أين الله وأنا أتألّم؟ جواب اللّصّين

قد لا يعرف البعض أنّ المسيح حين صلب حسب رواية الكتاب المقدّس لم يكن وحيداً، إنّما صُلب معه لصّان مدانان، واحدٌ عن يمينه والآخر عن يساره. ينفرد القدّيس لوقا الإنجيلي برواية حديث جرى بين المسيح واللّصّين، ربّما قد سمعه لوقا من سيدتنا العذراء:

كان واحد من المذنبين المعلقين يجدّف عليه قائلا: «إن كنت أنت المسيح، فخلّص نفسك وإيانا!» فأجاب الآخر وانتهره قائلا: «أولا أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟ أما نحن فبعدلٍ، لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محلّه». ثم قال ليسوع: «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك». فقال له يسوع: «الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس».” (لوقا 23 : 39-43 )

وفي إحدى الصلوات يعلّق كاتب التسابيح قائلاً: “لقد ظهر صليبك ميزان عدلٍ بين لصّين، أما الواحد فقد أحدره ثقل التجديف نحو الجحيم، وأما الآخر فقد رُفع من الزلّات إلى معرفة التكلّم في اللاهوت” (من صلاة السّاعة التّاسعة)

أين الله وأنا أتألّم؟ سؤالٌ مشروع جداً، ولكن كلّ من اللّصّين أجاب عليه بطريقة مختلفة تماماً، بالنسبة للأوّل، لو كان الله له وجود وكان متجسّداً فعلاً في شخص هذا الرجل المصلوب إلى جانبي لكان خلّص نفسه وخلّصنا … من الصّلب، أمّا الجواب بالنسبة للثاني فكان، أين الله؟ ماذا دهاكم؟ إنّه هنا بجانبي، “إنّه عن يميني لكي لا أتزعزع، لذلك سرّ قلبي وتهلّل لساني، حتّى جسدي أيضاً سيسكن على رجاء” (مزمور 16 : 8 – 11)، هو يشاركني آلامي عينها، صحيح أنّي أتألّم، لكن بعدل حكمته، أمّا هو فبدون ذنب، بظلم شرّ البشر، وسينتصر على العذاب وعلى الموت بالقيامة، فلأطلب منه أن ولو أن يذكرني حينما يأتي بملكوته لأني غير مستحق لما هو أكثر. فحصل اللّصّ على الجواب فوراً، “اليوم تكون معي في الفردوس!”. المسيح وفي ذروة آلامه أعطى أعظم رجاء ممكن لهذا اللّص، وحول ألمه إلى فرح عظيم.

كلام اللّصّ الأوّل منطقي، ويمكن لنا أن نبرّره منطقياً. الله القادر على كل شيء حسب ما يقوله رجال الدّين، والمحبّ ومصدر كل خير أيضاً، كيف يرضى بعذاب البشر؟ لكن لننتبه أنّها فرضية مبنية على الكبرياء، فهذا اللّصّ ينسى هنا وهو تحت العقاب أنّه لصّ، وينسى ما قد يكون قد تسببه بعذاب لكثيرين، ولا يفكّر إلّا بالألم الوقتي، ويتبنى رأي الجماهير التي كانت تجدّف على المصلوب وتسخر منه. أمّا اللّصّ الآخر فقد انطلق من تواضعه ولم ينظر إلّا إلى خطاياه الشخصية وتاب عنها.

بسبب تواضعه وبكلمات بسيطة جدّاً يفسّر لنا لاهوت الصّليب كلّه، الموضوع الذي شغل كبار الفلاسفة الداعين أنفسهم لاهوتيين عبر التاريخ ولم يستطيعوا فهمه وتفسيره، وأعطوا نظريات غريبة عجيبة وهرطوقية، فيما أنّهم لو تواضعوا وقرأوا كلمات اللص المكتوبة في الكتاب المقدّس لفهموا كلّ شيء. المسيح قد شاركنا عذاباتنا وآلامنا كلّها مع أنّه بدون أيّة خطيئة، وإن كان بآلامه لم يلغ الألم وعذاب البشر على الأرض لكنّه يعطي للمتواضعين والصّابرين والمؤمنين به رجاء القيامة فيتحوّل عذابهم إلى فرح عظيم.

اليوم تذكار صلب المسيح، ومن يؤمن بأن المسيح حمل آلامنا وعذاباتنا على الصليب يضع نفسه مكان أحد اللّصين، فالكل قد أخطأ، وهناك من يتواضع ويتوب وهناك من ينسى خطأه. من يتوب يشارك المسيح في قيامته مثلما شاركنا هو في آلامنا.

إنّني قد أخطأت يا ربّ مثل اللّص فاذكرني متى جئت في ملكوتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *