لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأقدامها وتلتفت فتمزقكم

يقول السيد المسيح هذا الكلام الصادم لأوّل وهلة ضمن موعظته الشهيرة التي تسمى بالموعظة على الجبل والواردة في إنجيل متى الاصحاحات 5، 6، 7. وهذا مباشرة بعد كلامه عن ضروره عدم إدانة الآخرين «لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟ أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك؟ يا مرائي، أخرج أولا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك!» (متى 7: 1 – 5)

فإذا كان المسيح يعلمنا بألا ندين أحد ونحكم عليه، وأرسل تلاميذه لتبشير كل العالم، وطلب من المسيحيين أن يكونوا شهوداً له أمام كل الناس، فكيف يتوقع منا أن نحكم على البعض بأنّهم كلاب وخنازير وأن نمنع عن من لا يعجبنا ما نعتبره قدسات ودرر؟ أو أن نخاف من من قد يقوم “بتمزيقنا” فيما أنّ الرسل المبشرين وشهداء المسيحيين عبر تاريخ طويل تحدوا كل الصعاب ولم يثنهم عذاب أو اضطهاد عن التبشير؟

واليوم هذا الكلام يبدو مستغرباً أكثر مع انتشار الإنترنت والإعلام الفضائي، فالصلوات والتعاليم المسيحية والفن الكنسي كلّها متاحة للجميع وبالمجان، فهل يجب أن نقنّن الإعلام ديني الطابع ونمنع وصوله لغير المسيحيين أو من لا نراه جدير به؟

أعتقد أنّ هذه الوصيّة لا تتعلق بالمادة نفسها التي يمكن أن تقدّمها الكنيسة أو المؤمنون سواء كانت فناً كنسياً أم تعليماً، ولا بمن تقدّم له، بل تتعلق بالهدف من تقديمها والطريقة.

الكلب هو حيوان دجّنه الإنسان ليقوم بخدمته في الحراسة ومهاجمة اللّصوص، لذلك يبدو معنى إعطاء القدسات للكلاب هو جعل الإيمان والتعليم مادةً للجدال والهجوم على معتقدات الآخرين أو الدفاع عن المعتقدات المسيحية بأسلوب المخاصمة، وهذه كلّها أمور غير مفيدة ومختلفة عن التبشير الذي يعني حمل البشرى السارة لجميع الناس. الرّسل حين بشّروا سواء اليهود أو الوثنيين لم يستعملوا أسلوب السّخرية أو نقد إيمان الآخرين بل على العكس قالوا أنّ يسوع المسيح هو من تنبأ عنه كلّ الأنبياء اليهود وهو من يبحث عنه الفلاسفة الوثنيون من زمن طويل، لذلك سمّى يوحنا الإنجيلي الابن لوغوس (بشارة يوحنا الاصحاح 1)، وقال بولس الرسول للوثنيين أن الإله الذي تتقونه وأنتم تجهلونه هو الذي أبشركم به (أعمال الرسل 17: 23). وبالحقيقة لا نجد نتيجة مجدية من طرح الإيمان بطريقة الجدال والمخاصمة والسخرية من الاعتقادات غير المسيحية أو من آراء مسيحيين آخرين، فهذا بالنتيجة لن يولّد سوى معاندة ورد فعل مقابل «تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم».

أمّا الخنازير فهي حيوانات شرهة تأكل أي شيء دون تمييز ولا تعير اهتماماً لقيمة وجودة ماتأكله، لذلك إعطاء الدرر للخنازير يكون عندما نقدّم الفن الكنسي لمن لا يهمهم محتواه الروحي العميق، ولا ينظرون إلّا إلى الشكل الخارجي، من لحن أو ألوان أو تصاميم أو بلاغة، وعندما يكون نشر هذا الفن بداعي المفاخرة أو التكسّب المادي، وعندها لن يدرك المتلقي قيمته الروحية العميقة.

هذا أيضاً من شأنه أن يضر بالمؤمنين حقيقة لأنّه قد يجعلهم يفكرون بالشكل الخارجي وبما يجلبه لهم الفن الكنسي المنشور من مفاخرة وربّما دخل مادي ويهملون الجوهر. وجوهر الفن الكنسي هو الصلاة ولا شيء غير الصلاة. الفكرة نفسها تنطبق عند تقديم اللاهوت المسيحي على أنّه مجرد فكر فلسفي أو تقديم التعاليم الروحية على أنّها تعاليم أخلاقية بسيطة أو محفّزات على النجاح الوقتي.

أحياناً للأسف ينجر الكهنة أو المسؤولون عن الكنائس والمرتلون لمثل هذه التصرفات ومع المؤمنين الذين يرتادون هذه الكنائس قبل غيرهم، فتتحوّل الصلوات خصوصاً في الأعياد إلى استعراضات موسيقية ومسرحيّة وزينة مبالغ بها. يقول البعض أن هذه الأمور ضرورية أحياناً لجذب المؤمنين، وربما يكون معهم حق أحياناً، ولكن هناك ناحية سلبية جداً يجب الانتباه لها، وهي أنّها تضيع على المؤمنين طريق الفرح الحقيقي النّابع من التوبة والصوم والصلاة، فينتهي العيد والمؤمن يشعر بإحباط كبير لا يعرف سببه رغم أنّه حضر كل الطقوس المسرحية واشترى أغلى الزينة والهدايا والثياب، غير مدرك أن فرح العيد الحقيقي يصدر من مكان آخر، من داخل الإنسان نحو الخارج وليس بالعكس.

المسيح ولد في مغارة، بحضور عدد قليل جداً من الناس، دون أية مظاهر مبهرة، بل على العكس كانت ولادته أقل من ولادة أبسط الفقراء، وقام أيضاً من مغارة القبر حيث لم يكن أحد حاضراً، والمغارة ترمز بالحالتين إلى عمق القلب، حيث يولد المسيح ويقوم، أمّا نتائج ولادته وقيامته فعمّت العالم أجمع وغيّرت التاريخ، لأن المؤمنين ذاقوا الميلاد والقيامة قي قلوبهم فانعكست على أفعالهم وبشروا بالفرح الذي ذاقوه العالم أجمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *