيّام يأتي عيد السيّدة ليعبّر عن قمة القداسة الممكنة للبشر. صلاة يسوع التي تناسب التلاوة الدائمة والمستمرة وهي “يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ” تُتبع بصلاة “أيّتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا”. لا أريد أن أطيل كما أخشى أن أقلل هنا من مدى حضور والدة الإله في الفن الكنسي بكافة أشكاله والمطّلع يعرف.

   لا أستوعب كيف يمكن أن يشكل تعظيمنا لوالدة الإله خطراً، الخطر الوحيد الممكن هو أن نقلل من شأن الرب يسوع على حساب اهتمام زائد بوالدته القديسة، ولكن كيف يمكن أن يصلي مؤمن لوالدة الإله، أي يتواصل معها، ولا توجهه السيّدة نحو ابنها وسيدها ومخلّصها وسيدنا ومخلّصنا.

   يقول الأب المذكور في معرض حديثه أن قرب مريم من يسوع هو فرصة لأتقرب أنا منه مثلها، فهي قدوة وطريق ورفيق الدرب، وهذا كلام لا غبار عليه، ولكنه لا ينتقص أبداً من دور السيّدة العذراء ومن الداعي لتعظيمها والصلاة لها، فالرب نفسه أيضاً سمى نفسه طريقاً وباباً إلى الآب وكونه طريق لا ينتقص بالطبع من ألوهيته.

   بجميع الأحوال أن يبنى برنامج تلفزيوني على رأي شخص واحد أياً كانت مكانته وثقافته، ويصوّر البرنامج كلام هذا الشخص كأنّه مُنزَل ويمثّل الحقيقة المطلقة فيه خطر الوقوع في الخطأ المعرفي إذ لا يوجد إنسان كلي المعرفة أو عديم الخطأ، فكيف إذاً بموضوع حسّاس جداً وخطير جداً مثل العقيدة الدينية. الأحرى أن يكون البرنامج حوارياً ومعداً مسبقاً من قبل عدّة مختصين وأن يعتمد الطرحُ مباشرةً على مصادر من الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة والقديسين.

شارك بتعليقك